ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الأعذار التي يسمح الإسلام من أجلها بالتخلف عن الجهاد، لأنه ينظر إليها بعين الاعتبار، وفي بداية هذا الربع الذي هو حصة اليوم تسلط الآيات الكريمة أضواءها على المعتذرين بأعذار واهية، حرصا على السلامة والعافية، ومن بينهم طائفة من أغنياء المنافقين فضلت القعود والركود على الجهاد والجلاد، تأمينا لمتعتها، وضمانا لراحتها، وبخلا بالتنازل ولو مؤقتا عن مألوفاتها.
وقبل أن يعود كتاب الله إلى الحديث عما ينتظر أن يفعله أولئك الأغنياء المتخلفون، عندما يعود رسول الله سالما من غزوة تبوك، ويعود معه المؤمنون أخبر الله رسوله بذلك، فقال تعالى : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم . فقد كانوا يظنون بالله ورسوله الظنون، وكانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أن غزوة تبوك مغامرة كبرى مآلها المحقق في نظرهم القاصر أن ينتصر الروم وينهزم المسلمون، وإذ ذاك يستريحون منهم، ويستأنفون حياة الشرك والنفاق، لكن الله سلم، وألقى الرعب في صفوف العدو، فانسحب إلى حصونه الخلفية، وتفادى كل اشتباك مع القوات الإسلامية، رغما عن مرابطتها في " تبوك " على أهبة الاستعداد حوالي شهر كامل، وبذلك انقلب الوضع رأسا على عقب، وأصبح المتخلفون عن الجهاد الظانون بالله الظنون في مركز حرج، وتيقن الجميع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عائد على رأس جيش الإسلام المظفر إلى قاعدته الرئيسية بالمدينة المنورة، وإلى أنه سيحاسب المقصرين على تقصيرهم.
ومن هنا أخذوا يعدون لانتحال الأعذار، ولتقديم الاعتذار عن تخلفهم وقعودهم، فقد رد الله كيدهم في نحرهم، وعاملهم بنقيض قصدهم : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم لكن الحق سبحانه وتعالى لقن رسوله والمؤمنين أحسن جواب يردون به على الصنف من المتخاذلين المخذولين، فقال تعالى : قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم أي لن نصدق اعتذاركم، فلم يبق مجال للاعتذار، بعد هتك الأستار.
ثم عقب كتاب الله على هذا الجواب المفحم والرد القاطع، فمضى يهدد المنافقين بمزيد الكشف عن نفاقهم، وتوجيه الأنظار إلى فضائحهم، قائلا : قد نبأنا الله من أخباركم فعن طريق الوحي اطلعنا على سرائركم وأسراركم، ومن كشف الله له السر بنور وحيه كيف يستره عنه الناس، بل كيف يقع ضحية التدليس والالتباس.
وخاطب الله المنافقين خطاب ترهيب فقال : وسيرى الله عملكم ورسوله فمهما كتمتم وسترتم، ومهما تآمرتم وأخفيتم، ومهما تقلبتم في البلاد، فإن الله ورسوله لكم بالمرصاد. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فيطلع على نواياكم وطواياكم بواسطة مشعل الوحي الذي ينير له الطريق، ويعرفه بعناصر التخذيل والتعويق، وبذلك يرى عملكم ويعرف مرماه ومغزاه. وأما الحق سبحانه وتعالى فلا يغيب عن علمه من أمركم شيء، كبيرا كان ذلك الأمر أو صغيرا، جليلا أو حقيرا، بل هو يراكم على حقيقتكم، منافقين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، لا عقيدة عندكم صحيحة، ولا نية لكم صالحة.
وقوله تعالى : ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون . هذا وعيد جديد من الله تعالى للمنافقين بأنهم مهما كادوا ومكروا، ودبروا من السوء ما دبروا، فإن مصيرهم في النهاية إلى الله الذي يعلم سرهم ونجواهم، وإذ ذاك سيتولى حسابهم على النقير والقطمير، وجزاءهم على الصغير والكبير، وينظر إلى معنى هذه الآية الكريمة قوله تعالى في آية ثانية : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية |الحاقة : ١٨، وقوله تعالى في آية ثالثة : يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر |الطارق : ٩، ١٠.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير