امة من الأمم الانسانية أخذت رحمتها بايمانها قال تعالى اعطوا هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان عليه السلام وهى لا يلزمها ايمان الا برسولها فلما عرفت قدر سليمان وآمنت به أعطيت من الرحمة الانسانية حظا وهو بسم الله الرحمن الرحيم الذي سلب من المشركين فلما وسعت الرحمة الرحمانية كل شىء فى الوجود الكونى أقيمت الباء فى براءة مقامها لانها من حروف آية الرحمة والامان لان كل شىء فى الوجود الكونى لا يخلو من رحمة الله عامة او خاصة انتهى واعلم ان الاستعاذة واجبة على كل من شرع فى قراءة القرآن سواء بدأ من أوائل السور او من اجزائها مطلقا وان أراد بها افتتاح الكتب والدرس كما يقرأ التلميذ على الأستاذ لا يتعوذ ثم ان البسملة لا بد منها فى أول الفاتحة مطلقا وفى أول كل سورة ابتدأت بها سوى براءة فانها لا تسمية فى أولها اجماعا والقارئ مخير فى التسمية وعدمها فيما بين اجزاء السور سوى اجزاء براءة فانه لا بسملة فى اجزائها ايضا كذا فى شرح الشاطبية للجعبرى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ اى هذه براءة مبتدأة من جهة الله ورسوله واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ايها المسلمون مِنَ الْمُشْرِكِينَ فمن لابتداء الغاية والى لانتهاء الغاية متعلقان بمحذوف كما تقول هذا كتاب من فلان الى فلان اى واصل منه اليه وليست كلمة من صلة براءة كما فى قولك برئت من فلان والبراءة من الله انقطاع العصمة ونقض العهد ولم يذكر ما تعلق به البراءة كما فى ان الله بريىء من المشركين اكتفاء بما فى حيز الصلة واحترازا عن تكرير لفظة من ولما كانت المعاهدة غير واجبة بل مباحة مأذونة وكان الاتفاق للعهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ نسب إليهم مع ان مباشرة أمرها انما تتصور من المسلمين لامن الله تعالى وان كانت بإذن الله تعالى بخلاف البراءة فانها واجبة أوجبها الله تعالى وامر منوط بجناب الله تعالى كسائر الأوامر غير متوقفة على رأى المخاطبين. والمعنى ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين فانه منبوذ إليهم والعهد العقد الموثق باليمين وقد كانوا عاهدوا مشركى العرب من اهل مكة وغيرهم بإذن الله واتفاق الرسول فنكثوا الا بنى ضمرة وبنى كنانة فامر المسلمون بنبذ العهد الى الناكثين وأمهلوا اربعة أشهر كما قال تعالى فَسِيحُوا اى فقولوا لهم سيحوا وسيروا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مقبليين مدبرين آمنين من القتال غير خائفين من النهب والغارة. والسيح والسياحة الذهاب فى الأرض والسير فيها بسهولة على مقتضى المشيئة كسيح الماء على موجب الطبيعة ففيه من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس فى سيروا ونظائره وزيادة فى الأرض لقصد التعميم لا قطارها من دار الإسلام وغيرها والمراد اباحة ذلك لهم وتخليتهم وشأنهم للحرب او تحصين الأهل والمال او تحصيل الحرب او غير ذلك لا تكليفهم بالسياحة فيها والمراد بالأشهر الاربعة هى الأشهر الحرم التي علق القتال بانسلاخها هى شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لان السورة نزلت فى شوال سنة تسع من الهجرة بعد فتح مكة فانه كان فى السنة الثامنة منها أمروا بان لا يتعرضوا للكفار بتلك المدة صيانة للاشهر الحرم عن القتال فيها ثم نسخ وجوبها ليتفكروا ويعلموا ان ليس لهم بعد هذه المدة الا الإسلام او السيف فيصير ذلك حاملا لهم على الإسلام ولئلا ينسبوا المسلمين الى الخيانة ونقض العهد على غفلة المعاهدين وقيل هى عشرون
صفحة رقم 382
من ذى الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع الآخر لان التبليغ كان يوم النحر كما روى ان رسول الله ﷺ ولى سنة الفتح عتاب بن أسيد الوقوف بالناس فى الموسم واجتمع فى تلك السنة فى الوقوف المسلمون والمشركون فلما كانت سنة تسع بعث أبا بكر رضى الله عنه أميرا على الموسم فلما خرج منطلقا نحو مكة اتبعه عليا رضى الله عنه راكب العضباء ليقرأ هذه السورة على اهل الموسم فقيل له عليه السلام لو بعثت بها الى ابى بكر فقال (لا يؤدى عنى الأرجل منى) وذلك لان عادة العرب ان لا يتولى امر العهد والنقض على القبيلة إلا رجل منها سيدهم او واحد من رهطه وعترته فبعث عليا ازاحة للعلة لئلا يقولوا هذا خلاف ما نعرفه فينا فى العهد والنقض فلما
دنا على سمع أبو بكر الرغاء وهو صوف ذوات الحوافر فوقف وقال هذا رغاء ناقة رسول الله فلما لحقه قال أمير أم مأمور قال مأمور فمضيا فلما كان قبل يوم التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مساكنهم وقام علىّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال (يا ايها الناس انى رسول الله إليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين او أربعين آية من أول هذه السورة ثم قال أمرت بأربع ان لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا كل نفس مؤمنة وان يتم الى كل ذى عهد عهده) وقال الحدادي كان الحج فى السنة التي قرأ على رضى الله عنه فيها هذه السورة فى العاشر من ذى القعدة ثم صار الحج فى السنة الثانية فى ذى الحجة وكان السبب فى تقديم الحج فى سنة العهد ما كان يفعله بنوا كناية فى النسيء وهو التأخير انتهى فعلى هذا كان المراد بالأشهر الاربعة من عشر ذى القعدة الى عشر من شهر ربيع الاول كما ذهب اليه البعض وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بسياحتكم فى أقطار الأرض فى العرض والطول وان ركبتم متن كل صعب وذلول غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ اى لا تفوتونه بالهرب والتحصين قال فى ربيع الأبرار غير معجزى الله سابقى الله وكل معجز فى القرآن سابق بلغة كنانة وَأَنَّ اللَّهَ اى واعلموا انه تعالى مُخْزِي الْكافِرِينَ اى مذلكم فى الدنيا بالقتل والاسر وفى الآخرة بالعذاب وما يحصل لكم من الافتضاح. والاخزاء هو الازلال بما فيه فضيحة وعار قال القشيري قطع لهم مدة على وجه المهلة على انهم ان أقلعوا عن الضلال وجدوا فى المال ما فقدوا من الوصال وان أبوا الا التمادي فى الحرمة والجريمة انقطع ما بينهم وبينه من العصمة ثم ختم الآية بما معناه ان أصررتم على قبيح آثاركم مشيتم الى هلاككم بقدمكم وسعيتم فى عاجلكم فى اراقة دمكم وحصلتم فى آجلكم على ندمكم فما خسرتم الا فى صفقتكم
| تبدلت وتبدلنا واخسرنا | من ابتغى عوضا يسعى فلم يجد |
| فكر آب ودانه در كنج قفس بي حاصلست | زير چرخ انديشه روزى چرا باشد مرا |