قرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة وحده : ما لكم من وليتهم بفتح الواو، وقرأه من السبعة حمزة وحده : ما لكم من ولايتهم من شيء بكسر الواو ١. والتحقيق أن الولاية والولاية معنيان صحيحان، ولغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان، فما يذكر عن الأصمعي من أنه يقول : " إن قراءة حمزة خطأ ". هو الذي أخطأ فيه ٢، أما قراءة حمزة فهي قراءة صحيحة، ولغة معروفة فصيحة، فالولاية والولاية كالدلالة والدلالة، فهما لغتان عربيتان وقراءتان سبعيتان فصيحتان.
وكان المسلمون في أول الإسلام يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة دون القرابات ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل المهاجرون بالأنصار والمهاجرون فقراء آخى بين المهاجرين والأنصار، فصاروا يتوارثون بتلك الأخوة دون القرابات، فإذا مات واحد منهم ورثه أخوه الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينه دون قرابته، وكان الذين لم يهاجروا لا إرث لهم في إخوانهم الذين هاجروا ؛ لأنها كانت بالهجرة والمؤاخاة، ونسخ الله – تعالى – ذلك بقوله : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله [ الأنفال : الآية ٧٥ ] كما سيأتي إيضاحه.
ومعنى الآية الكريمة : إن الذين ءامنوا هذه أولا في المهاجرين، الله ( جل وعلا ) كأنه قسم المؤمنين طوائف، طائفة هم المهاجرون ذكرهم بقوله : إن الذين ءامنوا وهاجروا آمنوا بالله ورسوله وهاجروا أوطانهم وديارهم وأموالهم في سبيل الله ( جل وعلا ) وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ؛ لأنهم جعلوا أموالهم في مؤن الجهاد من شراء السلاح، والمراكب للقتال، ومؤن القتال، وجاهدوا بأنفسهم حيث عرضوها للموت وللخطر في الجهاد، كل هذا في سبيل الله إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا الهجرة كانت هجرة متعددة أولها الهجرة إلى الحبشة – وقد هاجروا إلى الحبشة مرتين – ثم الهجرة إلى المدينة، وكانت الهجرة إلى المدينة واجبة، وكان الذي أسلم ولم يهاجر كالذي يسلم ويبقى في البوادي من الأعراب لا يرث من أخيه المسلم المهاجر شيئا، وكان الذين أسلموا ولم يهاجروا لا نصيب لهم في الغنائم، ولا في الخمس، ولا في شيء مما عند المسلمين، وليس لهم على المسلمين من النصر إلا إن استنصروهم على عدو في الدين خاصة كما سيأتي إيضاحه.
الطائفة الثانية : هم الأنصار، أهل المدينة، الذين كانوا قبلهم.
الطائفة الثالثة : هم الذين هاجروا بعد ذلك، فهم مهاجرون وأنصار وطائفة جاؤوا بع ذلك كما سيأتي تفاصيله وإيضاحه ؛ ولذا قال : إن الذين ءامنوا أي : بالله ورسوله وبكل ما يجب به الإيمان وهاجروا هاجروا أوطانهم وأموالهم وديارهم. والمهاجرة : هجر الشيء أصله المباعدة منه. وقد هاجروا أولا إلى الحبشة، وثانيا إلى المدينة. ثم إن هذه الهجرة التي كان بها التوارث ولا يقبل من أحد إلا أن يفعلها نسخت بفتح مكة، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " ٣.
والتحقيق أن الهجرة لا تنقطع أبدا، إلا أن الهجرة المخصوصة التي كانت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة هي التي انقطعت بفتح مكة لانتشار الإسلام في جزيرة العرب، أما الهجرة التي لا تنقطع فهي أن كل إنسان تعرض له في دينه، وصار لا يقدر على إقامة شعائر دينه في محل فواجب عليه بإجماع العلماء أن ينتقل من هذا المحل، ويبذل في ذلك كل مجهود حتى يصل إلى محل يتمكن فيه من إقامة شعائر دينه، وهذه الهجرة التي لا تنقطع. والمهاجر الحقيقي هو من هجر ما نهى الله عنه ورسوله كما هو معلوم. وهذا معنى قوله : إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا [ الأنفال : الآية ٧٢ ] مفعول ( آووا ) ومفعول ( نصروا ) كلاهما محذوف لدلالة المقام عليه. والمعنى آووا الذين هاجروا إليهم وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونصروهم. وهؤلاء الذين آووا ونصروا هم الأنصار أبناء قيلة، الذين كانوا من سكان المدينة، الذين هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله : ءاووا العرب تقول : آواه يؤويه إيواء إذا جعل له مأوى ينضم إليه. أي : جعل له مسكنا ومنزلا يسكن إليه ؛ لأنهم أسكنوهم في ديارهم، وشاطروهم أموالهم، وهيؤوا لهم كل أسباب الراحة، وذلك معنى إيوائهم لهم. ونصروهم، النصر في لغة العرب : إعانة المظلوم. أي : أعانوهم على أعدائهم حتى تمكن الإسلام وانتشر وفتحت مكة، وفتحت جميع جزيرة العرب، وانتشر بعد ذلك الإسلام في أقطار الدنيا. والذين ءاووا ونصروا والمعنى : إن المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، فعبر عن المهاجرين بلفظ : والذين ءامنوا وهاجروا وجدوا في سبيل الله وعبر عن الأنصار ب والذين ءاووا ونصروا لأنهم آووا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونصروهم على أعدائهم. أولئك أصل قوله : الذين مبتدأ، وقوله : أولئك مبتدأ، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول، فلما دخلت ( إن ) صار المبتدأ الأول اسمها، والمبتدأ الأخير وخبره خبر ( إن ) كما هو معروف لا يخفى. هذا معنى أولئك بعضهم أولياء بعض . معناه : أن المهاجرين أولياء الأنصار، والأنصار أولياء المهاجرين، فبعض المهاجرين أولياء المهاجرين والأنصار، وبعض الأنصار أولياء المهاجرون والأنصار، فهم أولياء بعضهم على بعض. وكانت هذه الولاية يتوارثون بها دون غيرهم، وهذه الولاية ولاية نصر ومعاونة ومساعدة وميراث تعم ذلك كله. وهذا معنى قوله : بعضهم أولياء بعض الأولياء جمع ولي، والولي : كل من ينعقد بينك وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك تسميه العرب وليا٤ ؛ ولذا كان الله ولي المؤمنين الله ولي الذين ءامنوا لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء والمغفرة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض. وهذا معنى قوله : أولئك بعضهم أولياء بعض .
والأولياء جمع الولي، وقد تقرر في فن التصريف أن ( الفعيل ) بمعنى اسم الفاعل يطرد جمعه على ( فعلاء ) إلا إذا كان معتل اللام أو مضعفا فينقاس جمع تكسيره على ( أفعلاء ) ٥فمثاله في المعتل : ولي وأولياء، وتقي وأتقياء، وسخي وأسخياء، وشقي وأشقياء، ونبي وأنبياء. ومثاله في المضعف : شديد وأشداء، وحبيب وأحباء. وما جرى مجرى ذلك.
بعضهم أولياء بعض التنوين في قوله بعض تنوين عوض، عوض من الإضافة. أي : بعضهم أولياء بعضهم. فحذف المضاف إليه وعوض منه التنوين، ومعلوم أن من أقسام التنوين ما يسمى " تنوين العوض " سواء كان عوضا عن حرف، أو عن كلمة، أو عن جملة كما هو معروف في محله. هذا معنى قوله : والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض .
ثم قال : والذين ءامنوا ولم يهاجروا هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا على أقسام : منهم الذين يرجعون إلى قبائلهم في البادية من الأعراب، ومنهم من يكون في أهل مكة، وهؤلاء الذين في أهل مكة منهم من يؤمن ولم ينزل بين أظهر الكفار اختيارا كالذي وقع ممن ذكرنا في سورة الأنفال، وهم العاص بن نبيه، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية، وأضرابهم الذين نزل فيهم : إن الذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرا ( ٩٧ ) . ثم إن الله استثنى منهم المستضعفين الذين لا حيلة لهم فعذرهم فقال : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ( ٩٨ ) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ( ٩٩ ) [ النساء : الآيات ٩٧- ٩٩ ]. كان ابن عباس يقول : أنا من المستضعفين من الولدان، وأمي من المستضعفات من النساء ٦. قبل هجرتهم، أما الذين أسلموا ورجعوا إلى ديارهم في البادية كأبي ذر وأمثاله ممن أسلموا، ثم رجعوا ولم يهاجروا، بل بقوا في البادية فهؤلاء لا يرثون إخوانهم المهاجرين، بل يرثهم قبلهم إخوانهم من الأنصار والمهاجرين، وليس لهم في غنيمة المسلمين ولا في خمس الغنائم شيء، إلا أنهم يحكم لهم بحكم الإيمان، وإذا استنصروا المسلمين استنصار دين خاصة فعليهم أن ينصروهم، إلا إذا استنصروهم على من بينهم وبينهم مهادنة وعهود كما يأتي تحريره قريبا إن شاء الله. وهذا معنى قوله : والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء .
قال بعض العلماء : الولاية المنفية هنا هي ولاية الميراث خاصة، وهو مروي عن ابن عباس ٧ وجماعة من الصحابة فمن بعدهم.
وقال بعض العلماء : هي جميع الأنواع : الموالاة من الميراث والمعاونة.
والتحقيق : أنها عامة إلا ما استثني منها وهو النصر الديني خاصة ؛ لأن الله استثناه بقوله : وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر هذا الذي بقي من ولايتهم مع عدم هجرتهم. وهذا معنى قوله : والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا وقد بين عذر المستضعفين وعدم عذر الذين كانوا على قدرة وبقوا بين أظهر الكفار المحاربين للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يهاجروا.
ثم قال : وإن استنصروكم في الدين . الاستنصار طلب النصر، وقد تقرر في علم العربية : أن من معاني السين والتاء : الطلب. استغفر : طلب المغفرة، واستطعم : طلب الطعام، واستسقى : طلب السقيا، واستنصر : طلب النصر، وإن استنصروكم أي : طلبوا نصركم في الدين.
قوله : في الدين يدل على أنهم لو استنصروهم نصر قومية وعصبية أنهم ليس عليهم أن ينصروهم، وأن المناصرة إنما هي في الدين، فلا مناصرة في العصبيات، ولا في القوميات، ولا في الأراضي الفاسدة، وإنما المناصرة في الله، وفي دين الله ( جل وعلا ) ؛ ولذا قال : في الدين والمراد بالدين : دين الإسلام كما قال : إن الدين عن الله الإسلام [ آل عمران : الآية ١٩ ] ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [ آل عمران : الآية ٨٥ ]. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل أن الدين شامل للإيمان والإحسان والإسلام حيث سأله عن الإيمان وفسره له، والإسلام وبينه له، والإحسان كذلك. ثم قال : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " ٨. فعلم من قوله : " يعلمكم دينكم " أن اسم الدين شامل لكل من الإحسان والإسلام والإيمان كما لا يخفى. وهذا معنى قوله : وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر أي : فواجب عليكم نصرهم. أي : إعانتهم الإعانة الدينية لا الإعانة العصبية القومية فذلك لا يكون ؛ لأن الإعانات والانتصارات إنما هي في سبيل الله، وعلى كتاب الله، لا في سبيل الشيطان، ولا على سبيل العصبيات وقضايا الجاهلية الأولى كما لا يخفى. وهذا معنى قوله : فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثق الجار والمجرور في قوله : على قوم يتعلق بمحذوف، إلا إن استنصروكم على قوم فلا تنصروهم على قوم بينكم وبينهم ميثاق.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٩ أن لفظ القوم يختص في الوضع العربي بالذكور دون الإناث، كما قال تعالى : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء [ الحجرات : الآية ١١ ] فعطفه النساء على القوم في آية الحجرات هذه يدل على أن القوم لا يتناول النساء وضعا، ومثل الآية الكريمة قول زهير وهو عربي
٢ انظر: الدر المصون (٥/ ٦٤٠)..
٣ أخرجه مسلم في الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام. حديث رقم: (١٨٦٤) (٣/ ١٤٨٨) من حديث عائشة (رضي الله عنها) مرفوعا. وقد أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. حديث رقم: (٣٨٩٩) (٧/ ٢٢٦) موقوفا على ابن عمر. وأطرافه (٤٣٠٩، ٤٣١٠، ٤٣١١)..
٤ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة الأنعام..
٥ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف..
٦ أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: وما لكم لا تقتلون في سبيل الله... (٤٥٨٧، ٤٥٨٨)، (٨/ ٢٥٥)..
٧ ابن جرير (١٤/ ٧٨) من طريق علي بن أبي طلحة..
٨ مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة البقرة..
٩ مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير