نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٦:الآيات ٧٦-٧٩ وقوله تعالى : فلما جن عليه الليل إلى قوله : من المشركين تكلموا في تأويل الآية على أوجه ثلاثة :
فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر أنه عارف بربه حق المعرفة إلى أن عرف من الوجه الذي بان له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار العقل، فقال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض الآية [ الأنعام : ٧٩ ].
لكن أهل هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة :
أحدها : ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق السماء، فنظر من١ باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلألئها، وكان في علمه أنه له ربا، وأنه يرى، فلم ير أضوأ٢ منها ولا أنور، فقال : هذا ربي فلما أفل وله علم أن الرب دائم، لا يزول، فقال : لا أحب الآفلين بمعنى : ليس هذا برب كقولهم٣ سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [ الفرقان : ١٨ ] أي ليس لنا، وقول عيسى حين٤ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق [ المائدة : ١١٦ ] بمعنى : ما قلت ذلك.
ولكن أهل التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا على غيبوبته بسلطان٥ القمر، وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم.
وعنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول. وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة الليل. وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر، وأن سلطانه لا يزول، وأنه لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه، بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال. وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال.
ومنهم٦ من يقول : كان هذا منه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم، سمع الخلق يقولون٧ في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله. وعلى ذلك أمر جميع أهل الشرك كقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله [ العنكبوت : ٦١ و.. ] وقوله تعالى : لمن الأرض إلى قوله ما اتخذ الله من ولد [ المؤمنون : ٨٤-٩١ ] ثم رآهم عبدوا الأصنام، وسموها آلهة، فتأمل، فوجدها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فعلم٨ أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكرت، وإن الذي ذلك فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى السماء ونزول الغيث منها ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها منها. فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها، ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، فظن ذلك.
ثم لما قهر، وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ذلك علم أنه ليس هو، وقال :[ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ]٩إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، أو صارت بحيث لا يجري له السلطان، أو رأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك وفي القول من تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به. وذلك كان أول أحوال احتماله علم الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا بالله.
ومنهم١٠ من قال : إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك، وألقى في نفسه، فانتبه الإنسان بشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، فراعاه إلى أن أفل، فأراد من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول، ولا يتغير، ففزع إليه، وقال : لا أحب الآفلين وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن عرفه الله، فتبرأ١١ مما كانوا يشركون، وتوجه١٢ بالتوحيد والعبادة إليه.
وإلى هذا التأويل ذهب الحسن، وإلى الأول [ ما ]١٣ روي عن ابن عباس رضي الله عنه.
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم، وهو كان عن الله بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن والأفول١٤ بعد الوجود ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ومن له يعمل في راحة وسرور. ثم [ لا ]١٥ يرى في شيء من العالم أن١٦ له معنى يدل على رجوع التدبير، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله : إذ جاء ربه بقلب سليم [ الصافات : ٨٤ ] وقيل : سليم من الشرك، لم يشبه شيء.
وقال : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه [ الأنعام : ٨٣ ] وما يذكرونه إنما أتاه على نفسه ؛ إذ هو في الغفلة عنها والجهل بمن له الآيات، وقد قال أيضا : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض [ الأنعام : ٧٥ ] ومعلوم أن ذلك على معاينة أو ذلك قد أري كلا منا.
ولكن على ما بينت من الوجهين، وفيهما حقيقة، وليس في قوله تعالى : وليكون من الموقنين دلالة للشك في الابتداء والجهل في الحال التي يحتمل به عز وجل ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان بمن لا تقع عليه الحواس، ولا١٧ توجب علمه الضرورات، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقي الأخبار ولا قوة إلا بالله.
وذلك كقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير [ الرعد : ٢ ] لا عن وضع، وقوله تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور [ المائدة : ١٦ ] لا أن كانوا١٨ من قبل في الظلمات، وقول يوسف : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله [ يوسف : ٣٧ ] لا عن كون فيها. وهكذا أمر الإيمان أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله وأن لا إله غيره، لا عن شك في ما تقدمه من الوقت والجهل. فمثله أمر إبراهيم عليه السلام.
والوجه الثاني : مما تكلم في التأويل أن يكون إبراهيم، صلوات الله عليه، كان مؤمنا في ذلك الوقت عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم، فيكونون به أولى وإليه أميل. وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما١٩ أراد من غير جهة النقض والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك على يده هو، ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه فنظر نظرة في النجوم [ الصافات : ٨٨ ] في مقاييسها وعلمها نظر٢٠ إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من حيث علمه أنه يموت، ومن يموت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ذلك الباب دعوى.
فكذلك ما نحن فيه. وعلى ذلك أمر البد الذي كان يعبده٢١ قوم، عظمته [ الحواريون الذين ]٢٢ أرسل إليهم حتى اطمأنوا، وصدروا عن تدبيره، وبلوا بعذاب٢٣، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء البد ليكشف لهم، إذ لمثله يعبد، حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله، فكشف عنهم، فآمنوا به. فمثله الأول.
وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة. ومن ذلك قوله : لا يعبد النجم٢٤، لا يراه ربا، كيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ربا ؟ ثم النقض عليه /١٥٣-أ/ بالأفول ؟ ولكن على ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم بالأفول ؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان.
وهذا الوجه يجوز أن يظهر على إضمار معنى، في نفسه مستقيم، كالمكره على عبادة صليب، يقصد قصد عبادة الله، والمكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم يقصد قصد محمد آخر، يصوره في وهمه ونحو ذلك. وهو على ما قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون [ الأنبياء : ٦٣ ] على جعل أن كانوا ينطقون شرطا في نفسه في قوله قال بل فعله كبيرهم هذا [ الأنبياء : ٦٣ ] والله أعلم.
وقيل : في الاستدراج من غير هذا الوجه على التسليم أنهم أهل كهانة٢٥ ونجوم ؛ وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان دعاهم من طريق المقابلة، إذ هم مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن في المبصر بما قد زين بأنواع الزين٢٦ وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم، وما ذكر٢٧، وأن الذي ذكر أحسن وأعظم نورا وضياء ؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما فعلوا به، وجعلوه٢٨ كذلك، ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه، وقبلوا أن يقر ذلك في قلوبهم، وتطمئن إلى ذلك أنفسهم بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من لا يشهدونه وقت العبادة، فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها٢٩، أو أن يقول : إذا كانت النجوم وما ذكر من ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق بها لم يصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير. فالذي كانوا يعبدون على ما [ سخروه كان ]٣٠ تحت البشر ذليلا٣١، لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، أحق ألا يكون له الروبية، وألا يوجه إليه العبودة، والله أعلم. فهذا النوع من الاستدراج في ما لو ظهر لهم٣٢ لم يكونوا يتخذون النجوم أربابا يعبدونها، وكذلك الذي ذكره القتبي.
والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء. ويكون في ذلك معنى الاستدراج ؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به أو نقض أسباب الشبه درجة فدرجة في حلول الوقت وحلول المقصود وتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب.
ثم قيل في هذا بأوجه :
أحدها : أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد والصبيان، وإبراهيم منهم في ما كانوا يدعونه إليه. فقال لما رأى النجم : هذا الذي تعبدون ربي، أي إلى عبادته تدعونني، أي هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته. فلما رآه طالعا سابحا غائبا ثبت عنده أنه مسخر، فقال : لا أحب عبادته. لكن ذا قد يكون في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه ليعرف وقع قولهم من الوجه الذي يقر ذلك في القلوب إذا قابلهم. وقد يكون في ملإ منهم، يظهر لهم قوله : هذا ربي [ الأنعام : ٧٦و ٧٧ و ٧٨ ] على إضمار : تدعونني إليه، ليلزمهم بما بان له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا لأنه ألزمهم بعد ظهور الوفاق منه لهم، وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني [ إليه ]٣٣ ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار الموافقة ؛ يبين لهم ذلك بما ألزمهم أن الابتداء لم يكن على المساعدة، إذ ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا.
والثاني : أن يكون قوله : هذا ربي على ما يقال : هذا فلان الذي تخبرونني عنه، بمعنى أهذا هو ؟ على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو على الاستفهام ليقرره عنه، أو على الوجهين كان، وقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان٣٤ على الهزء بهم والاستفهام ؛ وذلك كقوله تعالى : خلقوا كخلقه [ الرعد : ١٦ ] على أنهم لم يخلقوا كخلقه، يوضح قوله : قل الله خالق كل شيء [ الرعد : ١٦ ] في الأول لا أحب الآفلين .
والثالث٣٥ : أن يكون هذا يضمر في قوله تعالى : هذا ربي أي رب هذا ربي إلى آخر ما ذكر، ثم رجع إليه عندهم أ
٢ - في الأصل وم: ضوء..
٣ - في الأصل وم: بقوله..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: في سلطان..
٦ - هذا هو الوجه الثاني من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
٧ - في الأصل وم: يقول..
٨ - في الأصل وم: علم..
٩ - في الأصل وم: لمن قهر وذلك..
١٠ - هذا هو الوجه الثالث من وجوه أقوال أهل التأويل في هذه الآية..
١١ - في الأصل وم: فيتبرأ..
١٢ - في الأصل وم: ووجه..
١٣ - ساقطة من الأصل وم..
١٤ - من م، في الأصل: والأقوال..
١٥ - من م، ساقطة من الأصل..
١٦ - في الأصل وم: أو..
١٧ - في الأصل وم: ولو..
١٨ - في الأصل وم: قالوا..
١٩ - في الأصل وم: من..
٢٠ - أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٢١ - في الأصل وم: يعبدهم..
٢٢ - في الأصل وم: الحواري الذي..
٢٣ - في الأصل وم: بعد..
٢٤ - من م، في الأصل: النجوم..
٢٥ - في الأصل وم: كفاية..
٢٦ - من م، في الأصل الذي..
٢٧ - في الأصل: ذكروا..
٢٨ - في الأصل وم: وجعلوا..
٢٩ - من م، في الأصل: ما..
٣٠ - في الأصل وم: سخرهم..
٣١ - في الأصل وم: أذلاء..
٣٢ - في الأصل وم: أنهم.
٣٣ - في الأصل وم: فيه..
٣٤ - من م، في الأصل: لكان..
٣٥ -في الأصل وم: يجوز..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم