ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٥ ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( التوبة : ٥-٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.
تفسير المفردات :
انسلاخ الأشهر : انقضاؤها والخروج منها، يقال : سَلخ فلان الشهر وانسلخ منه، قال تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ( يس : ٣٧ ) وقال شاعرهم :
إذ ما سلخت الشهر أهلكت مثله كفى قاتلي سلخي الشهور وإهلالي
والحُرم : واحدها حرام، وهي الأشهر التي حرّم الله فيها قتالهم في الآذان والتبليغ بقوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ( التوبة : ٢ ) وقوله : وخذوهم، أي : بالأسر، والأخيذ : الأسير. واحصروهم : أي امنعوهم من الخروج واحبسوهم. والمرصد : الموضع الذي يُرْقب فيه العدو، يقال رصدت فلانا أرصده : إذا ترقبته، أي اقعدوا لهم على كل مرصد.
الإيضاح :
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد أي فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم الله عليكم فيها قتال المشركين، فافعلوا معهم كل ما ترونه موافقا للمصلحة من تدابير الحرب وشؤونها، لأن الحال بينكم وبينهم عادت إلى حال الحرب بانقضاء أجل التأمين الذي منحتموه، وذلك بعمل أحد الأمور الآتية :
قتلهم في أي مكان وجدوا فيه من حلّ وحرم.
أخذهم أسارى، وقد أبيح هنا الأسر الذي حُظر في سورة الأنفال بقوله : وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ( الأنفال : ٦٧ ) لأن الإثخان هو الغلب والقوة والسيادة قد وُجد.
حصرهم وحبسهم حيث يعتصمون بمعقِلْ أو حصن، بأن يُحاط بهم ويمنعوا من الخروج والانفلات حتى يسلموا وينزلوا على حكمهم بشرط تَرْضونه أو بدون شرط.
القعود لهم كل مرصد : أي مراقبتهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم فيه، ورؤية تجوالهم وتقلبّهم في البلاد.
وهذه الآية تسمى آية السيف، إذ جاء الأمر فيها بالقتال وقد كان مؤجّلا ومُنْسا إلى أن يقْوَى المسلمون، وكان الواجب عليهم في حال الضعف الصبر على الأذى.
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم أي فإن تابوا عن الشرك الذي يحملهم على عداوتكم وقتالكم ودخلوا في الإسلام بأن نطقوا بالشهادتين، وأقاموا الصلاة المفروضة كما تقيمونها في الأوقات الخمسة والصلاة مظهر الإيمان وأكبر أركانه، وهي مطلوبة من الغني والفقير والأمير والمأمور. وهي حق الله على عباده تزكّي أنفسهم وتهذب أخلاقهم وتؤهلهم للقيام بحقوق عباده إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ( العنكبوت : ٤٥ ) وآتوا الزكاة المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء وللمصالح العامة فخلّوا سبيلهم واتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم إذا كانوا مقاتلين، وبالكف عن حصرهم إذا كانوا محاصَرين، وبالكف عن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره إذا كانوا مراقَبين والله يغفر لهم ما سبق من الشرك وغيره من سيئاتهم ويرحمهم فيمن يرحم من عباده، وقد جاء في الأثر :( الإسلام يجب ما قبله ).
وفي الآية إيماء إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يوجبان لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ الدم والمال إلا بما يوجب عليهم الشرع من جناية تقتضي حدا معلوما أو جريمة توجب تعزيرا أو تغريما.
روى الشيخان عن عبد الله ابن عمر مرفوعا :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله ).
والخلاصة إن اشتراط الأشياء الثلاثة للكف عن قتال المشركين للتحقق من دخولهم في جماعة المسلمين بالفعل، والتزامهم شرائع الإسلام وإقامة شعائره، إذ مقتضى الشهادة الأولى ترك عبادة غير الله، ومقتضى الشهادة الثانية طاعة الرسول فيما يبلغه عن الله تعالى، واكتفى من أركان الإسلام بالصلاة التي تجب في اليوم والليلة خمس مرات، لأنها الرابطة الدينية الروحية الاجتماعية بين المسلمين، وبالزكاة لأنها الرابطة المالية الاجتماعية، فمن أقامهما كان أجدر بإقامة غيرهما.


فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٥ ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( التوبة : ٥-٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير