قال الله تعالى : ولئن سألتهم لام قسم أي : والله لئن سألتهم عن استهزائهم بك وبالقرآن وهم سائرون معك في غزوة تبوك ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن يعني قل ذلك توبيخا على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء وإلزاما للحجة عليهم ولا تصبا باعتذارهم الكاذب فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم حتى ونجوا بأخطائهم الاستهزاء حيث جعل المستهزئ به يلي حرف التقرير وذلك يكون بعد ثبوت الاستهزاء كذا قالوا، قلت : قولهم إنما كنا نخوض ونلعب إعتراف منهم بالاستهزاء ومعناه كنا نقول ما يفهم منه الاستهزاء لقطع مسافة الطريق على سبيل اللعب لا على قصد الاستهزاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : قال : رجل في غزوة تبوك في مجلس ما رأينا مثل قراينا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال : له رجل كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال : ابن عمرو أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن، ثم أخرجه من وجه آخر عن ابن عمر نحوه وسمى الرجل عبد الله بن أبي كذا ذكر البغوي عن عمر رضي الله عنه، وأخرج ابن جرير عن قتادة أن ناسا من المنافقين قالوا : في غزوة تبوك يرجوا هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فأتاهم فقال : قلتم كذا وكذا قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت، قال : البغوي : سبب نزول هذه الآية على ما قال : الكلبي ومقاتل وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين اثنان يستهزءان بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والثالث يضحك قيل : كانوا يقولون أن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في مدينة قرآن وإنما هو قوله وكلامه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال : احبسوا علي الركب فدعاهم فقال : لهم : قلتم كذا أو كذا فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب أي : كنا يتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب يقطع الطريق بالحديث واللعب، وهذه القصة وقعت في رواحه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى تبوك. وقال محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر كان رهط المنافقين يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لم يخرجوا الأرجاء الغنيمة منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف والجلاس بن الصامت ومخشي بن حمير من أشجع حليف لبني سلمة زاد محمد بن عمرو ثعلبة بن حاطب فقال : بعضهم بعضا مكاني بكم غدا مقرنين في الجبال أرجافا برسول الله صلى الله عليه وسلم وترحيبا للمؤمنين وقال بن عمر وكان زوج أم عمير وكان ابنها عمير في حجره والله لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير فقال : عمير : وأنت شر من الحمير ورسول الله الصادق وأنت الكاذب، فقال : مخشي بن حمير : والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وإننا ننقلب من أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا : فإن أنكروا فقل : بلى قلتم كذا وكذا فانطلق عمار إليهم فقال لهم ذلك فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال : وديعة بن ثابت وقد أخذ حقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاه تنسفان الحجارة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ٦٥ }
التفسير المظهري
المظهري