كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... (٧٢)
قوله: (آمَنُوا)، أي: صدقوا آيات اللَّه وحججه، أو صدقوا رسوله في جميع ما جاء به؛ كأنه مقابل قوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ)، ذكر - هاهنا - التصديق مكان التكذيب في ذلك.
وقوله: (وَجَاهَدُوا): في إظهار دين اللَّه ونصره.
(بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: بذلوا ذلك.
(وَالَّذِينَ آوَوْا) أي: ضموا النبي.
(وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) قال ابن عَبَّاسٍ وعامة أهل التأويل: الولاية التي ذكرت في الآية في التوارث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة، وكذلك قالوا في قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) يعني: الميراث.
وروي عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة " والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة.
وعن جرير بن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:... كذلك روي.
وعن المسعودي عن القاسم قال: آخى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين أصحابه، فآخى بين
عبد اللَّه بن مسعود والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها؛ لأنهم هاجروا وتركوا قراباتهم، حتى أنزل اللَّه آية المواريث.
صفحة رقم 270
وعن ابن عَبَّاسٍ في قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحمهم بالأخوة التي آخى النبي بينهم، فلما نزل قوله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، نسخها: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من النصر، والنصيحة، والرفادة، ويوصي له ولا ميراث.
وعن الحسن في قوله - تعالى -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) فكان
المسلطون يتوارثون بالهجرة، فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر، والمهاجر لا يرثه الأعرابي، فحرضهم بذلك على الهجرة، حتى كثر المسلمون، فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ...) الآية، فورث الأعرابي المهاجر وتوارثوا بالأرحام. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، وكانوا يرون أن الهجرة كانت مفترضة، فزال فرضها بقول النبي - عليه السلام -: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ".
وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فإنما كانت الهجرة إلى اللَّه ورسوله، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفيئوا عنه، وقد أفشى اللَّه الإسلام.
هذا الذي ذهب هَؤُلَاءِ في قوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) في التوارث محتمل.
ويحتمل غير هذا، وهو أن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا...) إلى قوله: (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي: بعضهم أولياء بعض، في تمام الولاية، في التناصير، والتعاون، والحقوق، والديانة، فهم أولى بعضهم ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجراوا؛ لأنهم آمنو اوهاجروا، أي: تركوا منازلهم وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين؛ إشفاقًا على دينهم، واستسلامًا لهم ولأنفسهم، والأنصار آووهم، وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وتحملوا جميع مؤنتهم من غير أن كان سبق منهم إليهم شيء، فصاروا لهم أعوانًا وأنصارًا، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من الولاية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)، أي: (مَا لَكُمْ مِنْ
وَلَايَتِهِمْ)، أي: من تمام ما ذكرنا من ولاية الدِّين، وليس لهم ولاية التناصر، والتعاون، والحقوق، والمنافع التي تكتسب بالدِّين.
وفي قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه جل وعلا أبقى في المهاجرين الذين لم يهاجروا اسم الإيمان، وكانت الهجرة عليهم مفروضة، وهم في تركهم الهجرة مرتكبين كبيرة، فدل أن صاحب الكبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
أي: أولو الأرحام إذا آمنوا وهاجروا بعضهم أولى ببعض من غيرهم؛ لأنهم إذا آمنوا وهاجروا ولهم قرابة سابقة ورحم متقدم، كانوا هم أولى من غيرهم الذين لا قرابة بينهم ولا رحم؛ إذ اجتمع فيهم الرحم، والمعونة، والنصر، والديانة، والحقوق، اجتمع فيهم أشياء أربعة، وفي أُولَئِكَ ثلاثة، فهم أولى بهم من غيرهم؛ هذا على التأويل الذي ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ).
يعني: الذين لم يهاجروا؛ يحتمل وجهين:
الأول: يحتمل: إذا طلبوا منكم المعونة والنصرة على عدوهم، فعليكم النصر والمعونة لهم، إذا لم يكن بينكم وبين أُولَئِكَ ميثاق.
والثاني: إذا علمتم أنهم يخشون على أنفسهم من عدوهم ويخافونه فانصروهم (إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: إذا استنصروكم في الدِّين على قوم بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم، أي: وليس عليكم أن تنصروهم، تأويله: حتى تنبذوا إليهم العهد؛ يقول: إذا استنصركم يا معشر المهاجرين - إخوانكم المؤمنين الذين لم يهاجروا إليكم فأتاهم عدوهم من المشركين فقاتلوهم ليردوهم عن الإسلام - فانصروهم، ثم استثنى فقال: (إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)؛ يقول: إن استنصروكم الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم، فلا تنصروهم.
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): في المعونة، والنصرة، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ).
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم