تفسير سورة سورة الجن

محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب

أوضح التفاسير

محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)

الناشر

المطبعة المصرية ومكتبتها

الطبعة

السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م

﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ استمعوا لرسولالله، وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ الجد: العظمة والغنى ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ زوجة ﴿وَلاَ وَلَداً﴾ كما يزعمون
آية رقم ٤
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ أي جاهلنا. أو هو إبليس؛ إذ لا سفيه فوقه ﴿شَطَطاً﴾ كذباً. والشطط: الغلو في الكفر. وشطت الدار: بعدت. وصف به قولهم؛ لبعده عن الصواب. وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ كان الرجل إذا أمسى في واد قفر، وأدركه الخوف؛ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. يريد بذلك الجن وكبيرهم؛ فإذا سمع الجن ذلك استكبروا ﴿فَزَادوهُمْ رَهَقاً﴾ أي زاد الإنس الجن إثماً - باستعاذتهم بهم - لأنهم تكبروا وعتوا؛ وقالوا: سدنا الإنس والجن. ويجوز أن يكون المعنى: فزاد الجن الإنس رهقاً؛ بأن أغووهم وأضلوهم. هذا ولا يجوز الاستعاذة بغير الله تعالى؛ فهو وحده القادر على الحفظ، القاهر فوق عباده، السميع، البصير، العليم وعن الصادق المصدوق صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «إذا أصاب أحداً منكم وحشة، أو نزل بأرض مجنة؛ فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات؛ التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر؛ من شر ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن فتن النهار، ومن طوارق الليل؛ إلا طارقاً يطرق بخير»
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً﴾ أي إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم؛ فلما سمعوا القرآن اهتدوا؛ فهلا اهتديتم؟
آية رقم ٨
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ﴾ تحسسنا الطريق إليها كعادتنا. والمراد: طلبناها ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً﴾ من الملائكة؛ يمنع كل من يقترب منها ﴿وَشُهُباً﴾ أي وملئت نجوماً محرقة؛ تحرق كل من اقترب من السماء. وهذا على خلاف العادة: قبل بعثته
﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ قبل ذلك ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ أي نقعد بقرب السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ فنسمع بعض ما يدور فيها، وما يصدر من الأوامر؛ أما الآن ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾ أي من يحاول الاستماع من السماء ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ شهاباً ينتظره بالمرصاد
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنون الطائعون ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ الكافرون العاصون ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ مذاهب متفرقة، وأدياناً مختلفة، وأهواء متباينة
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ تأكدنا ﴿أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ﴾ أي لن نفوته، ولن ننجو من عقوبته إذا أراد
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ القرآن ﴿فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾ نقصاناً من ثوابه ﴿وَلاَ رَهَقاً﴾ أي ولا يخاف إثماً، ولا ترهقه ذلة
آية رقم ١٦
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ المثلى؛ وهي الإيمان ب الله تعالى ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً﴾ أي كثيراً من الإغداق. والمراد بذلك سعة الرزق؛ حيث إن الماء سبب للخصب والرخاء
﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنختبرهم: أيشكرون أم يكفرون؟ ﴿يَسْلُكْهُ﴾ يدخله ﴿عَذَاباً صَعَداً﴾ شاقاً
آية رقم ١٨
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ المساجد: موضع السجود ﴿فَلاَ تَدْعُواْ﴾ لا تعبدوا
﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ محمد عليه الصلاة والسلام ﴿يَدْعُوهُ﴾ أي يدعو ربه ﴿كَادُواْ﴾ أي كاد الجن ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ جماعات؛ لاستماع القرآن، والاتعاظ به. أو كاد المشركون يجتمعون على تسفيهه والاستهزاء به و «لبداً» جمع لبدة؛ وهو ما تلبد بعضه فوق بعض من الله
﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ غيره ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملجأ؛ لأن الملتحد: اسم الموضع
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ يومئذٍ ﴿مَنِ﴾ منا ﴿أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ أقل أعواناً من الآخر: نحن أم هم؟
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ به من العذاب ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ أجلاً. والأمد لا يطلق إلا على المدة الطويلة
آية رقم ٢٦
{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً *
إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما شاء من ذلك. والغيب هنا: الوحي؛ فيظهره عليه: بما يوحيه إليه من غيبه. أي لا يطلع على غيبه أحداً؛ إلا بعض الرسل الذين يرتضيهم؛ فإنه يطلعهم على بعض غيبه الذي يكون متعلقاً برسالاتهم؛ ليكون معجزة لهم لدى أقوامهم (انظر آية ٤٤ من سورة آل عمران)
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ أي يرسل أمام الرسول الذي يطلعه على الغيب وخلفه حرساً من الملائكة: يحوطونه من كل جانب؛ يحرسونه من تعرض الشياطين؛ لئلا يتشبهوا له في صورة الملك الموحى، ويحفظونه؛ حتى يبلغ إليه، ما أمر بتبليغه إلى الناس، و ﴿لِّيَعْلَمَ﴾ الله تعالى علم ظهور - لأنه تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما هو كائن - ويصير هذا العلم حجة على الخلق الذين ينكرون مجيء الرسل إليهم، ومجيء الملائكة إلى الرسل؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ وهوأعلم بهم قبل خلقهم
«ليعلم» ﴿أَن قَدْ أَبْلَغُواْ﴾ أي أبلغ ملائكته إلى رسله ﴿رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾ أو ليعلم الرسول أنه قد أبلغ الملائكة رسالات ربهم بلا تحريف، ولا تغيير. أو ليعلم محمد أن الملائكة «قد أبلغوا رسالات ربهم» لمن تقدمه من الأنبياء، مثل تبليغهم له ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي أحاط الله تعالى بما لدى الرسل، والمرسل إليهم، والملائكة، والرصد؛ وعلم ما يخفون وما يكتمون
— 715 —
سورة المزمل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

— 716 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

23 مقطع من التفسير