فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ( ٥ ) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( ٦ )
هذا شروع في بيان ما يترتب على الأذان بنبذ عهود المشركين على الوجه الذي سبق تفصيله في الموقت منها وغير الموقت، وهو مفصل لكل حال يكونون عليها بعد هذا الأذان العام من إيمان وكفر، ووفاء وغدر، ينتهي بالآية الخامسة عشرة. وانسلاخ الأشهر انقضاؤها والخروج منها، وهو مجاز مستعار من انسلاخ الحية، وهو خروجها من جلدها، ويسمى بعد خروجها منه المسلاخ، يقولون سلخ فلان الشهر وانسلخ منه وآية لهم الليل نسلخ منه النهار [ يس : ٣٧ ] وقال الشاعر :
إذا ما سلخت الشهر أهلكت مثله***كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي١
والحرم بضمتين جمع الحرام ( كسحاب وسحب ) وهي الأشهر التي حرم الله فيها قتالهم في الأذان والتبليغ الذي بينت الآية ما يترتب عليه من الأحكام بقوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر أي آمنين لا يعرض لكم أحد بقتال فيها، فالتعريف فيها للعهد، ولولا هذا السياق لوجب تفسير الأشهر الحرم بالأربعة التي كانوا يحرمون فيها القتال من قبل، إذا لم يستحلوا شيئا منها بالنسيء، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب كما سيأتي بيانه في تفسير الآيتين ٣٦ و٣٧، على أن بعض المفسرين قال : إنها هي المرادة هنا أو الثلاثة المتوالية منها، وتقدم أن بعضهم قال : إن الأربعة الأشهر التي ضربت لهم لحرية السياحة في الأرض هي من شوال إلى المحرم. والتحقيق ما قلناه هنا وهناك، وقد رواه ابن جرير عن السدي ومجاهد وعمرو بن شعيب وابن زيد وابن إسحاق ؛ ولكنه اعتمد قبله أن المراد بها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
قال تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم قتال المشركين فيها فاقتلوهم في أي مكان وجدتموهم فيه من حل وحرم ؛ لأن الحالة بينكم وبينهم عادت حالة حرب كما كانت، وإنما كان تأمينهم مدة أربعة أشهر منحة منكم، ومن قال إن الآية مخصوصة بما عدا أرض الحرم فهو غالط.
وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد أي وافعلوا بهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير القتال وشؤون الحرب المعهودة، وأهمها وأشهرها هذه الثلاثة :
وأولها أخذهم أسارى، فكانوا يعبرون عن الأسر بالأخذ، ويسمون الأسير ( أخيذا )، والأخذ أعم من الأسر، فإن معنى الثاني الشد بالأسار كما تقدم في سورة الأنفال، فالأسير في أصل اللغة هو الأخيذ الذي يشد. وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر بقوله تعالى في سورة الأنفال ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [ الأنفال : ٦٧ ] لحصول شرطه وهو الإثخان الذي هو عبارة عن الغلب والقوة والسيادة، فمن يسمي مثل هذا نسخا فله أن يقول به هنا، والصواب أنه من المقيد بالشرط أو الوقت أو الأذن.
والثاني الحصر، وهو حبس العدو حيث يعتصمون من معقل وحصن بأن يحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانقلاب، إذا كان في مهاجمتهم فيه خسارة كبيرة فاحصروهم إلى أن يسلموا وينزلوا على حكمكم بشرط ترضونه، أو بغير شرط.
والثالث قعود المراصد، أي الرصد العام، وهو مراقبة العدو بالقعود لهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم، ورؤية تجوالهم وتقلبهم في البلاد منه. فالمرصد اسم مكان، وخصه بعضهم بطرق مكة والفجاج التي تنتهي إليها لئلا يعودوا إليها لإخراج المسلمين منها، أو للشرك في البيت والطواف فيه عراة. والصواب أنه عام وهذا أهم أفراده. ولعل القائل بهذا التخصيص لم يذكر المدينة- وهي العاصمة- لأنه لا خوف عليها يومئذ من المشركين بعد أن عجزوا عنها في عهد قوتهم وكثرتهم.
وهذه الآية هي التي يسمونها آية السيف، واعتمد بعضهم أن آية السيف هي قوله الآتي وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ الأنفال : ٣٨ ]، وقال بعضهم إنها تطلق على كل منهما أو على كلتيهما. ويكثر في كلام الذين كثروا الآيات المنسوخة أن آية كذا وآية كذا من آيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين والجاهلين والمسالمة وحسن المعاملة منسوخة بآية السيف. والصواب أن ما ذكروه من هذا القبيل ليس من النسخ الأصولي في شيء، قال السيوطي في أقسام النسخ من الاتقان ما نصه :
الثالث : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ؛ بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى : أو ننسأها ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك ؛ بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ؛ بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله، وقال مكي : ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ البقرة : ١٠٩ ] محكم غير منسوخ ؛ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه اه.
وقال بعضهم وعزاه الألوسي إلى الجمهور : إن الآية تدل بعمومها على جواز قتال الترك والحبشة، كأنه قيل فاقتلوا الكفار مطلقا. يعنون أنها ناسخة أو مخصصة لحديث ( اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود كما في الجامع الصغير. وفي فتح الباري أنه رواه من حديث معاوية، قال الحافظ وكان هذا الحديث مشهورا بين الصحابة.
وقتال المسلمين للترك ثابت في الصحيحين. وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ( اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة )٢، وقال العلماء : إن هذا يكون قبيل قيام الساعة إذ يبطل أمن الحرم.
وروى أبو داود والنسائي عن رجل كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم )٣.
قال الخطابي إن الجمع بين قوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة، ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله صلى الله عليه وسلم :( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )٤، قال الطيبي : ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام.
وأقول : قد غفل هؤلاء الذين حاولوا الجمع بين الحديث والآية عن كون الآية في مشركي العرب الذي لا عهد لهم، والذين نبذت عهودهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، والحبشة نصارى من أهل الكتاب، وفيهم نزل قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى [ المائدة : ٨٢ ] الآيات، ومن المجمع عليه التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب، والترك كانوا وثنيين عند نزول هذه الآيات كمشركي العرب، ولكنهم لا يدخلون في عموم الآية، ثم إن الأمر بترك قتال الترك والحبشة جاء تحذيرا من بدئهم بالقتال لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن خطرا على العرب وبلادهم سيقع منهم، والأمن بقتال مشركي العرب في هذه الآيات مبني على كونهم هم الذين بدؤوا المسلمين ونكثوا عهودهم كما سيأتي قريبا في قوله : ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة [ التوبة : ١٣ ]، وعلى كون قتالهم كافة جزاء بالمثل كما قال : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [ التوبة : ٣٦ ] فكيف يدخل وثنيو الترك ونصارى الحبشة في عموم هؤلاء المشركين الموصوفين بما ذكر حتى يحتاج إلى الجمع بين الآية والأحاديث المذكورة ؟ ولا تأتي هنا قاعدة كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو ظاهر ؛ لأن المراد بها أن اللفظ العام يتناول كل ما وضع له، سواء وجد ما كان سببا لوروده أو لم يوجد، ولفظ المشركين في هذه الآيات لم يوضع لأهل الكتاب المعروفين بالقطع، ولا لأمثالهم كالمجوس مثلا، وقد بينا تحقيق هذه المسألة في مواضع أبسطها تفسير ولا تنكحوا المشركات [ البقرة : ٢٢١ ] الآية ( ج ٢ )، ثم تفسير وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ المائدة : ٥ ] الآية ( ج٦ )، ويليه مباحث في موضوع الآية. ولولا أن هؤلاء المفسرين وشراح الأحاديث ينظرون في كتاب الله وحديث رسوله من وراء حجب المذاهب الفقهية لما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الواضحة، ولكننا في غنى عن الإطالة في التفسير لبيانها.
فإن تابوا أي فإن تابوا عن الشرك وهو الذي يحملهم على عداوتكم وقتالكم، بأن دخلوا في الإسلام وعنوانه العام النطق بالشهادتين، وكان يكتفي منهم بإحداهما وأقاموا الصلاة المفروضة معكم كما يقيمونها في أوقاتها الخمسة، وهي مظهر الإيمان، وأكبر أركانه المطلوبة في كل يوم من الأيام، ويتساوى في طلبها وجماعتها الغني والفقير، والمأمور والأمير، وهي حق العبودية لله تعالى على عباده، وأفضل مزك لأنفسهم يؤهلهم للقائه، وأفعل مهذب لأخلاقهم يعدها للقيام بحقوق عباده، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر [ العنكبوت : ٤٥ ].
وآتوا الزكاة المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء وللمصالح العامة، وهي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام، التي يقوم بها نظامه العام.
فخلُّوا سبيلهم فاتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم إذا كانوا مقاتلين، وعن حصرهم إن كانوا محصورين، وعن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره حيث يكونون مراقبين.
إن الله غفور رحيم يغفر لهم ما سبق من الشرك وأعماله، ويرحمهم فيمن يرحم من عباده المؤمنين ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
والآية تفيد دلالة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإسلام، وتوجب لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بما يوجبه عليه شرعه من جناية تقتضي حدا معلوما، أو جريمة توجب تعزيرا أو تغريما.
واستدل بها بعض أئمة الفقه على كفر من يترك الصلاة ويمتنع عن أداء الزكاة، وذلك أنها اشترطت في صحة إسلام المشركين وعصمة دمائهم مجموع الثلاثة الأشياء : ترك الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فقد شرط منها لم يتحقق الإسلام الذي يعصم دم المشرك المقاتل، ومفهوم الشرط من ضروريات اللغة، ومراء بعض الجدليين من الأصوليين فيه مردود لا قيمة له، وقال بعضهم : بل يكفر تارك الصلاة دون مانع الزكاة لإمكان أخذها منه بالقهر، ووجوب قتال مانعيها كما فعل أبو بكر.
وقد عززوا هذا الاستدلال بالأحاديث الصحيحة في معناها كحديث عبد الله بن عمر مرفوعا :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله )٥ رواه الشيخان، وحديث أنس عند البخاري وأصحاب السنن الثلاثة :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
٢ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ١١..
٣ ـ أخرجه أبو داود في الملاحم باب ٨..
٤ ـ أخرجه مالك في الزكاة حديث ٤٢..
٥ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الإيمان باب ١٧، والاعتصام باب ٢٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٤ ـ ٣٦، والترمذي في الإيمان باب ١، وتفسير سورة ٨٨، والنسائي في الجهاد باب١، والتحريم باب ١، وابن ماجه في الفتن باب ١، وأحمد في المسند ١/ ١١، ١٩، ٣٦، ٤٨، ٢/ ٣١٤، ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٣٩، ٤٧٥، ٤٨٢، ٥٠٢، ٥٢٨، ٣/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٣٢، ٣٩٤، ٥/ ٢٤٦..
تفسير المنار
رشيد رضا