ومن العلماء من يقول: ألاّ وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما قبل.
قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل [الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
ومعنى إلى مُدَّتِهِمْ: إن كانت أكثر من أربعة أشهر.
قوله: فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين، الآية.
قوله: كُلَّ مَرْصَدٍ، منصوب عند الأخفش على حذف: " على ".
وقد حكى سيبويه: ضُرب الظهر والبطن، أي: " على "، فنصب لما حذف
" على ".
ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ ".
أي في كل مذهب.
والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم. فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. وَخُذُوهُمْ، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ": أخِيذاً، واحصروهم، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين،
وأصل " الحصر ": المنع (والحبس)، واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، أي: طالبوهم في كل طريق. فَإِن تَابُواْ، أي: رجعوا عن الشرك، و وَأَقَامُواْ الصلاة، أي: أدوها بحدودها، وَءَاتَوُاْ الزكاة، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام إِنَّ الله غَفُورٌ، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، رَّحِيمٌ، أن يعاقبه
صفحة رقم 2929
على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة].
روى أنس عن النبي ﷺ، أنه قال: " من فارق الدنيا على الإخلاص لله تعالى، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راضي ".
و الأشهر الحرم، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: " براءة " كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم.
وقال السدي: الأشهر الحرم هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر.
وسميت " حُرُماً "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم.
وقال مجاهد: الأشهر الحرم، هنا هي: الأربعة التي قال الله تعالى: فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة: ٢].
وهو قول السدي.
ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إ ذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا.
وسماها " حُرُماً "؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها.
وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً [محمد: ٤]. وهو قول عطاء.
وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً، ولا يجوز أن
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي