أسكنوهن متصل بقوله تعالى لا تخرجوهن مستأنفة كأنه في جواب من قال أين تسكنهن والضمير راجع إلى النساء المطلقات المذكورات في أول السورة فهي تعم الرجعيات والبائنات الحرائر والإماء صغيرات كن أو حائضات أو أيسات من حيث سكنتم من زائدة والمعنى حيث سكنتم أو لتبعيض والموصوف محذوف يعني مكانا كائنا بعض المكان الذي سكنتم فيه، وقيل من يمضي في كما في قوله تعالى من قبل أن تنزل التوراة من وجدكم أي من وسعكم أي الذي تطيقونه ولا تضاروهن في السكنى لتضيقوا عليهن في المساكن ببعض الأسباب من إنزال لا يوافقها أو شغل مكانها وغير ذلك فتلجوهن إلى الخروج وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن اعلم أن المطلقة الرجعية يستحق على زوجها النفقة والسكنى إجماعا ما دامت في العدة فإن كان الدار ملكا للزوج يجب على الزوج أن يخرج عنها ويترك الدار مدة عدتها إن كان لا يريد الرجعة وإن كان بإجارة فعلى الزوج الأجرة وأما المعتدة البائنة بالخلع أو بالطلقات الثلاث أو باللعان أو بالكنايات على مذهب أبي حنيفة فلها السكنى حاملا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم لعموم قوله تعالى : أسكنوهن من غير فصل، وروى ابن عباس والحسن والشعبي أنه لا سكنى لها واختلفوا في نفقتها فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها وإلا أن تكون حاملا روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن والشعبي وعطاء وبه قال الشافعي وأحمد والحجة لهؤلاء مفهوم الشرط لهذه الآية وحديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو ابن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشها أصحابي فأعتدي عند ابن أم مكتوم فإن رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فأذنيني قلت فلما حللت ذكرت له أن معاوية ابن سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة ابن زيد فكرهته ثم قال إنكحي أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به١ رواه مسلم وروى مسلم أيضا وقال فيه ( لا نفقة لك ولا سكنى ) ورواه أيضا وقال فيه ابن المغيرة خرج مع علي ابن أبي طالب فأرسل إلى امرأته بنت قيس بتطليقه كانت بقية من تطليقها وعلى هذا يحمل رواية الثلاث على أنه أوقع واحدة في تمام الثلاث وأمر لها الحارث ابن هشام وعباس ابن ربيعة بنفقة فسخطتها فقالا والله ليس لك نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما فقال لا نفقة لك، وفي رواية لمسلم أن أبا حفص ابن المغيرة طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن وقال لها أهله ليس لك علينا نفقة فانطلق خالد ابن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة الحديث، وقال أبو حنيفة لها نفقة حاملة كانت أولا بهذه الآية فإن قوله تعالى من وجدكم متعلق بمحذوف والتقدير أسكتوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم لأن قدر السكنى اتضح بقوله من حيث سكنتم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ولولا تقدير أنفقوا عليهن فلا فائدة لقوله من وجدكم إنما هو لبيان مقدار النفقة به وجاءت قراءة ابن مسعود وهو حجة عند أبي حنيفة والمفهوم ليس بحجة عنده وفائدة التفييد بقوله وإن كن أولات حمل التأكيد ودفع توهم عدم النفقة على المعتدة الحامل في تمام الحمل لطولها وعدم الاقتصار على قدر ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر والجواب عن حديث فاطمة أنه وإن كانت مرويا بسند صحيح لكنه شاذ مردود غير مقبول رده السلف ومعارض ومضطرب أما الاضطراب فقد سمعت في بعض الراويات أنه طلقها وهو غائب وفي بعضها طلقها ثم سافر وفي بعضها أنها ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته وفي بعضها أبا حفص ابن المغيرة، أما الرد من السلف فقد طعن في الحديث
أكابر الصحابة ممن سنذكر مع إنه ليس من عادتهم الطعن بسبب كون الراوي امرأة أو أعرابيا فقد قبلوا حديث فريعة بنت مالك أخت أبا سعد في اعتداد المتوفي عنها زوجها في بيت زوجها مع أنها لا تعرف إلا بهذا الحديث بخلاف فاطمة بنت قيس وقبل عمر خبر الضحاك ابن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي وأسوة من رد هذا الحديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه روى مسلم في صحيحه عن أبي إسحاق قال كنت مع أسود ابن زيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود من حصني فحصن به فقال ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر لا نترك كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت لها السكنى والنفقة قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فعمر رد حديث فاطمة بين أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى وقول الصحابي من السنة كذا وقع فكيف إذا كان قائله عمر وهو أعلم بالسنن والشرائع وفيما روى الطحاوي والدارقطني زيادة قوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مبتدأ للمطلقة ثلاثا النفقة والسكنى وهذا صريح في الرفع والمعارضة قال سعيد ابن منصور ثنا المعاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم قال كان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة وهذا شاهد على أن المعروف المشهور عندهم كان وجوب النفقة والسكنى ولمن رد حديثها عائشة وكانت أعلم الناس بأحوال النساء فقد كن يأتين إلى منزلها ويستفتين من النبي صلى الله عليه وسلم روى الشيخان في الصحيحين عن عروة أنه قال لعائشة ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقه زوجها البتة فخرجت فقالت بئس ما صنعت فقلت ألم تسمعي إلى قول فاطمة فقالت أما أنه لا خير لها في ذكر ذلك ) ٢ وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت لفاطمة ألا تتقي الله تعالى في قولها لا سكنى لها ولا نفقة وممن رد حديثها أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عبد الله ابن صالح قال حدثني الليث ابن سعد حدثني جعفر عن أبي هريرة عن أبي سلمة ابن عبد الرحمان قال كان محمد ابن أسامة يقول كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك يعني من انتقالها في عدتها رماها بما في يده انتهى هذا مع أنه الذي تزوجها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أعرف بالحال وهذا لم يكن إلا لعلمه بأن ذلك غلط أو لعلم بخصوص سبب جواز انتقالها من اللسن أو خيفة المكان قال ابن همام، وقال الليث حدثني عقيل عن ابن أشباب أنا أبو سلمة ابن عبد الرحمان فذكرت حديث فاطمة فأنكر الناس عليها كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل وممن رد حديثها مروان روى مسلم في صحيحه أن مرت وأبعث إليها قبيصة ابن أبي ذويب فسألها عن الحديث فحدثته به فقال مروان لم تسمع الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها قال ابن همام والناس إذ ذاك الصحابة فهذا في المعنى حكاية عن إجماع الصحابة وصفه بالعصمة قال ابن همام من رد حديثها زيد ابن ثابت ومن التابعين ابن المسيب وشريح والشعبي والحسن والأسود ابن يزيد وممن بعدهم الثوري وأحمد ابن حنبل خلق كثير ممن تبعهم فالحديث شاذ، وأما المعارضة فما ذكرنا من رفع عمرو في معجم الطبراني بسنده عن إبراهيم أن ابن مسعود وعمر قالا المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة، وأخرج الدارقطني عن حزب ابن العالية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة لكن ضعف رفعه ابن معين وقال الأشبه وقفه على جابر فائدة وقيل في توجيه حديث فاطمة بنت قيس على تقدير صحته أنها كانت تطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذرابة ولذا أخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتها روى القاضي إسماعيل بسنده عن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس إنما أخرجك هذا اللسان وقال سعيد وقال سعيد ابن المسيب تلك امرأة يعني فاطمة بنت قيس فتنت الناس كانت لسنة فوضت على يدابن أم مكتوم رواه أبو داود، وقال سليمان ابن يسار خروج فاطمة إنما كان عن سوء الخلق ( ٣ رواه أبو داود عنه وكان هذا سببا لخروجها من بيتها وأما سبب عدم نفقتها فلأن زوجها كان غائبا ولم يترك مالا عند أحد سوى الشعير الذي بعث به إليها فطالبت هي من أهله على ما في مسلم من طريق أن طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فقال لها أهله ليس لك علينا نفقة الحديث فكأنه لذلك قال لها عليه الصلاة والسلام لا نفقة لك ولا سكنى لأنه لم يترك مالا عند أحد وليس يجب لك على أهله شيء فلا نفقه لك فلم تفهم فاطمة الغرض من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلت تروي عدم النفقة مطلقا فوقع إنكار الناس عليها.
مسألة : المعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها إجماعا حاملا كانت أو حائلا واختلفوا في سكناها للشافعي فيه قولان أحدهما أنه لا سكنى لها تعتد حيث تشاء وهو قول عائشة وابن عباس وعلي وبه قال الحسن، والجمهور على أن لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله ابن مسعود وعبد الله ابن عمر وبه قال مالك وسفيان والثوري وأحمد وإسحاق وقلت : وكذا قال أبو حنيفة لكنه يقول إن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا انتقال بعذر والعبادات توثر فيها الأعذار فصارت كما إذا خافت سقوط المنزل أو كانت فيها بأجر ولا تجد ما تؤويه ولا تخرج عما انتقلت إليه والحجة للجمهور حديث فريعة بنت مالك ابن سنان أخت أبي سعيد الخدري وقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ٤ فإن أرضعن لكم أي المطلقات بعد وضع الحمل وتمام العدة أولادكم فآتوهن أجورهن على رضاعهن ذكرنا في سورة البقرة أن إرضاع الولد واجب على الأمر لقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن ٥ فإن استأجر الرجل زوجة أو معتدة لإرضاع ولدها لا يجوز لأنه أخذ الأجرة على فعل واجب عليها فلا يجوز وهذا كان يقتضي عدم جواز اسئجار المطلقة بعد انقضاء العدة أيضا لكنا جوزنا ذلك بهذه الآية فظهر بهذه الآية أن وجوب الإرضاع على الأم مقيد بوجوب رزقها على الأب بقوله تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ٦ ففي حالة الزوجة والعدة بعد الطلاق أبوه قائم برزقها وفيما بعد العدة ليس عليه رزق فيقوم الأجرة وأتمروا بينكم بمعروف خطاب للزوجين أي ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره الآخر بشيء معروف وما هو الأحسن ولا يقصد أحدهم إضرار الآخر قال الشافعي يعني شاوروا وقال مقاتل بتراض الأم والأب على أجر مسمى وقال البيضاوي وليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر وإن تعاسرتم أيها الأبوين أي أن عسر الإرضاع على الأم فأبت أن ترضع ولدها فليس للأب إجبارها عليه وعذرت قضاء لظن عجزها حين امتنعت عن الإرضاع مع وفور شفقتها فإن كان الإرضاع غير متعسر عليها في الواقع أتمت عند الله وإن عسر على الأب إعطاء أجرتها وكانت ثمة من ترضعه بغير أجر أو بأجر أقل من أجر المثل لا يجبر على الأب في إعطاء أجر المثل للأم ويسترضع الأب من غير أبي حنيفة وهي رواية عن مالك وقول الشافعي وقال أحمد يجبر على الأب في إعطاء أجر المثل ولا يجوز للأب الإرضاع من غيرها وإن وجد من ترضع بغير أجر وهي رواية عن مالك وقول للشافعي وهذه الآية حجة لأبي حنيفة حيث قال الله تعالى ف
٢ أخرجه البخاري في كتابك الطلاق باب: قصة فاطمة بنت قيس ٥٣٢٥ وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق بابك المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ١٤٨٠.
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق باب: من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس ٢٢٩٢.
٤ سورة البقرة الآية: ٢٣٤.
٥ سورة البقرة الآية: ٢٣٣.
٦ سورة البقرة الآية: ٢٣٣.
التفسير المظهري
المظهري