المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم التولي حين الجهاد، أردفه الأمر بالاستجابة له إذا دعاهم لهدى الدين وأحكامه عامة، لما في ذلك من تكميل الفطرة الإنسانية وسعادتها في الدنيا والآخرة، وكرر النداء بلفظ المؤمنين تنشيطا لهم إلى الإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي، وإيماء إلى أنهم قد حصلوا ما يوجب عليهم الاستجابة وهو الإيمان.
الإيضاح : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الفتنة : البلاء والاختبار، أي اتقوا وقوع الفتن التي لا تختص إصابتها بمن يباشرها وحده، بل تعمه وغيره كالفتن القومية التي تقع بين الأمم في التنازع على المصالح العامة من الملك والسيادة أو التفرق في الدين والشريعة والانقسام إلى الأحزاب الدينية والأحزاب السياسية، ونحو ذلك من ظهور البدع والتكاسل في الجهاد وإقرار المنكر الذي يقع بين أظهرهم والمداهنة في الأمر بالمعروف ونحو ذلك من الذنوب التي جرت سنة الله بأن تعاقب عليها الأمم في الدنيا قبل الآخرة.
أخرج ابن جرير من طريق الحسن قال : لقد خوفنا بهذه الآية، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظننا أننا خصصنا بها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر في الآية قال : نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير، وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : علم والله ذوو الألباب من أصحاب محمد حين نزلت هذه الآية أن سيكون فتن.
وروي عن ابن عباس قال : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقال عدي بن عميرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ). وروى أحمد والبزار وابن مردويه عن مطرّف قال : قلنا للزبير يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة " عثمان " حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه فقال : إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت.
وعلى الجملة : ففتنة عثمان كانت أول الفتن التي اختلفت فيها الآراء، فاختلفت أعمال أهل الحل والعقد، وخلا الجو للمفسدين من زنادقة اليهود والمجوس وغيرهم، ثم أعقبتها فتنة الجمل بصفين، ثم فتنة ابن الزبير مع بني أمية، ثم قتل الحسين بكربلاء، إلى نحو ذلك من الفتن التي كان لها آثارها في الإسلام، ولو تداركوها كما تدارك أبو بكر رضي الله عنه أهل الردة لما كانت فتنة تبعتها فتن كثيرة أكبرها فتن الخلافة والملك وفتن الآراء والمذاهب الدينية والسياسية.
واعلموا أن الله شديد العقاب أي إنه تعالى شديد عقابه للأمم والأفراد خالفت سنته التي لا تبديل لها ولا تحويل أو خالفت هدى دينه المزكي للأنفس المطهر للقلوب.
وهذا العقاب منه ما هو في الدنيا وهو مطرد في الأمم، وقد أصيبت به الأمة الإسلامية في القرن الأول الذي كان أهله خير القرون بعده، إذ قصروا في درء الفتنة الأولى فعاقبهم الله عقابا شديدا على ذلك، ثم تسلسل العقاب في كل جيل وقع فيه ذلك، ثم امتزجت الفتن المذهبية بالفتن السياسية على الملك والسلطان حتى دالت الخلافة التي تنافسوا فيها وتقاتلوا لأجلها.
وقد يقع هذا العقاب للأفراد لكنهم ربما لا يشعرون به، لأنه يقع تدريجيا فلا يكاد يحس به، وأما العقاب الأخروي فأمره إلى الله العالم بالسر والنجوى والذي جعل العقاب آثارا طبيعية للذنوب التي تجترحها الأفراد والأمم.
تفسير المراغي
المراغي