ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ٩٥ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ٩٦ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ٩٧ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ٩٨ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا تخرج منه حبا متراكبا ومن النحل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر إن في ذالكم لآيات لقوم يؤمنون ٩٩
هذه طائفة من آيات التنزيل، مبينة ومفصلة لطائفة من آيات التكوين، تدل أوضح الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورحمته، جاءت تالية لطائفة من الآيات في أصول الإيمان الثلاثة، - التوحيد والبعث والرسالة، فهي مزيد تأكيد في إثباتها، وكمال بيان في معرفة الله تعالى، بما فيها من بيان سننه وحكمه في الإحياء والإماتة والأحياء والأموات، وتقديره لأمر النيرات في السموات، وأنواع حججه ودلائله في أنواع النبات.
وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع بعد أن ذكرنا الله تعالى ببعض آياته الكونية في الأرض وفي السماء ذكرنا في هذه الآية ببعض آياته في أنفسنا. الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته أو إحداثه بالتدريج. وقد استعمل في التنزيل في خلق الإنسان بجملته وخلق أعضائه ومشاعره، وإيجاد الأقوام والقرون من أممه بعضها في أثر بعض، وفي البعث، وفي خلق الشجر والجنات، وفي أحداث السحاب. قال في حقيقة الأساس : وأنشأ حديثا وشعرا وعمارة. اه والنفس ما يحيا به الإنسان وذاته فيطلق على الروح وعلى المرء المركب من روح وبدن. والمستقر ( بفتح القاف ) حيث يكون القرار والإقامة قال تعالى : ولكم في الأرض مستقر [ البقرة : ٣٦ ] كما قال : جعل الأرض قرارا [ النمل : ٦١ ] قال الراغب : قر في مكانه يقر قرارا إذا ثبت ثبوتا جامدا، وأصله من القر وهو البرد وهو يقتضي السكون، والحر يقتضي الحركة اه.
والمستودع موضع الوديعة وهي ما يتركه المرء عند غيره مؤقتا ليأخذه بعد فهي فعلية من ودع الشيء إذا تركه بمعنى مفعولة. ويكون كل من المستقر والمستودع مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار والاستيداع، ويكون الثاني اسم مفعول بمعنى الوديعة، ولا يكون الأول كذلك لأن فعله لازم إلا ما جاء على طريقة الحذف كقولهم ظرف مستقر، أي مستقر فيه.
والمعنى أنه تعالى هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهي إما الروح التي هي الخلق الآخر في قوله تعالى بعد ذكر أطوار خلق الجسد ثم أنشأناه خلقا آخر [ المؤمنون : ١٤ ] وإما الذات المركبة من الروح والجسد، والمراد بها الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد بين الأزواج، وهو عندنا وعند أهل الكتاب آدم عليه السلام وتقدم مثل هذا في أول سورة النساء مع بحث طويل في تفسيره وسيجيء شبهه في سورة الأعراف. وفي إنشاء جميع البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته، وفي التذكير به إرشاد إلى ما يجب من شكر نعمته، ومن وجوب التعارف والتآلف والتعاون بين البشر، وعدم جعل تفرقهم إلى شعوب وقبائل، مدعاة للتعادي والتقاتل، وقد فصلنا القول في هذا المعنى في أول تفسير آية سورة النساء.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو المستقر بكسر القاف والباقون بفتحها. واختلف في المراد بالمستقر والمستودع فروى جمهور رواة التفسير وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : المستقر ( بالفتح ) ما كان في الرحم والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب – وفي لفظ : المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما هو قد مات – وفي لفظ : المستقر ما كان في الأرض والمستودع ما كان في الصلب، وروي عن ابن مسعود أنه قال في تفسير العبارة : مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة، أي النفس. وفي رواية عنه المستقر الرحم والمستودع المكان الذي يموت فيه. وروي مثله عن الحسن وقتادة. وأورد الرازي قول الحسن مفسرا له، فقال المستقر حاله بعد الموت أنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة وإن كان شقيا فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الإنسان بعد الموت، وأما قبل الموت، فالأحوال متبدلة، فالكافر قد ينقلب مؤمنا والزنديق قد ينقلب صديقا، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة، وذكر للأصم قولين أحدهما أن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها والمستودع الذي لما يخلق بعد، وثانيهما المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع من في القبور حتى يبعث ( وإنما يظهر وجه هذين القولين على قراءة كسر القاف أو جعل المستقر بفتح القاف مصدرا ) وحكي عن أبي مسلم الأصفهاني أن التقدير – فمنكم مستقر ذكر، ومنكم مستودع أنثى، فعبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة تتولد في صلبه وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن الرحم شبيهة بالمستودع. ولعله أخذه الشاعر :

وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء
وأقول ليس في الكتاب العزيز ما نستعين به على تفسير هذه العبارة كدأبنا في تفسير القرآن بالقرآن إلا قوله تعالى في سورة الحج : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم [ الحج : ٥ ]. وقوله تعالى في سورة هود : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين [ هود : ٦ ] قال ابن عباس : مستقرها حيث تأوي ومستودعها حيث تموت. وقال مستقرها في الأرحام ومستودعها حيث تموت. فهذا يرجح أن المراد بالمستقر ( بفتح القاف ) الرحم والمستودع القبر. وأما المستقر ( بكسر القاف ) فالظاهر أنه من يطول عمره في الدنيا كأنه قال : فمنكم مستقر في الدنيا يعمر عمرا طويلا ومنكم مستودع لا استقرار له فيها بل تخترمه المنية طفلا أو يافعا، ويمكن تفسير قراءة الفتح بهذا أي فمنها ذو استقرار وذو استيداع. وآخر ما خطر لي بعد تلخيص أقوال المفسرين أن المستقر الروح- وهو يذكر ويؤنث- والمستودع البدن. والجملة مما يتسع المجال فيه للتفسير والتقدير، والإيجاز ومقصود به.
قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون أي قد جعلنا الآيات المبينة لسننا في خلق البشر مفصلة. كل فصل ونوع منها يدل على قدرة الخالق وإرادته، وعمله وحكمته، وفضله ورحمته، فصلناها كذلك لقوم يفقهون ما يتلى عليهم أي يفهمون المراد منه ومرماه، ويفطنون لدقائقه وخفاياه، فالفقه- وإن فسر بالعلم وبالفهم- أخص منهما. قال الراغب : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم. وقال ابن الأثير في النهاية إن اشتقاقه من الفتح والشق، وأحسن منه قول الحكيم الترمذي أن فقه وفقأ واحد فإن الإبدال بين الهمزة والهاء كثير. وفقأ البثرة شقها وسبر غورها، فالفقء مستعمل في الحسيات والفقه في المعنويات، والجامع بينهما النظر في أعماق الشيء وباطنه. فمن لا يفهم إلا ظواهر الكلام ولا يفطن إلا لمظاهر الأشياء لا يقال أنه فقه ذلك، وإنما سمي علم الشرع فقها لما فيه من الاستنباط.
ولما كان استخراج الحكم والعبر من خلق البشر يتوقف على غوص في أعماق الآيات، وفطنة في استخراج دقائق الحكم والبينات، عبر عنها بالفقه، وأما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر، ولا غوص الفكر، وكذلك أكثر مظاهر علم الفلك، فلذلك اكتفى في الآية السابقة لهذه بالتعبير بالعلم الشامل لما لا يشترط فيه دقة الاستنباط كظواهره ولغيره كدقائقه. وقد فطن لذلك الزمخشري- وما أجدره به- فقال :( فإن قلت ) لم « يعلمون » مع ذكر النجوم، و ( يفقهون ) مع ذكر إنشاء بني آدم ( قلت ) لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له اه. وتعقبه ابن المنير فزعم أن هذا كلام صناعي وأن التحقيق أن اختلاف التعبير للتفنن، وذكر وجها آخر بناء على زعمه أن الفقه أدنى درجات العلم، لأنه عبارة عن مجرد الفهم، وما بني على الفاسد فاسد، وأين هو في فهم أسرار اللغة من الزمخشري ؟ وأين المقلد لظواهر بعض النقول من الإمام اللوذغي ؟ وأيهما السليقي والصناعي ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ومن مباحث البلاغة في الآيات، واختلاف الإعراب والترتيب بين المتناسبات، أن هذا السياق بدئ بفلق الحب والنوى وإخراج الحي من الميت وعكسه، وقفى عليه بما يناسبه من فلق الإصباح، وعطف على هذا ما يقابله من معاقبة الليل للنهار، وأشير إلى فوائدهما وفوائد النيرين، اللذين هما آيتا هذين الملوين، وناسب ذكر النيرين التذكير بخلق النجوم، والمنة بالاهتداء بها والإيماء إلى ما فيها من آيات العلوم، ثم عطف على هذا النوع من الآيات إنشاءنا من نفس واحدة فمنها المستقر والمستودع، وقفى عليه بإنزال الماء، وجعله سببا لنبات كل شيء من هذه الأحياء، وكل منهما تفصيل لقوله في الآية الأولى من السياق يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وقد لون في تفصيل خلق النبات الخطاب، وتفنن في طرق الإعراب، للتنبيه إلى ما فيه من أنواع الألوان، وتشابه ما فيه من الثمار والأفنان، فبدئت الآية بضمير الواحدة الغائب المفرد تبعا لسياق ما قبلها من هذه الآيات، وعطف عليه ضمير المتكلم الجمعي لطريق الالتفات. إذ قال :« فأخرجنا به نبات كل شيء» بعد قوله :« أنزل من السماء ماء» فحكمة الالتفات أن تلتفت الأذهان، إلى ما يعقب ذلك من البيان، فتتنبه إلى أن هذا الإخراج البديع، والصنع السنيع، من فعل الحكيم الخلاق لا من فلتات المصادفة والاتفاق.
ولما كان الماء واحدا والنبات جمعا كثيرا ناسب إفراد الفعل الأول وجمع الفعل الآخر. ومعلوم أن الواحد إذا قال فعلنا أراد إفادة تعظيم نفسه إذا كان مقامه أهلا لذلك كما يقول الملك أو الأمير حتى في هذا العصر في أول ما يصدره من نحو نظام أو قانون « أمرنا بما هو آت» ونكتة العدول عن الماضي إلى المضارع في قوله « نخرج منه حبا متراكبا» تحصل بإرادة استحضار صورته العجيبة في حسنها وانتظامها، وتنضد سنابلها واتساقها، وعطف عليه ما يخرجه تعالى من طلع النخل، من القنوان المشابه لسنابل القمح، في نضد ثمره وتراكبها، ومنافعها وغرائبها، فإن في كل منهما أفضل غذاء للناس، وعلف للدواب والأنعام، وذكر بعده جنات الأعناب، لأنها أشبه بالنخيل في هذه الأبواب، فالعناقيد تشبه العراجين في تكونها، وتراكب حبها وألوان ثمرها، كما تشبهها في درجات تطورها، فالحصرم كالبسر والعنب كالرطب والزبيب كالتمر، ويخرج من كل منهما عسل وخل وخمر، ثم ذكر الزيتون والرمان معطوفا على نبات كل شيء أو منصوبا على الاختصاص، لا على ما قبله من النخيل والأعناب، لأن ما بينهما من التشابه في الصورة، محصور في الورق دون الثمر، وأما مكانهما من المنفعة والفائدة، فالأول في الدرجة الثالثة والآخر في الدرجة الرابعة، ذلك بأن الزيتون وزيته غذاء فقط ولكنه تابع للطعام غير مستقل بالتغذية، والرمان فاكهة وشراب فقط ولكنهما دون فواكه النخيل والأعناب وأشربتهما في المرتبة، فناسب جعله بعدهما، والإشارة باختلاف الإعراب إلى رتبة كل منهما، وبناء على اختلاف المراتب قدم نبات الحب على الجميع لأنه الغذاء الأعظم الأعم لأكثر الناس وأكثر أنواع الحيوان الأهلية التي تقوم أكثر مرافقهم ومنافعهم بها، فسبحان من هذا كلامه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير