ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

ثم يقول سبحانه :
يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون( ٩٤ ) .
معنى " يعتذر " أي : يبدي عذرا عن شيء يخرجه من اللوم أو التوبيخ، ويقال :" اعتذر فلان " أي : فعل شيئا مظنة أنه ذم، فيريد أن يعتذر عنه.
والحق هنا يقول : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم وفي آية سابقة يقول مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم.... ( ٨٣ ) ( التوبة ).
وهكذا نلاحظ أنه سبحانه حين نسب الرجوع إلى الصحابة والمجاهدين قال : رجعتم ، وعندما نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن رجعك الله مما يدلنا على أن زمام محمد صلى الله عليه وسلم بيد ربه وحده، ولكن زمام أتباعه يكون باختيارهم.
وهنا يقول الحق : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ويأتي بعدها ذلك الرد الواضح على محاولة المنافقين في الاعتذار : قل لا تعتذروا ، وفي هذا رد حاسم، فأنت حين يعتذر إليك إنسان فقد تستمع لعذره ولكنك لا تقبله، ومجرد استماعك للعذر معناه أن هناك احتمالا في أن يكون هذا العذر مقبولا أو مرفوضا. ولكن حين ترفض سماع العذر، فمعنى ذلك ألا وجه للمعذرة.
والحق سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم فكأنما ساعة أقبل المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ؛ وتهيأوا للاعتذار ؛ وقبل أن ينطقوا بالعذر ؛ أوضح لهم الرسول عليه الصلاة والسلام : لا تعتذروا، ورفض مجرد إبدائهم للعذر. ثم فاجأهم بالحكم في قوله تعالى : لن نؤمن لكم ومادة " آمن " تدور حول عدة معان، نقول " آمن " أي : اعتقد وصدق مثل قولنا : آمنا بالله "، ويقال :" آمن بالشيء " أي : صدقه، و " آمن بكذا " أي : صدق ما قيل. والحق هو القائل :
فما آمن موسى.... ( ٨٣ ) ( يونس )وقال إخوة يوسف لأبيهم : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين( ١٧ ) ( يوسف )أي : لن تصدقنا. وآمن إذا تعدت بالباء فمعناها الاعتقاد، وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بغير الباء وغير اللام فمعناها إعطاء الأمان، مثل قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت ( ٣ ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف( ٤ ) ( قريش )،
وتجيء " آمن " و " أمن " بمعنى الائتمان، مثل قول الحق سبحانه وتعالى على لسان يعقوب :
{ هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل.... ( ٦٤ ) ( يوسف ).
إذن : ف " آمن " تعدت بالباء فيكون معناها الاعتقاد الإيماني، وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بنفسها إلى الفعل فهي إعطاء الأمان والسلام والاطمئنان، وإن تعدت بالمفعول أيضا، معناها القدرة على أداء الأمانات، مصداقا لقول الحق :
ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما... ( ٧٥ ) ( آل عمران )
وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه وتعالى : قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم أي : لن نصدقكم. فقد جاء المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض مجرد سماع الاعتذار، وأعلن لهم : لن نصدقكم. ولو امتلك المنافقون ذرة من ذكاء لفهموا أن رب محمد عليه الصلاة والسلام قد أخبره بكل شيء ؛ حتى بما في قلوبهم قبل أن ينطقوه، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم، ولدخلوا في الإيمان، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، فجاء الحق سبحانه وتعالى بالأمر واضحا في قوله سبحانه : قد نبأنا الله من أخباركم فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج، ولكنها وحي من الله.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى : وسيرى الله عملكم ورسوله .
ما هو العمل الذي سيراه الله سبحانه وتعالى ورسوله، بعد أن رفض رسول الله عذرهم، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يخفوه من كذب في صدورهم ؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلى الله عليه وسلم لا تخفى عليه حتى نواياهم. وما دمت قد علمتهم صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أبلغكم به، أصبح عليكم-إذن- أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان ؛ وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان، أما إن أصررتم على مالا أنتم فيه ؛ فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله فيها رسوله بكذبكم.
إذن : فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه، فانتهزوا هذه الفرصة ؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم.
ولذلك يقول الحق سبحانه : ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم(١) بما كنتم تعملون( ٩٤ ) ( التوبة ).
وما دام سبحانه عالم الغيب، فمن باب أولى أنه عليم بعالم الشهادة. والغيب –كما نعرف- هو ما غاب عنك، فلم تعرف عنه شيئا لكن إن غاب عنك ولم يغب عن غيرك فهو غيب نسبي ؛ لأن هناك حجبا منعت عنك العلم، والمثال : إن سرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق ؛ ولكن السارق نفسه يعرف، ومن يشاركه يعرف. والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف. والذي ابتاع المسروقات يعرف.
إذن : فهو غيب عنك وليس غيبا على غيرك. أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدّعون قراءة الأفكار، ويسمونهم المنوّمين المغناطيسيين، ويطلب المنوّم من أي واحد أن يخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدّها، ثم يخبره بعددها، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه ؛ ضع يدك في جيبك وأخرج كمية النقود لا تعرف أنت مقدارها، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف ؟ لماذا ؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غير مطلق.
إذن : فالغيب(٢) المطلق هو ما غاب عنك وعن غيرك، وهو أيضا ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه، فأنت إذا أعطيت ابنك تمرينا هندسيّا ليحله ؛ فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج، وهذه ليست غيبا ؛ لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء الذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب. فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل، لكننّا لم نكن نعرفها.
وفي بعض التدريبات، نجد من يضع المسألة المطلوب حلّها، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها لأنه لا يهدف إلى معرفة النتيجة، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل الصحيح.
ولذلك إذا أردت أن تحل شيئا في الهندسة مثلا، فلا بد لك من معطيات توصلك إلى الحل ؛ كأن يطلب منك-مثلا- إثبات أن الخطين متوازيان، وفي هذه الحالة يجب أن تكون كل زاويتين متناظرتين متساويتين، وكل زاويتين متبادلتين متساويتين. إذن : فأنت قد أخذت مقدمات أو معطيات أوصلتك إلى النتيجة، وكذلك في تساوي ضلعي المثلث أو أضلاعه ؛ يكون إثباته بتساوي الزوايا. فهل في هذه الحالة يقال : إنك اهتديت إلى الغيب ؟ أم أنك استخدمت مقدمات أوصلتك إلى نتائج ؟.
وأنت حين تبرهن على صحة النظرية المباشرة، تقول : إن هذا يساوي هذا حسب النظرية رقم تسعة مثلا، وإن هذا مقابل لهذا حسب النظرية الجديدة، وإذا وصلت في براهينك إلى نظرية رقم واحد فهي النظرية التي لا مقدمات لها، ولا بد أن تكون بديهية.
وهكذا نجد أن كل علم في هذا الكون بني على نظريات أو مقدمات بديهية، ثم تطورت بعد اكتشاف ما أودعه الله في كونه من أسرار(٣). أما الحق سبحانه وتعالى فهو يقول عن نفسه : عالم الغيب والشهادة أي أنه سبحانه عالم بالغيب المطلق، الذي لا توجد له مقدمات توصلنا إليه ؛ ولذلك لا نستطيع أن نعرف الغيب المطلق ؛ لأنه ليس معروفا عند البعض، ومجهولا عند غيرهم، وليس له مقدمات توصلنا إليه، لأنه الغيب الذي ينفرد به الحق عز وجل.
ونجد الحق سبحانه يقول : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا( ٢٦ ) إلا من ارتضى من رسول... ( ٢٧ ) ( الجن ).
فسبحانه عالم الغيب المطلق، وهو يختلف عن الغيب المستور عن البعض، ويقول الحق من مواعيد الكشف عن أسرار الغيب المستور : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.... ( ٢٥٥ ) ( البقرة ).
وحين يشاء الله أن يكشف عن بعض أسرار الغيب فهو يحدد الوقت الذي يشاؤه لذلك، كل شيء في الكون له ميعاد ميلاد، مثل : الكهرباء، والذرة، والوصول إلى القمر، وغزو الفضاء، وهذه كلها أشياء لها مواعيد ميلاد. ويبحث العلماء عنها باستخدام المقدمات، ولكنهم لا يصلون إلى سر ميلاد أي اكتشاف إلا بإذن الله حين يلفتهم إلى هذا السر ؛ إما بالبحث العلمي، وإما أن يتم معرفته صدفة.
وهكذا نجد أن البشر يحاطون علما بهذه الأسرار بعد مقدمات وبإذن من الله.
وما دام الحق سبحانه هو عالم الغيب ؛ فيكون سبحانه عالما بالشهادة(٤) من باب أولى، وقد يظن ظان أنه إن جلس في مكان معزول مستور ويفعل ما يريد، فلن يشهده الله، لأنه قد يفعل ما يريد دون أن يراه أحد لكن ذلك غير حقيقي ؛ لأن الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة، فلا يوجد مستو ر عنه في هذا الكون، فلا الغيب يغيب عن علمه، ولا العالم المشهور عن علمه.
وما دام قد جاء الحق هنا بقوله : عالم الغيب والشهادة فلا بد أن يأتي بعدها ينبئكم بما كنتم تعملون أي : يخبركم مقدما بجزاء ما ستفعلونه من خير أو شر حتى لا يقول أحد : إنه لم يعرف، أو أنه لو علم أن فعله يؤدي إلى الشر لما فعل ؛ وحتى يكون كل إنسان شهيدا على نفسه ؛ لأن الله أبلغه بالجزاء، فيكون الجزاء عدلا لا ظلما.
ولذلك يقول الحق سبحانه :
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( ١٤ ) ( الإسراء )فأنت الذي تحكم على نفسك.

١ الأنباء: الأخبار الهامة. قال الحق:لكل نبإ مستقر(٦٧) (الأنعام)- وأنبأه بالشيء ونبأه به: أخبره، وذكر له قصته..
٢ الغيب: مصدر ويسمى به ما غاب واستتر. قال تعالى:الذين يؤمنون بالغيب (٣) (البقرة) والغيب: هو ما غاب عن العيون كالجنة و النار والملائكة والجن، وجمعه: غيوب قال تعالى:إنك أنت علام الغيوب (١٠٩) (المائدة) وهذا هو الغيب المطلق.
أما الغيب النسبي: فهو الذي يغيب عنك ولم يغب عن غيرك، وقد تعرفه عند الأذن بميلاده..

٣ هذه الاكتشافات التي عرفت من المقدمات والنظريات والتجارب لا يطلق عليها أنها غيب-وإن كانت غائبة قبل التعامل مع المقدمات أو التجارب، فهذا لجهلنا بالتعامل مع العلم، وأن ميلاد ظهورها لم يحن بعد، فهذا بتقدير العزيز العليم..
٤ الشهادة: خبر قاطع، والشاهد اسم فاعل وجمعه شهد (كراكع وركع) وجمع الجمع: شهود أو شهود: جمع شاهد، مثل: قاعد وقعود. والشهادة بمعنى ما يشاهد بالمذكرات والوجدانيات للوصول إلى الاختيار، ذلك عند الإنسان، أما بالنسبة لله سبحانه فهو عالم الغيب والشهادة فهو (علام الغيوب)لأنه خالقها فهو أعلم بغيبها وظاهرها..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير