فيفوته الفرصة التي هو واجدها لطاعة الله تعالى فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لله وسارعوا الى الخيرات او المعنى ان الله يحول بين الإنسان وبين ما يتمناه قلبه من طول الحيوة فيفسخ عزائمه فلا تسوقوا في امور الدين وقيل هو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى نحن اقرب اليه من حبل الوريد وتنبيه على انه مطلع على مكنونات القلب ما عسى ان يغفل عنه صاحبه فعليكم بالإخلاص وقيل هو تصوير وتخيل لتملكه على قلب العبد فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده يحول بينه وبين الكفر والعصيان ان أراد سعادته وبينه وبين الايمان والطاعة ان أراد شقاوته فلابد من دوام التضرع والالتجاء اليه وخوف الخاتمة عن انس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكثر ان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك قالوا يا رسول الله أمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال القلوب بين إصبعين من أصابع الله بقلبها كيف يشاء رواه الترمذي وابن ماجة وعن ابن عمر مرفوعا ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وعن عمر بن الخطاب انه سمع غلاما يدعوا اللهم انك تحول بين المرأ وقلبه فحل بينى وبين الخطايا فلا اعمل بسوء منها فقال رحمك الله ودعا له بخير وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) فيجازيكم بأعمالكم.
وَاتَّقُوا فِتْنَةً اى معصية لا تُصِيبَنَّ الضمير راجع الى فتنة بتقدير حذف المضاف اى لا يصيبن وبالها الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً لا تصيبن صيغة نهى موكد بالنون صفة لفتنة على ارادة القول يعنى اتقوا فتنة يقال فيها لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل تعم الظالم وغيره او صيغة نفي دخلها النون لتضمنها معنى النهى فمعنى الآية الأمر بالاتقاء عن فتنة موصوفة بعموم وبالها من ارتكبها ومن لم يرتكبها واختلفوا في ذلك الفتنة ما هى فقال قوم هى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال ابن عباس امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعهم الله بعذاب يصيب
الظالم وغير الظالم واستدلوا على ذلك بحديث ابى بكر الصديق قال يا ايها الناس انكم تقرءون هذه الآية يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه او شك ان يعمهم الله بعقاب من عنده رواه اصحاب السنن الاربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان وحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ايها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل ان تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل ان تستغفروه فلا يغفر لكم ان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يدفع رزقا ولا يقرب أجلا وان الأحبار من اليهود والنصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء رواه الاصبهانى وله شاهد من حديث ابن مسعود وحديث عائشه وعن عدى بن عدى الكندي قال حدثنا مولى لنا انه سمع جدى يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلم ينكروه فاذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة رواه البغوي في شرح السنة والمعالم وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصاروا بعضهم في أسفلها وبعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتاذوا به فاخذ فاسا فجعل ينقر أسفل السفينة فاتوه فقالوا مالك قال تاذيتم بي ولا بد لى من الماء فان أخذوا على يديه انجوه وانجوا بانفسهم وان تركوه اهلكوه واهلكوا أنفسهم رواه البخاري قلت والاستدلال بهذه الأحاديث لا يصح فان مقتضى الأحاديث ان معصية أحد لا يعذب بها غيره الا إذا عمل بها بين اظهر الناس وهم قادرون على الإنكار فلم ينكروا فحينئذ يعم عذاب تلك المعصية فاعلها ومن لم يفعلها بل ترك النهى عنها ولا شك ان النهى عن المنكر فريضة تاركها ظالم فشموله عذاب المعصية إصابة عذاب الظالم وليس ذلك العذاب شاملا للظالم
صفحة رقم 48
وغيره الم تسمع قصة القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت يعنى طائفة منهم وطائفة كانت ناهية عن المنكر وطائفة لم يأتوا بالمنكر لكنهم تركوا النهى عنه فقال الله تعالى فانجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب فهذا صريح في ان وبال ترك النهى لم ينل غير الظالم وهذه الآية تدل على فتنة ينال وباله الظالم وغيره وقال قوم هى البغي والفساد في الأرض فانه ينال وباله في الدنيا رجال معصومون يعنى يقتل الناس وينهب عن قتادة في الاية قال علم والله ذوو الألباب من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية انه ستكون فتن ومن هاهنا قال ابن زيد أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا وقال الحسن نزلت الآية في على وعمار وطلحة والزبير عن مطرف قال قلنا للزبير يا أبا عبد الله قد ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه قال الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فاذا نحن المعنيون بها يعنى ما كان منه يوم الجمل من البغي على على رضى الله عنه وكذا قال السدى والضحاك وقتادة قلت وعندى ان المراد بالفتنة المذكورة ترك الجهاد خصوصا عند النفير العام إذا دعاهم الامام اليه والتولي يوم الزحف بقرينة سياق القصة قال الله تعالى وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق
وقال الله تعالى يا ايها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار وقال عز من قائل يا ايها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم والمراد من إصابة الوبال للظالم وغيره وصول المكروه لجميعهم الا ترى ان ترك القتال يوجب غلبة الكفار وقتل المسلمين ونهب أموالهم من الصغار والكبار والنساء والقرار من الزحف يوجب قتل المجاهدين الصابرين الا ترى ان المسلمين إذا استزلهم الشيطان يوم أحد نال وباله سائر المسلمين حتى نال بعض المكروه للنبى المعصوم شج وجهه وكسر رباعيته والله اعلم وجاز ان يكون قوله تعالى لا تصيبن نهيا بعد امر باتقاء الذنب والمعنى اتقوا كل فتنة ولا يرتكبن أحد منكم فتنة ما فان وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه وفائدته ان الظالم منكم أقبح منه من غيركم
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي