وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ٩١ وهو الذي انزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذالكم لآيت لقوم يومنون٩٩ " الأنعام : الايتان٩٩، ٩٨ "
يقول الله جل وعلا وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ٩٨ " الأنعام : آية ٩٨ "
هذه الآيات من سورة الأنعام بين الله فيها براهين العقائد العقلية الدالة على أنه الرب وحده، المعبود وحده، ومن ذلك أنه خلق جميع الآدميين من نفس واحدة، أبوهم رجل واحد، وأمهم امرأة واحدة، مع اختلاف أشكالهم، وألوانهم، وألسنتهم، وذلك دليل على إبداع عظيم. والله( جل وعلا )ينبهنا في القرآن العظيم في آيات كثيرة على ما أودع في أنفسنا من غرائب صنعه وعجائبه، الدالة على أنه وحده هو الرب، وهو المعبود وحده جل وعلا.
وقوله هنا وهو أي : الله الذي أدعوكم إلى توحيده وطاعته، وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة أصل الإنشاء : الإبراز من العدم إلى الوجود. والمراد بهذه النفس الواحدة : أبونا آدم، كما أطبق عليه العلماء. وإنما قال : واحدة بالتاء الفارقة بين الذكر والأنثى مع أن آدم ذكر : لأنه أطلق عليه اسم النفس، فهو تأنيث لفظي لا حقيقي، كقول الشاعر :
| أبوك خليفة ولدته أخرى | وأنت خليفة ذاك الكمال |
أما الذي خلق من دون الأنثى ومن دون الذكر : فهو أبونا آدم، لأن الله خلقه من تراب إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن ( آل عمران : آية ٥٩ )
والذي خلق من ذكر دون انثى : هو حواء، خلقها الله من آدم دون أنثى.
والذي خلق من أنثى دون ذكر : هو نبي الله عيسى، أوجده الله من أمه مريم بلا ذكر.
والذي خلق من ذكر وأنثى : هو سائر جنس الإنسان.
وهذه غرائب وعجائب تدل على كمال قدرة خالق هذا الكون. إن شاء خلق دون أنثى دون ذكر، وإن شاء خلق من ذكر دون أنثى، وإن شاء خلق من أنثى دون ذكر، وإن شاء خلق من أنثى وذكر.
ثم إن الله أشار إلى الطور الثاني من أطوار الإنسان، لأن الطور الأول من أطوار الإنسان : الماء والتراب، والطور الثاني : هو النطفة. أشار الله إلى بعض تلك الأطوار بقوله أنشأكم من نفس واحدة ثم اتبعه بقوله : فمستقر ومستودع على قراءة : فمستقر ومستودع ( ) في هذا الوضع وقع وهم للشيخ ( رحمه الله ) استدركه بعده بأسطر وقد حذفت الكلام الذي وقع فيه الوهم هنا واثبت الكلام على وجهه بعد استدراك الشيخ رحمه الله ) وبعضهم قرأ :
فمستقر بكسر القاف. أما ومستودع فجميع السبعة قرؤوها بفتح الدال. واما مستقر ففيها قراءتان سبعيتان فمستقر ومستودع فمستقر ومستودع .
أما على قراءة : فمستقر ومستودع فالأظهر أنهما اسما مكان. اي. مكان استقرار، ومكان استيداع. وقيل : هما مصدران ميميان. اي : فاستقرار واستيداع.
أما على قراءة : فمستقر ومستودع اسم مفعول كما يأتي شرحه.
وقد تقرر في فن العربية : أن الفعل إذا زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فإن اسم مكانه، واسم زمانه، ومصدره الميمي كلها بصيغة وزن اسم المفعول، كما هو معروف في فن الصرف.
وأكثر علماء التفسير أن المراد ب ( المستقر ) : المستقر في الأرحام، والمراد ب( المستودع ) : المستقر في الأصلاب. يعني أول نشأتكم من نفس واحدة، ثم صار بعد ذلك النطف يقرها الله في الأصلاب، ثم ينقلها فتستقر في الأرحام، فيخرج منها بشرا سويا، وهذا عليه أكثر المفسرين، أن ( المستقر ) : هو استقرار الجنين في الرحم، و( المستودع ) : هو استيداع الله للنطفة الذي خلق منها في أبيه.
وكان بعض العلماء يختار : أن ( المستقر ) : الاستقرار على وجه الأرض ايام الحياة، وأن ( المستودع ) : الاستيداع في بطن الأرض في القبور.
وبعض العلماء يقول : المستقر في الأصلاب : والمستودع في الأرحام. عكس ما ذكرنا.
والذي عليه أكثر المفسرين : أنها تشير إلى بعض أطوار الإنسان، لأن الله ( تبارك وتعالى ) نبه الإنسان على انه نقله من حال إلى حال، وجعل خلقه طورا بعد طور كقوله : مالكم لا ترجون لله وقارا١٣ وقد خلقكم أطوارا ١٤ ( نوح الآيتان١٣، ١٤ )أي : خلقكم على طور ثم نقلكم من ذلك الطور الى طور آخر. وقال جل وعلا : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ( الزمر : أية ٦ ) بعد أن كنتم نطفا تصيرون علقا، ثم مضغا، ثم عظاما. وقد بين الله ( جل وعلا )هذه المراتب بيانا شافيا في آيات كثيرة من أوضحها آية ( قد أفلح المؤمنون )لأن الله بين فيها الأطوار الذي مر بالإنسان عليها إلى حالته هذه حيث قال : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ١٢ثم جعلناه نطفة في قرار مكين١٣ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين١٤ثم إنكم بعد ذالك لميتون ١٥ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون١٦ ( الآيات ١٢-١٦ ). وعلى هذا : فالمستقر : هو القرار المكين الذي يجعل الله فيه الإنسان في رحم أمه بعد أن خلق آدم من تراب، كما قال في آية ( قد أفلح ) هذه : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ١٢ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ١٣ يعني : رحم أمه. وهذا نبهنا الله عليه، وحذرنا أن ننصرف عن هذا، و أن نغفل عنه، لأنكم كلكم تعلمون أن الواحد منا لم يدخل رحم أمه مخططا، وليس فيه يد، ولا رجل، ولا رأس، ولا عين، بل يدخل رحم أمه وهو نطفة من مني، ثم إن الخالق ( جل وعلا ) ينقل بقدرته تلك النطفة فيجعلها دما جامدا، وهو المعبر عنه ب ( العلقة )، ثم يقلب ذلك الدم مضغة لحم ليس فيها تخطيط، ولا رجل، ولا يد، ثم إنه يقلب ذلك الدم المضغة هيكل عظام، ويرتب هذه العظام بعضها ببعض هذا الترتيب المحكم المتقن الذي يجده الواحد منكم، فيرتب السلاميات في السلاميات، والمفاصل بالمفاصل، وفقارى الظهر بفقارى الظهر، ويجعل هذه العظام على أم الدماغ، فيجعل له دماغه في هذا الغلاف الذي هو أم الدماغ، ويفتح في وجهه العينين، ويصبغ بعضهما بصبغ أسود، وبعضهما بصبغ أبيض، ويزينها بشعر الحواجب والجفون، ويجعل فيهما حاسة البصر، ويفتح له الأنف، ويجعل فيه اللسان ليرد به شارد الطعام على أضراسه عند المضغ، ويبين به الكلام، حتى يقضي حاجته من بني الإنسان، ثم انه ( جل وعلا ) يضع الكبد في محله، والكليتين في محلهما، وكل موضع في محله، ويوكله بوظيفتين في تدبير الجسم، ويفتح الشرايين ليدور الدم، ويفتح مجاري البول والغائط، ولو شرح عضو واحد من أعضاء الإنسان تشريحا حقيقيا لبهر العقول ما أودع الله ( جل وعلا ) فيه من غرائب صنعه وعجائبه، فليس في الواحد منا موضع رأس إبرة إلا وفيه من غرائب صنع خلقه وعجائبه ما يبهر العقول لو فكر.
وأنا أؤكد لكم أن هذه العملية الهائلة التي تفعل في الواحد منا، العليم القدير الذي فعلها لم يحتج إلى أن يشق بطن أم الواحد منا، ولم يبنجها، ولم ينومها، في صحية، بل فعل فيها هذه الأعمال الهائلة العجيبة الغريبة من حيث لا تشعر، وهي لاهية تفرح وتمرح، لا تدري عما يفعل في بطنها من غرائب الصنع وعجائبه، مع أن الجنين الذي يفعل فيه هذا من الغرائب والعجائب هو مندرج في ثلاث ظلمات : ظلمة بطن أمه، وظلمة رحمها داخل البطن، وظلمة المشيمة التي على الولد، لأنه في داخل الرحم يكون عليه المشيمة، والسلا يغطيه، فالله ( جل وعلا ) علمه نافذ، وبصره نافد، لا يحتاج إلى كهرباء، ولا إلى نور يكشف به تلك الظلمات، بل علمه وقدرته نافذة، فيفعل في الإنسان هذه الأفعال الغريبة العجيبة، يرتب بعضه مع بعض، ويخلقه هذا الخلق العجيب.
ونحن دائما نذكر هذا لأن الله ينبهنا عليه، وينكر علينا أن نغفل عنه، لأن الله يقول في السورة الكريمة –سورة الزمر- : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ثم قال : ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو ثم قال : فأنى تصرفون ( الزمر : آية ٦ )أين تصرفون وتروح عقولكم عن فعل خالقكم فيكم ؟ فأنى تصرفون عما يفعل الله ( جل وعلا ) فيكم ؟ هذه غرائب صنع ربنا وعجائبه، حتى إنه من شدة لطفه وحكمته : أن ما يحتاج الإنسان إلى تقصيره دائما، كشعره واظفاره : نزع منه روح الحياة، إذ لو جعل الحياة في الشعر والظفر لم يحلق الإنسان، ولم يقصر، ولم يقلم أظفاره إلا وهو منوم في صحية بعملية. هذا من غرائب صنعه وعجائبه ( جل وعلا )ولطفه بخلقه، ولذا نبهنا على هذا حيث قال : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة كما قال جل وعلا : ومن آياته، أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون٢٠ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها الآية. ( الروم : الآيتان ٢١، ٢٠ )وقال هنا : وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فلكم بعد إنشاء تلك النفس، وإنشاء زوجها منها، لكم بعد ذلك فمستقر في الأرحام، تنقلون فيها من طور النطفة إلى طور العلقة، ومن طور العلقة إلى طور المضغة إلى آخر الأطوار.
ومستودع : نطفا في اصلاب الآباء. هذا قول أكثر المفسرين.
وبعض العلماء عكس، قال : الاستيداع في بطن الأمهات، والاستقرار في أصلاب الرجال.
وبعض العلماء يقول : مستقر على ظهر الأرض، ومستودع في بطنها في القبور وأنتم أموات، كما قال تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا٢٥ أحياء وأمواتا٢٦ ( المرسلات : الآيتان ٢٦. ٢٥ ) الكفات هنا : محل الكفت. والكفت ف
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير