ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

واتقوا فتنة أي معصية لا تصيبن الضمير راجع إلى فتنة بتقدير حذف المضاعف أي لا يصيبن وبالها الذين ظلموا منكم خاصة لا تصيبن صيغة نهي مؤكد بالنون صفة لفتنة على إرادة القول، يعني اتقوا فتنة يقال فيها : لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل تعم الظالم وغيره أو صيغة نفي دخلها النون لتضمنها معنى النهي فمعنى الآية الأمر بالإتقاء عن فتنة موصوفة بعموم من ارتكبها ومن لم يرتكبها.
واختلفوا في ذلك الفتنة ما هي ؟ فقال : قوم هي ترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال : ابن عباس أمر الله المؤمنين ان يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكر الصديق قال :" يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الناس إذا رأوا الظالم فلم ياخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " ١ رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال : الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان، وحديث ابن عمر قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل أن تستغفروه فلا يغير لكم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقا ولا يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والنصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء ". رواه الأصبهاني وله شاهد من حديث ابن مسعود وحديث عائشة. وعن عدي بن عدي الكندي قال : حدثنا مولى لنا انه سمع جدي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلم ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة " ٢رواه البغوي في شرح السنة والمعالم، وعن النعمان بن بشير قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصاروا بعضهم في أسفلها وبعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا : مالك ؟ قال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنجوا بأنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم " ٣ رواه البخاري، قلت : والاستلال بهذه الأحاديث لا يصح فإن مقتضى الأحاديث أن معصية أحد لا يعذب بها غيره إلا إذا عمل بها بين أظهر الناس وهم قادرون على إنكار فلم ينكروا، فحينئذ يعم عذاب تلك المعصية فاعلها ومن لم يفعلها بل ترك النهي عنها، ولا شك ان النهي عن المنكر فريضة تاركها ظالم فشموله عذاب المعصية إصابة عذاب الطالم وليس ذلك العذاب شاملا للظالم وغيره ألم تسمع قصة القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت يعني طائفة منهم وطائفة كانت ناهية عن المنكر وطائفة لم يأتوا بالمنكر لكنهم تركوا النهي عنه فقال : الله تعالى و أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ٤ فهذا صريح في ان وبال ترك النهي لم ينل غير الظالم، وهذه الآية تدل على فتنة ينال وباله الظالم وغيره وقال قوم : هي البغي والفساد في الأرض فإنه ينال وباله في الدنيا رجال معصومون يقتل الناس وينهب.
عن قتادة في الآية قال : علم والله ذوو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية أن سيكون فتن، ومن هاهنا قال : ابن زيد أرد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا، وقال الحسن نزلت الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، عن مطرف قال : قلنا للزبير يا أبا عبد الله قد ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه ؟ قال : الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أردنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها يعني ما كان منه يوم الجمل من البغي على علي رضي الله عنه، وكذا قال السدي والضحاك وقتادة، قلت وعندي ان المراد بالفتنة المذكورة ترك الجهاد خصوصا عند النفير العام إذا دعاهم الإمام إليه والتولي يوم الزحف بقرينة سياق القصة قال : الله تعالى : وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق ٥ وقال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ١٥ ٦ قال : عز من قائل : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ٧ والمراد من إصابة الوبال للظالم وغيره وصول المكروه لجميعهم، ألا ترى أن ترك القتال يوجب غلبة الكفار وقتل المسلمين ونهب أموالهم من الصغار والكبار والنساء والفرار من الزحف يوجب قتل المجاهدين الصابرين ألا ترى أن المسلمين إذا استزلهم الشيطان يوم أحد نال وباله سائر المسلمين حتى نال بعض المكروه للنبي المعصوم شج وجهه وكسر رباعيته والله أعلم.
وجاز ان يكون قوله تعالى لا تصيبن نهيا بعد أمر باتقاء الذنب والمعنى اتقوا كل فتنة ولا يرتكبن أحد منكم فتنة ما فإن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه.
وفائدته أن الظالم منكم أقبح منه من غيركم وهذا معنى ما قال : البغوي ليس بجزاء محض ولو كان جزاء لم يدخل فيه النون لكنه نهي وفيه طرف من الجزاء كقوله تعالى : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ٨ تقديره اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم خاصة، فلا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ومثله ادخلوا مساكنكم إن لم تدخلوها يحطمنكم سليمان وجنوده والله اعلم، وليس قوله تعالى : لا تصيبن جوابا للأمر لأن المعنى حينئذ اتقوا فتنة إن تتقوها لا يصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وليس المعنى إن تتقوها ألا يصيبنكم إذ نفي المقيد يرجع إلى القيد فالمعنى بل يعمكم وغيركم وفساده ظاهر، قال البيضاوي جواب للأمر على معنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة، قلت : لا بد في جواب الأمر من تقدير شرط مأخوذ من الأمر كما في قول من تقدير شرط مأخوذ من الأمر كما في قول القائل أسلم تدخل الجنة يعني إن تسلم تدخل الجنة وقوله تعالى : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم يعني إن تدخلوا لا يحطمنكم فتقديره إن أصابتكم لا يتصور إن كان جوبا للأمر بل يكون الشرطية صفة لفتنة ويؤول التأويل إلى ما ذكرنا أولا وأيضا لا يجوز ان يكون قوله تعالى : لا تصيبن الذين ظلموا جواب قسم محذوف ويكون تقدير الكلام اتقوا فتنة والله لا يصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل يعمكم لأن الفتنة المأمورة بالإتقاء عنها على هذا فتنة منكرة والنكرة إذا أضمرت في قوله تعالى : لا تصيبن صارت عامة فيلزم عموم وبال كل معصية للظالم وغيره وفساده ظاهر لأنه حذف الإجماع وخلاف منطوق قوله تعالى ولاتزر وازرة وزر أخرى ٩ اللهم إلا أن تقر المراد بالفتنة ما ذكرنا من ترك الجهاد والفرار من الزحف بقرينة السياق والمراد بإصابتها إصابة وبالها في الدنيا والله أعلم واعلموا إن الله شديد العقاب فاحذروا عقابه بالاتقاء من الفتنة

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر (٢١٦٨)، و أخرجه أبو داود في كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي (٤٣٢٩)..
٢ رواه الطبراني ورجاله ثقات، انظر مجمع الزوائد في كتاب: الفتن، باب: في ظهور المعاصي (١٢١٤٣)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: القرعة في المشكلات (٢٦٨٦)..
٤ سورة الأعراف، الآية ١٦٥..
٥ سورة الأنفال، الآيات: ٥-٦..
٦ سورة الأنفال، الآية: ١٥..
٧ سورة الأنفال الآية: ٢٤.
٨ سورة النمل، الآية: ١٨..
٩ سورة النعام، الآية: ١٦٤..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير