(... )١ وهذه الآية جاءت ناهية عن ذلك، مبينة أن الناس إذا رأوا المنكر يرتكب علنا ولم يغيروه وهم قادرون على أن يغيروه أن الله يعم الجميع بعذاب من عنده، ولا يصيب ذلك خصوص الذين ظلموا وارتكبوا المعاصي، بل يصيب الجميع، هؤلاء بمعصيتهم، وهؤلاء بسكوتهم على المعصية وعدم نهيهم عنها. هذا الذي عليه جمهور المفسرين.
واتقوا فتنة [ الأنفال : الآية ٢٥ ] قد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن الفتنة أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة :
أطلقت الفتنة بمعنى الابتلاء. وهذا أكثر إطلاقها، ومنه قوله : ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : الآية ٣٥ ] أي : ابتلاء، لأسقيناهم ماء غدقا ١٢ لنفتنهم فيه [ الجن : الآيتان ١٢- ١٣ ] أي : لنختبرهم، إنما أموالكم وأولادكم فتنة [ التغابن : الآية ١٥ ] أي : امتحان وابتلاء واختبار.
وأصل الفتنة في لغة العرب : هي الوضع في النار، تقول العرب ( فتنت الذهب ) إذا وضعته في النار وأذبته فيها ليظهر أخالص هو أم زائف. ولذا كان أحد إطلاقات الفتنة : هي الإحراق بالنار، ومنه بهذا المعنى قوله : يوم هم على النار يفتنون ١٣ [ الذاريات : الآية ١٣ ] أي : يجعلون فيها ويحرقون فيها، ومنه على أصح التفسيرين : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [ البروج : الآية ١٠ ] أي : احرقوهم بنار الأخدود.
وتطلق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، ومن هنا أطلقت الفتنة على الكفر وعلى المعاصي، كما قال : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ البقرة : الآية ١٣ ] أل : لا يبقى شرك على وجه الأرض، كما يدل له قوله صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله ). وجاء في سورة الأنعام إطلاق الفتنة على الحجة في قوله : ثم لم تكن فتنتهم [ الأنعام : الآية ٢٣ ] وفي القراءة الأخرى : فتنتهم (... )٢ وهذا معنى وقوله : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة . ودخول نون التوكيد على لا تصيبن [ مع أنه في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، فيه سؤال معروف، ]٣ واختلف علماء العربية في توجيهه، والذي يظهر أنه يفهم من هذا أن نون التوكيد تدخل في مثل هذا الأسلوب، إذ لا حاجة إلى التعسفات التي يرتكبها من يريد الجواب عن هذا، مع أن القرآن في أعلى درجات الإعجاز. و الذين ظلموا معناه : ارتكبوا المعاصي فظلموا أنفسهم.
خاصة أي : في حال كونها خاصة بهم لا تتعداهم إلى غيرهم ؛ بل هي تتعداهم إلى غيرهم ؛ أي : لا تصيب خصوصهم بل تعم وتصيب الجميع. وهذا معنى قوله : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .
واعلموا أن الله شديد العقاب العقاب : هو النكال على الذنب، قيل : سمي عقابا لأنه يأتي عقبه من أجله.
فعلينا معاشر المسلمين أن نتفهم هذه الآية، وأنا إذا رأينا السفهاء ومن لا يطيعون الله يتعالنون بمعاصي الله ان نغيرها بحسب استطاعتنا ؛ لئلا يعمنا الله بعذاب من عنده، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) مراتب تغيير المنكر فقال :( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان ).
فمن قدر منا أن يغير بيده فليغير بيده، ومن لم يقدر على التغيير باليد فباللسان، ومن عجز عن ذلك كله فبالقلب، وهو أضعف الإيمان. ويوشك أن المعاصي إذا لم تزل ترتكب ولا ينهى عنها أحد أن ينزل عذاب من الله عام يعم الصالح والطالح، والعاجز حقيقة يبعثه الله على نيته، ولا يناله شيء من إثم أولئك الآثمين، إلا أن العذاب وقت نزوله يعم الجميع كما جاءت الأحاديث بذلك. وهذا معنى قوله : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ٢٥ [ الأنفال : الآية ٢٥ ] كونه شديد العقاب فيه تحذير شديد وتخويف لمن يقصر في امتثال أمره واجتناب نهيه، فليس للمسلم أن يقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجد إلى ذلك سبيلا.
٢ في هذا الموضع انقطع التسجيل.
٣ في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير