أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إِلَّا تَعَلُّقُ شَأْن من شؤون اللَّهِ بِالْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أَيْ جُثْمَانِهِ وَعَقْلِهِ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ خَارِجٍ عَنْهُمَا، مِثْلَ دَعْوَةِ الْإِيمَانِ وَدَعْوَةِ الْكُفْرِ، وَأَنَّ كَلِمَةَ بَيْنَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَمَا يَكُونُ تَحَوُّلٌ إِلَّا إِلَى أَحَدِهِمَا لَا إِلَى أَمْرٍ آخَرَ خَارِجٍ عَنْهُمَا كَالطَّبَائِعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْويل وَلَيْسَ حؤلا.
وَجُمْلَةُ: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ عَطْفٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَالضَّمِيرُ الْوَاقِعُ اسْمُ (أَنَّ) ضَمِيرُ اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَلَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ، وَلِإِجْرَاءِ أُسْلُوبِ
الْكَلَامِ عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ: أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ إِلَخْ.
وَتَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ تُحْشَرُونَ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ أَيْ: إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ، وَهَذَا الِاخْتِصَاصُ لِلْكِنَايَةِ عَنِ انْعِدَامِ مَلْجَأٍ أَوْ مَخْبَأٍ تَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَشْرِ إِلَى اللَّهِ فَكَنَّى عَنِ انْتِفَاءِ الْمَكَانِ بِانْتِفَاءِ مَحْشُورٍ إِلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ بِأَبْدَعِ أُسْلُوبٍ، وَلَيْسَ الِاخْتِصَاصُ لِرَدِّ اعْتِقَادٍ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَلَا مُقْتَضَى لِقَصْرِ الْحَشْرِ عَلَى الْكَوْنِ إِلَى اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم.
[٢٥]
[سُورَة الْأَنْفَال (٨) : آيَة ٢٥]
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)
عَقِبَ تَحْرِيضِ جَمِيعِهِمْ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ، الْمُسْتَلْزَمِ تَحْذِيرَهُمْ مِنْ ضِدِّهَا بِتَحْذِيرِ الْمُسْتَجِيبِينَ مِنْ إِعْرَاضِ الْمُعْرِضِينَ، لِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ يَلْحَقُهُمْ أَذًى مِنْ جَرَّاءِ فِعْلِ غَيْرِهِمْ إِذَا هُمْ لَمْ يُقَوِّمُوا عِوَجَ قَوْمِهِمْ، كَيْلَا يَحْسَبُوا أَنَّ امْتِثَالَهُمْ كَافٍ إِذَا عَصَى دَهْمَاؤُهُمْ، فَحَذَّرَهُمْ فِتْنَةً تَلْحَقُهُمْ فَتَعُمُّ الظَّالِمَ وَغَيْرَهُ.
فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَكُونُوا كَلِمَةً وَاحِدَةً فِي الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَبَّ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ وَاضْطَرَبَتْ أَحْوَالُهُمْ وَاخْتَلَّ نِظَامُ جَمَاعَتِهِمْ بِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَذَلِكَ الْحَالُ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفِتْنَةِ.
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْفِتْنَةِ يَرْجِعُ إِلَى اضْطِرَابِ الْآرَاءِ، وَاخْتِلَالِ السَّيْرِ، وَحُلُولِ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [طه: ٤٠] وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ فِي قَوْلِهِ: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
فَعَلَى عُقَلَاءِ الْأَقْوَامِ وَأَصْحَابِ الْأَحْلَامِ مِنْهُمْ إِذَا رَأَوْا دَبِيبَ الْفَسَادِ فِي عَامَّتِهِمْ أَنْ يُبَادِرُوا لِلسَّعْيِ إِلَى بَيَانِ مَا حَلَّ بِالنَّاسِ مِنَ الضَّلَالِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَأَنْ يَكْشِفُوا لَهُمْ مَاهِيَّتَهُ وَشُبْهَتَهُ وَعَوَاقِبَهُ، وَأَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْهُ بِمَا أُوتُوهُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَيَزْجُرُوا الْمُفْسِدِينَ عَنْ ذَلِكَ الْفَسَادِ حَتَّى يَرْتَدِعُوا، فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا ذَلِكَ، وَتَوَانَوْا فِيهِ لَمْ يَلْبَثِ الْفَسَادُ أَنْ يَسْرِيَ فِي النُّفُوسِ وَيَنْتَقِلَ بِالْعَدْوَى مِنْ وَاحِدٍ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى يَعُمَّ أَوْ يَكَادُ، فَيَعْسُرُ اقْتِلَاعُهُ مِنَ النُّفُوسِ، وَذَلِكَ الِاخْتِلَالُ يُفْسِدُ عَلَى الصَّالِحِينَ صَلَاحُهُمْ وَيُنَكِّدُ عَيْشَهُمْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَلَاحِهِمْ وَاسْتِقَامَتِهِمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا حَلَّتْ بِقَوْمٍ لَا تُصِيبُ الظَّالِمَ خَاصَّةً بَلْ تَعُمُّهُ وَالصَّالِحَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ اتِّقَاؤُهَا عَلَى الْكُلِّ، لِأَنَّ أَضْرَارَ حُلُولِهَا تُصِيبُ جَمِيعَهُمْ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ عِقَابًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ تَأْخُذُ حُكْمَ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُصِيبُ الْأُمَمَ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ لَا تَخُصَّ الْمُجْرِمِينَ إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ هُوَ الْفَسَادُ، لِأَنَّهَا عُقُوبَاتٌ تَحْصُلُ بِحَوَادِثَ كَوْنِيَّةٍ يَسْتَتِبُّ فِي نِظَامِ الْعَالِمِ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ أَنْ يُوَزَّعَ عَلَى الْأَشْخَاصِ كَمَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِثْلَ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»
وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ- قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ثُمَّ يَحْشُرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»
. وَحَرْفُ لَا فِي قَوْلِهِ: لَا تُصِيبَنَّ نَهْيٌ بِقَرِينَةِ اتِّصَالِ مَدْخُولِهَا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْإِثْبَاتِ فِي الْخَبَرِ وَبِالطَّلَبِ، فَالْجُمْلَةُ الطَّلَبِيَّةُ: إِمَّا نعت ل فِتْنَةً بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وَمِثْلُهُ وَارِدٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ الْعَجَّاجِ:
| حَتَّى إِذَا جَنَّ الظَّلَامُ وَاخْتَلَطَ | جَاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ |
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور