تفسير سورة سورة الجن
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (ت 1393 هـ)
نبذة عن الكتاب
الكتاب المشهور للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - يبحث في علم من علوم التفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن ويوضح المعنى الوارد في الآيات من آيات أخرى أو بعض الأحاديث وهو موسوعة قيمة في الأصول والفقه والعقيدة واللغة وغيرها
يقول الشيخ عطية سالم - رحمه الله -
«وهو مَدْرَسَةٌ كَامِلَةٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِه»
«مَنْهَجِهِ فِي أَضْوَاءِ الْبَيَانِ حِينَمَا يَعْرِضُ لِمَبْحَثٍ فِقْهِيٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَيُرَجِّحُ مَا يَظْهَرُ لَهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَقْلًا كَانَ أَوْ نَقْلًا.
وَهَذَا الْمَنْهَجُ هُوَ سَبِيلُ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، الدَّأْبُ عَلَى الدِّرَاسَةِ، وَمُوَاصَلَةُ الْمُطَالَعَةِ وَالتَّنْقِيحِ.»
ﰡ
آية رقم ٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
فِيهِ إِثْبَاتُ سَمَاعِ الْجِنِّ لِلْقُرْآنِ وَإِعْجَابِهِمْ بِهِ، وَهِدَايَتِهِمْ بِهَدْيِهِ، وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ. وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «الْأَحْقَافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [٤٦ ٢٩]، وَفِي آيَةِ «الْأَحْقَافِ» بَيَانٌ لِمَا قَامَ بِهِ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ بَعْدَ سَمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ، بِأَنَّهُمْ لَمَّا قُضِيَ سَمَاعُهُمْ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
وَفِيهَا: بَيَانُ أَنَّهُمْ عَالِمُونَ بِكِتَابِ مُوسَى وَهُوَ التَّوْرَاةُ، وَقَدْ شَهِدُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَمَا جَاءَ هُنَا قَوْلُهُ: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
وَالشَّطَطُ: الْبَعِيدُ الْمُفْرِطُ فِي الْبُعْدِ، قَالَ عَنْتَرَةُ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
وَرُوِيَ:
حَلَّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فَأَصْبَحَتْ
وَأَنْشَدَ أَيْضًا لِغَيْرِهِ:
شَطَّ الْمَزَارُ بِجَذْوِي وَانْتَهَى الْأَمَلُ
فَفِي كِلَا الْبَيْتَيْنِ الشَّطَطُ: الْإِفْرَاطُ فِي الْبُعْدِ، إِذْ فِي الْأَوَّلِ قَالَ: فَأَصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَى طُلَّابِهَا، وَفِي الثَّانِي قَالَ: وَانْتَهَى الْأَمَلُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّطَطِ الْبُعْدُ الْخَاصُّ،
سُورَةُ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
فِيهِ إِثْبَاتُ سَمَاعِ الْجِنِّ لِلْقُرْآنِ وَإِعْجَابِهِمْ بِهِ، وَهِدَايَتِهِمْ بِهَدْيِهِ، وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ. وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «الْأَحْقَافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [٤٦ ٢٩]، وَفِي آيَةِ «الْأَحْقَافِ» بَيَانٌ لِمَا قَامَ بِهِ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ بَعْدَ سَمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ، بِأَنَّهُمْ لَمَّا قُضِيَ سَمَاعُهُمْ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
وَفِيهَا: بَيَانُ أَنَّهُمْ عَالِمُونَ بِكِتَابِ مُوسَى وَهُوَ التَّوْرَاةُ، وَقَدْ شَهِدُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَمَا جَاءَ هُنَا قَوْلُهُ: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
وَالشَّطَطُ: الْبَعِيدُ الْمُفْرِطُ فِي الْبُعْدِ، قَالَ عَنْتَرَةُ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
| شَطَّتْ مَزَارُ الْعَاشِقِينَ فَأَصْبَحَتْ | عِسِرًا عَلَى طُلَّابِهَا ابْنَةُ مَخْرَمِ |
حَلَّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فَأَصْبَحَتْ
وَأَنْشَدَ أَيْضًا لِغَيْرِهِ:
شَطَّ الْمَزَارُ بِجَذْوِي وَانْتَهَى الْأَمَلُ
فَفِي كِلَا الْبَيْتَيْنِ الشَّطَطُ: الْإِفْرَاطُ فِي الْبُعْدِ، إِذْ فِي الْأَوَّلِ قَالَ: فَأَصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَى طُلَّابِهَا، وَفِي الثَّانِي قَالَ: وَانْتَهَى الْأَمَلُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّطَطِ الْبُعْدُ الْخَاصُّ،
آية رقم ١٠
وَهُوَ الْبُعْدُ عَنِ الْحَقِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ [٣٨ ٢٢].
وَمِنْهُ الْبُعْدُ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» فِي قَوْلِهِ: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [١٨ ١٤] ; لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ غَيْرَ اللَّهِ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنِ الْحَقِّ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [٧٢ ٢
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
بَيَّنَ تَعَالَى الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْحِرَاسَةِ: بِأَنَّهُ لِحِفْظِهَا عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا [٣٧ ٦ - ٧]، وَبَيَّنَ تَعَالَى حَالَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَرِقُونَ الْكَلِمَةَ وَيَنْزِلُونَ بِهَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشُّهُبَ تَأْتِيهِمْ مِنَ النُّجُومِ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [٦٧ ٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ لَا تَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [٣٤ ١٤].
وَقَدْ يَبْدُو مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ، حَيْثُ قَالُوا أَوَّلًا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [٧٢ ١ - ٢] ثُمَّ يَقُولُونَ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [٧٢ ١٠] وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ تَسَاءَلُوا لَمَّا لَمَسُوا السَّمَاءَ فَمُنِعُوا مِنْهَا لِشِدَّةِ حِرَاسَتِهَا، وَأَقَرُّوا أَخِيرًا لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ وَعَلِمُوا السَّبَبَ فِي تَشْدِيدِ حِرَاسَةِ السَّمَاءِ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا مُنِعُوا مَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْوَحْيِ ; لِقَوْلِهِ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا [٧٢ ٧].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [٧٢ ٨] يَدُلُّ بِفَحْوَاهُ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنَ السَّمْعِ، كَمَا قَالُوا: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [٧٢ ٩]
وَمِنْهُ الْبُعْدُ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» فِي قَوْلِهِ: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [١٨ ١٤] ; لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ غَيْرَ اللَّهِ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنِ الْحَقِّ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [٧٢ ٢
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
بَيَّنَ تَعَالَى الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْحِرَاسَةِ: بِأَنَّهُ لِحِفْظِهَا عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا [٣٧ ٦ - ٧]، وَبَيَّنَ تَعَالَى حَالَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَرِقُونَ الْكَلِمَةَ وَيَنْزِلُونَ بِهَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشُّهُبَ تَأْتِيهِمْ مِنَ النُّجُومِ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [٦٧ ٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ لَا تَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [٣٤ ١٤].
وَقَدْ يَبْدُو مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ، حَيْثُ قَالُوا أَوَّلًا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [٧٢ ١ - ٢] ثُمَّ يَقُولُونَ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [٧٢ ١٠] وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ تَسَاءَلُوا لَمَّا لَمَسُوا السَّمَاءَ فَمُنِعُوا مِنْهَا لِشِدَّةِ حِرَاسَتِهَا، وَأَقَرُّوا أَخِيرًا لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ وَعَلِمُوا السَّبَبَ فِي تَشْدِيدِ حِرَاسَةِ السَّمَاءِ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا مُنِعُوا مَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْوَحْيِ ; لِقَوْلِهِ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا [٧٢ ٧].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [٧٢ ٨] يَدُلُّ بِفَحْوَاهُ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنَ السَّمْعِ، كَمَا قَالُوا: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [٧٢ ٩]
آية رقم ١٦
وَلَكِنْ قَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ السَّمَاعَ وَلَوْ مَعَ الْحِرَاسَةِ الشَّدِيدَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّهُمْ لَمْ وَلَنْ يَسْتَمِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [٢٦ ٢١٢].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [٥ ٦٦]، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [٧ ٩٦] فَكُلُّهَا نُصُوصٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اسْتَقَامَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْقَوِيمَةِ شِرْعَةِ اللَّهِ لَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [٧١ ١٠ - ١٢].
وَمَفْهُومُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ فَقَدْ يَكُونُ انْحِرَافُهُ أَوْ شِرْكُهُ مُوجِبًا لِحِرْمَانِهِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [١٨ ١٠ - ٣٤].
فَهَذِهِ نِعْمَةٌ كَامِلَةٌ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا إِلَى قَوْلِهِ: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [١٨ ٣٤ - ٤٣].
وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ فِيمَا يَعِيشُهُ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ الْيَوْمَ بَيْنَ الِاتِّجَاهَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ الشُّيُوعِيِّ وَالرَّأْسِمَالِيِّ. وَمَا أَثْبَتَهُ الْوَاقِعُ مِنْ أَنَّ الْمُعَسْكَرَ الشُّيُوعِيَّ الَّذِي أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِالَّذِي خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاهُ رَجُلًا، فَإِنَّهُ وَكُلُّ مَنْ يَسِيرُ فِي فَلَكِهِ مَعَ مَدَى تَقَدُّمِهِ الصِّنَاعِيِّ، فَإِنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِكَافَّةِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى فِي اسْتِيرَادِ الْقَمْحِ، وَإِنَّ رُوسْيَا بِنَفْسِهَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [٥ ٦٦]، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [٧ ٩٦] فَكُلُّهَا نُصُوصٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اسْتَقَامَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْقَوِيمَةِ شِرْعَةِ اللَّهِ لَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [٧١ ١٠ - ١٢].
وَمَفْهُومُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ فَقَدْ يَكُونُ انْحِرَافُهُ أَوْ شِرْكُهُ مُوجِبًا لِحِرْمَانِهِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [١٨ ١٠ - ٣٤].
فَهَذِهِ نِعْمَةٌ كَامِلَةٌ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا إِلَى قَوْلِهِ: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [١٨ ٣٤ - ٤٣].
وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ فِيمَا يَعِيشُهُ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ الْيَوْمَ بَيْنَ الِاتِّجَاهَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ الشُّيُوعِيِّ وَالرَّأْسِمَالِيِّ. وَمَا أَثْبَتَهُ الْوَاقِعُ مِنْ أَنَّ الْمُعَسْكَرَ الشُّيُوعِيَّ الَّذِي أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِالَّذِي خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاهُ رَجُلًا، فَإِنَّهُ وَكُلُّ مَنْ يَسِيرُ فِي فَلَكِهِ مَعَ مَدَى تَقَدُّمِهِ الصِّنَاعِيِّ، فَإِنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِكَافَّةِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى فِي اسْتِيرَادِ الْقَمْحِ، وَإِنَّ رُوسْيَا بِنَفْسِهَا
آية رقم ١٨
لَتُفْرِجُ عَنْ بَعْضِ احْتِيَاطِهَا مِنَ الذَّهَبِ لِتَشْتَرِيَ قَمْحًا. وَلَا زَالَتْ تَشْتَرِيهِ مِنَ الْمُعَسْكَرِ الرَّأْسِمَالِيِّ.
وَهَكَذَا الدُّوَلُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اقْتِصَادِيَّاتِهَا بِالْمَذْهَبِ الِاشْتِرَاكِيِّ الْمُتَفَرِّعِ مِنَ الْمَذْهَبِ الشُّيُوعِيِّ ; فَإِنَّهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَفِيضُ بِإِنْتَاجِهَا الزِّرَاعِيِّ عَلَى غَيْرِهَا، أَصْبَحَتْ تَسْتَوْرِدُ لَوَازِمَهَا الْغِذَائِيَّةَ مِنْ خَارِجِهَا، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ كَمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا قِصَّةَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، إِلَى قَوْلِهِ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، إِلَى قَوْلِهِ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [٦٨ ١٧ - ٢٩].
وَلِذَا كَانَتِ الزَّكَاةُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَنَمَاءً لَهُ.
وَقَوْلُهُ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [٧٢ ١٧]، أَيْ: نَخْتَبِرَهُمْ فِيمَا هُمْ فَاعِلُونَ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَصَرْفِهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ، أَمِ الطُّغْيَانِ بِهَا وَمَنْعِ حَقِّهَا؟ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [٩٦ ٦ - ٧]، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١٨ ٧]، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٦٤ ١٥ - ١٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
«الْمَسَاجِدُ» : جَمْعُ مَسْجِدٍ. وَالْمَسْجِدُ لُغَةً اسْمُ مَكَانٍ عَلَى وَزْنٍ مَفْعِلٍ، كَمَجْلِسٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ مَكَانُ الْجُلُوسِ، وَهُوَ لُغَةً يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ صَالِحٍ لِلسُّجُودِ.
وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا صَالِحَةٌ لِذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا أَمَاكِنَ خَاصَّةً نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ; لِأَوْصَافٍ طَارِئَةٍ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفَوْقَ الْحَمَّامِ، وَمَوَاضِعُ الْخَسْفِ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ، وَالْمَكَانُ الْمَغْصُوبُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَعَدَمُهَا، وَالْبِيَعُ.
وَقَدْ عَدَّ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - تِسْعَةَ عَشَرِ مَوْضِعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [١٥ ٨٠] فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ أَرْضِ الْحِجْرِ، وَمُوَاطِنِ الْخَسْفِ، وَسَاقَ كُلَّ مَوْضِعٍ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ بَحْثٌ مُطَوَّلٌ مُسْتَوْفًى ; وَالْمَسْجِدُ عُرْفًا
وَهَكَذَا الدُّوَلُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اقْتِصَادِيَّاتِهَا بِالْمَذْهَبِ الِاشْتِرَاكِيِّ الْمُتَفَرِّعِ مِنَ الْمَذْهَبِ الشُّيُوعِيِّ ; فَإِنَّهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَفِيضُ بِإِنْتَاجِهَا الزِّرَاعِيِّ عَلَى غَيْرِهَا، أَصْبَحَتْ تَسْتَوْرِدُ لَوَازِمَهَا الْغِذَائِيَّةَ مِنْ خَارِجِهَا، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ كَمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا قِصَّةَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، إِلَى قَوْلِهِ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، إِلَى قَوْلِهِ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [٦٨ ١٧ - ٢٩].
وَلِذَا كَانَتِ الزَّكَاةُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَنَمَاءً لَهُ.
وَقَوْلُهُ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [٧٢ ١٧]، أَيْ: نَخْتَبِرَهُمْ فِيمَا هُمْ فَاعِلُونَ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَصَرْفِهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ، أَمِ الطُّغْيَانِ بِهَا وَمَنْعِ حَقِّهَا؟ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [٩٦ ٦ - ٧]، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١٨ ٧]، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [٦٤ ١٥ - ١٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
«الْمَسَاجِدُ» : جَمْعُ مَسْجِدٍ. وَالْمَسْجِدُ لُغَةً اسْمُ مَكَانٍ عَلَى وَزْنٍ مَفْعِلٍ، كَمَجْلِسٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ مَكَانُ الْجُلُوسِ، وَهُوَ لُغَةً يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ صَالِحٍ لِلسُّجُودِ.
وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا صَالِحَةٌ لِذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا أَمَاكِنَ خَاصَّةً نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ; لِأَوْصَافٍ طَارِئَةٍ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفَوْقَ الْحَمَّامِ، وَمَوَاضِعُ الْخَسْفِ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ، وَالْمَكَانُ الْمَغْصُوبُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَعَدَمُهَا، وَالْبِيَعُ.
وَقَدْ عَدَّ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - تِسْعَةَ عَشَرِ مَوْضِعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [١٥ ٨٠] فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ أَرْضِ الْحِجْرِ، وَمُوَاطِنِ الْخَسْفِ، وَسَاقَ كُلَّ مَوْضِعٍ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ بَحْثٌ مُطَوَّلٌ مُسْتَوْفًى ; وَالْمَسْجِدُ عُرْفًا
— 320 —
كُلُّ مَا خُصِّصَ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْإِضَافَةِ هُنَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ مَعَ الْإِشْعَارِ بِاخْتِصَاصِهَا بِاللَّهِ، أَيْ: بِعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ [٢٤ ٣٦ - ٣٧].
وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخَاذِهَا لِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ بَيْعٍ وَتِجَارَةٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْشَادُ الضَّالَّةِ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً بِالْمَسْجِدِ، فَقُولُوا لَهُ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ ; فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ ; إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ»، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى: الْبَطْحَاءَ. وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا، أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ.
وَاللَّغَطُ هُوَ: الْكَلَامُ الَّذِي فِيهِ جَلَبَةٌ وَاخْتِلَاطٌ. وَأَلْ فِي الْمَسَاجِدِ: لِلِاسْتِغْرَاقِ ; فَتُفِيدُ شُمُولَ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ، كَمَا تَدُلُّ فِي عُمُومِهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَلَكِنْ جَاءَتْ آيَاتٌ تُخَصِّصُ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ بِمَزِيدِ فَضْلٍ وَاخْتِصَاصٍ، وَهِيَ:
الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ; خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [٣ ٩٦ - ٩٧]. فَذَكَرَ هُنَا سَبْعَ خِصَالٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَنَّهُ: أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَمُبَارَكٌ، وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَفِيهِ آيَاتُ بَيِّنَاتٌ، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إِلَيْهِ، وَآيَاتٌ أُخَرُ.
وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ; قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [١٧ ١] فَخُصَّ بِكَوْنِهِ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ، وَبِالْبَرَكَةِ حَوْلَهُ، وَأُرِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ.
وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخَاذِهَا لِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ بَيْعٍ وَتِجَارَةٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْشَادُ الضَّالَّةِ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً بِالْمَسْجِدِ، فَقُولُوا لَهُ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ ; فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ ; إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ»، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى: الْبَطْحَاءَ. وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا، أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ.
وَاللَّغَطُ هُوَ: الْكَلَامُ الَّذِي فِيهِ جَلَبَةٌ وَاخْتِلَاطٌ. وَأَلْ فِي الْمَسَاجِدِ: لِلِاسْتِغْرَاقِ ; فَتُفِيدُ شُمُولَ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ، كَمَا تَدُلُّ فِي عُمُومِهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَلَكِنْ جَاءَتْ آيَاتٌ تُخَصِّصُ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ بِمَزِيدِ فَضْلٍ وَاخْتِصَاصٍ، وَهِيَ:
الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ; خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [٣ ٩٦ - ٩٧]. فَذَكَرَ هُنَا سَبْعَ خِصَالٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَنَّهُ: أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَمُبَارَكٌ، وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَفِيهِ آيَاتُ بَيِّنَاتٌ، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إِلَيْهِ، وَآيَاتٌ أُخَرُ.
وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ; قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [١٧ ١] فَخُصَّ بِكَوْنِهِ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ، وَبِالْبَرَكَةِ حَوْلَهُ، وَأُرِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ.
— 321 —
وَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَعْرُجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَكِنْ لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ: كَعَلَامَاتِ الطَّرِيقِ ; لِتَكُونَ دَلِيلًا لَهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي إِخْبَارِهِ بِالْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، وَتَقْدِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ الْأَقْدَاحَ الثَّلَاثَةَ: بِالْمَاءِ، وَاللَّبَنِ، وَالْخَمْرِ، وَاخْتِيَارِهِ اللَّبَنَ رَمْزًا لِلْفِطْرَةِ. وَاجْتِمَاعِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ وَالصَّلَاةِ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، بَيْنَمَا رَآهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أُرِيَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ: فَمَسْجِدُ قُبَاءٍ: نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [٩ ١٠٨].
فَجَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ؟ فَأَخَذَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْنَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ وَضَرَبَ بِهَا أَرْضَ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: «مَسْجِدُكُمْ هَذَا».
وَجَاءَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَغَيْرِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ»، فَقَالُوا: إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
قال في سبل السلام وأصله في أبي داود والترمذي في السنن عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [٩/١٠٨].
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ وَفَاءِ الْوَفَاءِ: وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ: الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ قُبَاءٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَهْلَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ، فَمَا بَلَغَ مِنْ طُهُورِكُمْ؟ قَالُوا: نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ».
قَالَ: وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى مَسْجِدِ التَّقْوَى أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالُوا لَنَا: انْطَلِقُوا إِلَى مَسْجِدِ التَّقْوَى، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَهُ. فَاسْتَقْبَلَنَا يَدَاهُ عَلَى كَاهِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَثُرْنَا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجُنْدُبٌ.
وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ: فَمَسْجِدُ قُبَاءٍ: نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [٩ ١٠٨].
فَجَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ؟ فَأَخَذَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْنَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ وَضَرَبَ بِهَا أَرْضَ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: «مَسْجِدُكُمْ هَذَا».
وَجَاءَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَغَيْرِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ»، فَقَالُوا: إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
قال في سبل السلام وأصله في أبي داود والترمذي في السنن عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [٩/١٠٨].
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ وَفَاءِ الْوَفَاءِ: وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ: الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ قُبَاءٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَهْلَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ، فَمَا بَلَغَ مِنْ طُهُورِكُمْ؟ قَالُوا: نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ».
قَالَ: وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى مَسْجِدِ التَّقْوَى أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالُوا لَنَا: انْطَلِقُوا إِلَى مَسْجِدِ التَّقْوَى، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَهُ. فَاسْتَقْبَلَنَا يَدَاهُ عَلَى كَاهِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَثُرْنَا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجُنْدُبٌ.
— 322 —
فَحَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتِلْكَ النُّصُوصُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [٩ ١٠٨] ظَاهِرٌ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ فِي خُصُوصِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، جَاءَ رَدًّا عَلَى اخْتِلَافِ رَجُلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْمَعْنِيِّ بِهَا، فَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ.
وَعَلَيْهِ، فَالْآيَةُ إِذًا اشْتَمَلَتْ وَتَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ مَسْجِدٍ أَيْنَمَا كَانَ، إِذَا كَانَ أَسَاسُهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ بِنَائِهِ عَلَى التَّقْوَى، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ سِيَاقُ الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَدْ جَاءَتْ قَبْلَهَا قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [٩ ١٠٧ - ١٠٨].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ كَانَ بِمِنْطَقَةِ قُبَاءٍ، وَطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فِيهِ تَبَرُّكًا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ.
وَجَاءَتِ الْآيَةُ بِمُقَارَنَةٍ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، فَقَالَ تَعَالَى لَهُ: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا الْآيَةَ [٩ ١٠٨].
وَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً لِلْمُقَارَنَةِ مَرَّةً أُخْرَى أَعَمَّ مِنَ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ [٩ ١٠٩ - ١١٠].
وَبِهَذَا يَكُونُ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ هُوَ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ مَبْدَأَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، وَأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [٩ ١٠٨] أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ فِي أَوَّلِ
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [٩ ١٠٨] ظَاهِرٌ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ فِي خُصُوصِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، جَاءَ رَدًّا عَلَى اخْتِلَافِ رَجُلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْمَعْنِيِّ بِهَا، فَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ.
وَعَلَيْهِ، فَالْآيَةُ إِذًا اشْتَمَلَتْ وَتَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ مَسْجِدٍ أَيْنَمَا كَانَ، إِذَا كَانَ أَسَاسُهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ بِنَائِهِ عَلَى التَّقْوَى، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ سِيَاقُ الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَدْ جَاءَتْ قَبْلَهَا قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [٩ ١٠٧ - ١٠٨].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ كَانَ بِمِنْطَقَةِ قُبَاءٍ، وَطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فِيهِ تَبَرُّكًا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ.
وَجَاءَتِ الْآيَةُ بِمُقَارَنَةٍ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، فَقَالَ تَعَالَى لَهُ: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا الْآيَةَ [٩ ١٠٨].
وَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً لِلْمُقَارَنَةِ مَرَّةً أُخْرَى أَعَمَّ مِنَ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ [٩ ١٠٩ - ١١٠].
وَبِهَذَا يَكُونُ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ هُوَ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ مَبْدَأَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، وَأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ فِي الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [٩ ١٠٨] أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ فِي أَوَّلِ
— 323 —
يَوْمِ بِنَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهَا أَوَّلِيَّةً زَمَانِيَّةً خَاصَّةً، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ وَصَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ بِقُبَاءٍ، وَتَظَلُّ هَذِهِ الْمُقَارَنَةُ فِي الْآيَةِ مَوْجُودَةً إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَقَدِ اخْتُصَّتْ تِلْكَ الْمَسَاجِدُ الْأَرْبَعَةُ بِأُمُورٍ تَرْبِطُ بَيْنَهَا بِرَوَابِطَ عَدِيدَةٍ، أَهَمُّهَا: تَحْدِيدُ مَكَانِهَا حَيْثُ كَانَ بِوَحْيٍ أَوْ شِبْهِ الْوَحْيِ، فَفِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [٢٢ ٢٦].
وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ دَاوُدَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُنِي أَبْنِيهِ لَكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: حَيْثُ تَرَى الْفَارِسَ الْمُعَلِّمَ شَاهِرًا سَيْفَهُ. فَرَآهُ فِي مَكَانِهِ الْآنَ، وَكَانَ حَوْشًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فِي الْبَيْهَقِيِّ.
وَفِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ. لَمَّا نَزَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبَاءٍ، قَالَ: «مَنْ يَرْكَبُ النَّاقَةَ» إِلَى أَنْ رَكِبَهَا عَلِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: «أَرْخِ زِمَامَهَا» فَاسْتَنَّتْ، فَقَالَ: «خُطُّوا الْمَسْجِدَ حَيْثُ اسْتَنَّتْ».
وَفِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: جَاءَ فِي السِّيَرِ كُلِّهَا: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُ: هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، فَيَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى أَمَامِ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَكَانَ أَمَامَهُ مِرْبَدٌ لِأَيْتَامٍ وَمَقْبَرَةٌ لِيَهُودَ، فَاشْتَرَى الْمَكَانَ وَنَبَشَ الْقُبُورَ وَبَنَى الْمَسْجِدَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ فَكُلُّهَا بِنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ، فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَيِ الْبِنَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْآنُ وَمَا قَبْلَهُ فِيهِ رِوَايَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [٢ ١٢٧].
وَكَذَلِكَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيِّ، أَيْ: تَجْدِيدُ بِنَائِهِ.
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَقَدْ شَارَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِنَائِهِ، وَجَاءَ فِي قِصَّةِ بِنَائِهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلًا حَجَرًا، فَقَالَ: دَعْنِي أَحْمِلْهُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ وَخُذْ غَيْرَهَا، فَلَسْتَ بِأَحْوَجَ مِنَ الثَّوَابِ مِنِّي».
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُهُ الشَّرِيفُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، حِينَ بَنَاهُ أَوَّلًا مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ وَجَرِيدِهِ
وَقَدِ اخْتُصَّتْ تِلْكَ الْمَسَاجِدُ الْأَرْبَعَةُ بِأُمُورٍ تَرْبِطُ بَيْنَهَا بِرَوَابِطَ عَدِيدَةٍ، أَهَمُّهَا: تَحْدِيدُ مَكَانِهَا حَيْثُ كَانَ بِوَحْيٍ أَوْ شِبْهِ الْوَحْيِ، فَفِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [٢٢ ٢٦].
وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ دَاوُدَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُنِي أَبْنِيهِ لَكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: حَيْثُ تَرَى الْفَارِسَ الْمُعَلِّمَ شَاهِرًا سَيْفَهُ. فَرَآهُ فِي مَكَانِهِ الْآنَ، وَكَانَ حَوْشًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فِي الْبَيْهَقِيِّ.
وَفِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ. لَمَّا نَزَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبَاءٍ، قَالَ: «مَنْ يَرْكَبُ النَّاقَةَ» إِلَى أَنْ رَكِبَهَا عَلِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: «أَرْخِ زِمَامَهَا» فَاسْتَنَّتْ، فَقَالَ: «خُطُّوا الْمَسْجِدَ حَيْثُ اسْتَنَّتْ».
وَفِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: جَاءَ فِي السِّيَرِ كُلِّهَا: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُ: هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، فَيَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى أَمَامِ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَكَانَ أَمَامَهُ مِرْبَدٌ لِأَيْتَامٍ وَمَقْبَرَةٌ لِيَهُودَ، فَاشْتَرَى الْمَكَانَ وَنَبَشَ الْقُبُورَ وَبَنَى الْمَسْجِدَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ فَكُلُّهَا بِنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ، فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَيِ الْبِنَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْآنُ وَمَا قَبْلَهُ فِيهِ رِوَايَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [٢ ١٢٧].
وَكَذَلِكَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيِّ، أَيْ: تَجْدِيدُ بِنَائِهِ.
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَقَدْ شَارَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِنَائِهِ، وَجَاءَ فِي قِصَّةِ بِنَائِهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلًا حَجَرًا، فَقَالَ: دَعْنِي أَحْمِلْهُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ وَخُذْ غَيْرَهَا، فَلَسْتَ بِأَحْوَجَ مِنَ الثَّوَابِ مِنِّي».
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُهُ الشَّرِيفُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، حِينَ بَنَاهُ أَوَّلًا مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ وَجَرِيدِهِ
— 324 —
ثُمَّ بَنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى بِالْبِنَاءِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ تَبُوكَ.
وَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ لِهَذِهِ الْمَسَاجِدِ الْأَرْبَعَةِ، تَمَيَّزَتْ عَنْ عُمُومِ الْمَسَاجِدِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ مُضَاعَفَةُ الْأَعْمَالِ فِيهَا، أَصْلُهَا الصَّلَاةُ، كَمَا بَوَّبَ لِهَذَا الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ.
الْأَوَّلُ حَدِيثُ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
كَمَا اخْتُصَّ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِرَوْضَتِهِ، الَّتِي هِيَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ».
وَاخْتُصَّ مَسْجِدُ قُبَاءٍ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ»، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ بِسَنَدٍ.
قَالَ فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ حَيَامٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: جَاءَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! : مَا أَعْظَمَ حَقَّ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كَانَ أَهْلًا أَنْ يُؤْتَى، مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إِلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَقْلَبَهُ اللَّهُ بِأَجْرِ عُمْرَةٍ.
وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الْحَكَمِ فِي شِعْرٍ لَهُ:
وَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ لِهَذِهِ الْمَسَاجِدِ الْأَرْبَعَةِ، تَمَيَّزَتْ عَنْ عُمُومِ الْمَسَاجِدِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ مُضَاعَفَةُ الْأَعْمَالِ فِيهَا، أَصْلُهَا الصَّلَاةُ، كَمَا بَوَّبَ لِهَذَا الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ.
الْأَوَّلُ حَدِيثُ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
كَمَا اخْتُصَّ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِرَوْضَتِهِ، الَّتِي هِيَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ».
وَاخْتُصَّ مَسْجِدُ قُبَاءٍ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ»، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ بِسَنَدٍ.
قَالَ فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ حَيَامٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: جَاءَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! : مَا أَعْظَمَ حَقَّ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كَانَ أَهْلًا أَنْ يُؤْتَى، مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إِلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَقْلَبَهُ اللَّهُ بِأَجْرِ عُمْرَةٍ.
وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الْحَكَمِ فِي شِعْرٍ لَهُ:
| فَإِنْ أَهْلِكْ فَقَدْ أَقْرَرْتُ عَيْنًا | مِنَ الْمُعْتَمِرَاتِ إِلَى قُبَاءٍ |
| مِنَ اللَّائِي سَوَالِفُهُنَّ غِيدٌ | عَلَيْهِنَّ الْمَلَاحَةُ بِالْبَهَاءِ |
| فَإِنْ أَهْلِكَ فَقَدْ أَقْرَرْتُ عَيْنًا | مِنَ الْمُعْتَمِرَاتِ إِلَى قُبَاءٍ |
| مِنَ اللَّاتِي سَوَالِفْهُنَّ غِيدٌ | عَلَيْهِنَّ الْمَلَاحَةُ بِالْبَهَاءِ |
إِنَّ قَوْلَ أَنَسٍ لَيُشْعِرُ بِجَوَازِ شَدِّ الرَّحْلِ إِلَى قُبَاءٍ لَوْ كَانَ بَعِيدًا، وَلَكِنَّهُ لِلْمَعَانِي فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
تَنْبِيهٌ آخَرٌ.
أَبْيَاتُ الشَّاعِرِ تُشْعِرُ بِخَطَأِ التَّجَمُّعِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِقُبَاءٍ، وَاجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
— 349 —
تَنْبِيهٌ ثَالِثٌ.
يُوجَدُ فَرْقٌ بِصِفَةٍ إِجْمَالِيَّةٍ عَامَّةٍ بَيْنَ زِيَارَةِ عُمُومِ الْمَقَابِرِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، وَخُصُوصِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ. إِذِ الْغَرَضُ مِنْ زِيَارَةِ عَامَّةِ الْمَقَابِرِ هُوَ الدُّعَاءُ لَهَا، وَتَذَكُّرُ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ".
أَمَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمُشَرَّفَةُ، فَلَهَا خَصَائِصُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا:
أَوَّلًا: وَمِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعُ: ارْتِبَاطُهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا شَدُّ الرَّحَالِ إِلَيْهَا.
ثَانِيًا: عَظِيمُ حَقِّ مَنْ فِيهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِذْ بِزِيَارَتِهِمْ لَا بِتَذَكُّرِ الْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ وَيَسْتَفِيدُ ذِكْرَيَاتِ الدُّنْيَا وَعَظِيمَ جِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَهِدَايَةِ الْأُمَّةِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى عُبِدَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَعُمِلَ بِشَرْعِهِ، فِيمَا يُثِيرُ إِحْسَاسَ الْمُسْلِمِ وُجُوبَ تَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَدْيِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -.
وَهَذَا مَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ عَقِبَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ بِخَالِصِ الدُّعَاءِ، أَنْ يَجْزِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَهْلٌ لَهُ.
ثَالِثًا: عَظِيمُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضُهُ لَا يُوجَدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَقَابِرِ. وَهَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الزِّيَارَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [٧٢ ١٨]، جَمَعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ، فَكَأَنَّ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى الثَّانِيَةِ بِمَفْهُومِهَا، وَكَأَنَّ الثَّانِيَةَ تَكُونُ مَنْطُوقَ الْأُولَى ; لِأَنَّ كَوْنَ الْمَسَاجِدِ لِلَّهِ يَقْتَضِي إِفْرَادَهُ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ وَأَلَّا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ.
أَمَّا إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ، فَقَدْ كَتَبَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - عَلَى ذَلِكَ مَبْحَثًا كَامِلًا فِي سُورَةِ " الْحُجُرَاتِ " فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [٤٩ ٢].
يُوجَدُ فَرْقٌ بِصِفَةٍ إِجْمَالِيَّةٍ عَامَّةٍ بَيْنَ زِيَارَةِ عُمُومِ الْمَقَابِرِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، وَخُصُوصِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ. إِذِ الْغَرَضُ مِنْ زِيَارَةِ عَامَّةِ الْمَقَابِرِ هُوَ الدُّعَاءُ لَهَا، وَتَذَكُّرُ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ".
أَمَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمُشَرَّفَةُ، فَلَهَا خَصَائِصُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا:
أَوَّلًا: وَمِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعُ: ارْتِبَاطُهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا شَدُّ الرَّحَالِ إِلَيْهَا.
ثَانِيًا: عَظِيمُ حَقِّ مَنْ فِيهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِذْ بِزِيَارَتِهِمْ لَا بِتَذَكُّرِ الْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ وَيَسْتَفِيدُ ذِكْرَيَاتِ الدُّنْيَا وَعَظِيمَ جِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَهِدَايَةِ الْأُمَّةِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى عُبِدَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَعُمِلَ بِشَرْعِهِ، فِيمَا يُثِيرُ إِحْسَاسَ الْمُسْلِمِ وُجُوبَ تَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَدْيِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -.
وَهَذَا مَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ عَقِبَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ بِخَالِصِ الدُّعَاءِ، أَنْ يَجْزِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَهْلٌ لَهُ.
ثَالِثًا: عَظِيمُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضُهُ لَا يُوجَدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَقَابِرِ. وَهَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الزِّيَارَةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [٧٢ ١٨]، جَمَعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ، فَكَأَنَّ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى الثَّانِيَةِ بِمَفْهُومِهَا، وَكَأَنَّ الثَّانِيَةَ تَكُونُ مَنْطُوقَ الْأُولَى ; لِأَنَّ كَوْنَ الْمَسَاجِدِ لِلَّهِ يَقْتَضِي إِفْرَادَهُ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ وَأَلَّا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ.
أَمَّا إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ، فَقَدْ كَتَبَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - عَلَى ذَلِكَ مَبْحَثًا كَامِلًا فِي سُورَةِ " الْحُجُرَاتِ " فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [٤٩ ٢].
— 350 —
وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَوُجُوبَ إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ حَقُّهُ تَعَالَى، وَبَيَّنَ فِيهَا آدَابَ السَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ كَهَيْأَةِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. اهـ.
وَأَنَّ الْجَمْعَ هُنَا بَيْنَ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ بِنَفْسِ الْمَفْهُومِ، لِمَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْعِنَايَةِ بِأَمْرِهِ، وَإِنَّهُ لَيَلْفِتُ النَّظَرَ إِلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ الْأَكِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ الْمَسَاجِدِ وَدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَيَفْتَحُونَ بِذَلِكَ بَابًا مُطِلًّا عَلَى الشِّرْكِ. كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فِي قِصَّتَيْهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا شَاهَدَتَاهُ بِالْحَبَشَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أُولَئِكَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ; أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ، أَيْ: خَشْيَةَ اتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا ".
حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَدِّدُ الْحَذَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُبُورِ وَالْمَسَاجِدِ ; خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ، أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَحَذَّرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَفَشَّتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّنَبُّهَ لَهَا، وَرَبْطَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَا مَعَ تِلْكَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي شَأْنِهَا مَهْمَا كَانَ الْمَسْجِدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَمَسْجِدَ إِيلِيَاءَ، بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
تَنْبِيهٌ.
قَدْ أُثِيرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَسَاؤُلَاتٌ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَمَوْضِعِ الْحُجْرَةِ مِنْهُ بَعْدَ إِدْخَالِهَا فِيهِ.
وَأَنَّ الْجَمْعَ هُنَا بَيْنَ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ بِنَفْسِ الْمَفْهُومِ، لِمَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْعِنَايَةِ بِأَمْرِهِ، وَإِنَّهُ لَيَلْفِتُ النَّظَرَ إِلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ الْأَكِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ الْمَسَاجِدِ وَدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَيَفْتَحُونَ بِذَلِكَ بَابًا مُطِلًّا عَلَى الشِّرْكِ. كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فِي قِصَّتَيْهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا شَاهَدَتَاهُ بِالْحَبَشَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أُولَئِكَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ; أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ، أَيْ: خَشْيَةَ اتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا ".
حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَدِّدُ الْحَذَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُبُورِ وَالْمَسَاجِدِ ; خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ، أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَحَذَّرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَفَشَّتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّنَبُّهَ لَهَا، وَرَبْطَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَا مَعَ تِلْكَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي شَأْنِهَا مَهْمَا كَانَ الْمَسْجِدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَمَسْجِدَ إِيلِيَاءَ، بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
تَنْبِيهٌ.
قَدْ أُثِيرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَسَاؤُلَاتٌ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَمَوْضِعِ الْحُجْرَةِ مِنْهُ بَعْدَ إِدْخَالِهَا فِيهِ.
— 351 —
وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ; اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ". قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ، فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً ; حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. اهـ.
وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وَتَارِيخِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ السَّمْهُودِيُّ فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ، قَالَ: وَعَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِجِدَارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي الْجِدَارِ كُوَّةٌ فَأَمَرَتْ بِالْكُوَّةِ فَسُدَّتْ هِيَ أَيْضًا. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ - وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ بَيْتِ كِتَابَةٍ وَعِلْمٍ -: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ظَاهِرًا، حَتَّى بَنَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ الْخِطَارَ الْمُزَوَّرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، حِينَ بَنَى الْمَسْجِدَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُزَوَّرًا ; كَرَاهَةَ أَنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يُصَلَّى إِلَيْهِ.
قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: وَقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنَى الْبَيْتَ غَيْرَ بِنَائِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: بَنَى عَلَى بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَجْدُرٍ فَدُونَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَجْدُرٍ: جِدَارُ بِنَاءِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجِدَارُ الْبَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ بَنَى عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -، وَجِدَارُ الْخِطَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو غَسَّانَ فِيمَا حَكَاهُ الْأَقْشَهْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: نَازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَلَّا يُجْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدَّ الْمُنَازَلَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ مِنْ إِنْفَاذِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أَيْ: وَهُوَ الْمَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الْحُجْرَةِ. اهـ.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ، فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً ; حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. اهـ.
وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وَتَارِيخِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ السَّمْهُودِيُّ فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ، قَالَ: وَعَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِجِدَارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي الْجِدَارِ كُوَّةٌ فَأَمَرَتْ بِالْكُوَّةِ فَسُدَّتْ هِيَ أَيْضًا. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ - وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ بَيْتِ كِتَابَةٍ وَعِلْمٍ -: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ظَاهِرًا، حَتَّى بَنَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ الْخِطَارَ الْمُزَوَّرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، حِينَ بَنَى الْمَسْجِدَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُزَوَّرًا ; كَرَاهَةَ أَنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يُصَلَّى إِلَيْهِ.
قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: وَقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنَى الْبَيْتَ غَيْرَ بِنَائِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: بَنَى عَلَى بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَجْدُرٍ فَدُونَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَجْدُرٍ: جِدَارُ بِنَاءِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجِدَارُ الْبَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ بَنَى عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -، وَجِدَارُ الْخِطَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو غَسَّانَ فِيمَا حَكَاهُ الْأَقْشَهْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: نَازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَلَّا يُجْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدَّ الْمُنَازَلَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ مِنْ إِنْفَاذِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أَيْ: وَهُوَ الْمَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الْحُجْرَةِ. اهـ.
— 352 —
فَهَذِهِ مُنَازَلَةٌ فِي مَوْضُوعِ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ، وَهَذَا جَوَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَدْ آلَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْخَامِسُ، وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا الْوَضْعَ لَمَّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِيَاطَاتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْأُولَى، وَمَشْهَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَدَعُ لِأَحَدٍ مَجَالًا لِاعْتِرَاضٍ أَوِ احْتِجَاجٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، وَقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بَالَغَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَعْلَوْا حِيطَانَ تُرْبَتِهِ، وَسَدُّوا الْمَدْخَلَ إِلَيْهَا، وَجَعَلُوهَا مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ خَافُوا أَنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إِذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْمُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلَاةُ إِلَيْهِ بِصُورَةِ الْعِبَادَةِ، فَبَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى زَاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ; حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ اسْتِقْبَالِ قَبْرِهِ. اهـ. مِنْ فَتْحِ الْمَجِيدِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيَالَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ "، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي نُونِيَّتِهِ، كَابْنِ تَيْمِيَّةَ قَالَ:
وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْمَجِيدِ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ عُبِدَ لَكَانَ وَثَنًا. وَلَكِنْ حَمَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ; فَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ.
وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْوَثَنَ هُوَ مَا يُبَاشِرُهُ الْعَابِدُ مِنَ الْقُبُورِ وَالتَّوَابِيتِ الَّتِي عَلَيْهَا. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهِ لَكَانَ وَثَنًا، وَحَاشَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى يَكُونُ قَبْرُهُ وَثَنًا يُنَافِي التَّوْحِيدَ، وَيَهْدِمُ مَا بَنَاهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَكَيْفَ يَرْضَى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حَاشَا وَكَلَّا. هَذَا مُجْمَلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ آلَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْخَامِسُ، وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا الْوَضْعَ لَمَّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِيَاطَاتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْأُولَى، وَمَشْهَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَدَعُ لِأَحَدٍ مَجَالًا لِاعْتِرَاضٍ أَوِ احْتِجَاجٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، وَقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بَالَغَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَعْلَوْا حِيطَانَ تُرْبَتِهِ، وَسَدُّوا الْمَدْخَلَ إِلَيْهَا، وَجَعَلُوهَا مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ خَافُوا أَنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إِذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْمُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلَاةُ إِلَيْهِ بِصُورَةِ الْعِبَادَةِ، فَبَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى زَاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ; حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ اسْتِقْبَالِ قَبْرِهِ. اهـ. مِنْ فَتْحِ الْمَجِيدِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيَالَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ "، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي نُونِيَّتِهِ، كَابْنِ تَيْمِيَّةَ قَالَ:
| فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ | وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ |
| حَتَّى غَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ | فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ |
وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْوَثَنَ هُوَ مَا يُبَاشِرُهُ الْعَابِدُ مِنَ الْقُبُورِ وَالتَّوَابِيتِ الَّتِي عَلَيْهَا. اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهِ لَكَانَ وَثَنًا، وَحَاشَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى يَكُونُ قَبْرُهُ وَثَنًا يُنَافِي التَّوْحِيدَ، وَيَهْدِمُ مَا بَنَاهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَكَيْفَ يَرْضَى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حَاشَا وَكَلَّا. هَذَا مُجْمَلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
— 353 —
وُجْهَةُ نَظَرٍ.
وَهُنَا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ ; بِأَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ. كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا أَيْ: أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلًا وَالْمَسْجِدَ ثَانِيًا.
أَمَّا قَضِيَّةُ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهِيَ عَكْسُ ذَلِكَ، إِذِ الْمَسْجِدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِدْخَالُ الْحُجْرَةِ ثَانِيًا، فَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ فِي نَظَرِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْقَبْرَ أَوِ الْقُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْحُجْرَةُ، أَيْ: بِمَا فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ فَتْحِ الْمَجِيدِ فِي تَعْرِيفِ الْوَثَنِ: أَنَّهُ مَا سُجِدَ إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ.
وَعَلَيْهِ فَمَا مِنْ مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إِلَّا وَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ قُبُورٌ وَمَقَابِرُ. وَلَا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إِلَى الْقُبُورِ لِبُعْدِهَا وَوُجُودِ الْحَوَاجِزِ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبُعْدُ نِسْبِيًّا. فَكَذَلِكَ فِي مَوْضُوعِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُجْرَةِ، فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَيْضًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامٌ فِي ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ الْمَجْمُوعِ: مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَكَانَتْ هِيَ وَحُجَرُ نِسَائِهِ فِي شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَةٍ مِنْ بَيْعَتِهِ، وُسِّعَ الْمَسْجِدُ، وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ - عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ مِنْ مُلَّاكِهَا وَرَثَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ عَلَى حَالِهَا. وَكَانَتْ مُغْلَقَةً لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِصَلَاةٍ عِنْدَهُ، وَلَا لِدُعَاءٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. إِلَى حِينِ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقَالَ فِي صَفْحَةِ ٣٢٨: وَلَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ
وَهُنَا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ ; بِأَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ. كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا أَيْ: أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلًا وَالْمَسْجِدَ ثَانِيًا.
أَمَّا قَضِيَّةُ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهِيَ عَكْسُ ذَلِكَ، إِذِ الْمَسْجِدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِدْخَالُ الْحُجْرَةِ ثَانِيًا، فَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ فِي نَظَرِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْقَبْرَ أَوِ الْقُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْحُجْرَةُ، أَيْ: بِمَا فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ فَتْحِ الْمَجِيدِ فِي تَعْرِيفِ الْوَثَنِ: أَنَّهُ مَا سُجِدَ إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ.
وَعَلَيْهِ فَمَا مِنْ مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إِلَّا وَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ قُبُورٌ وَمَقَابِرُ. وَلَا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إِلَى الْقُبُورِ لِبُعْدِهَا وَوُجُودِ الْحَوَاجِزِ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبُعْدُ نِسْبِيًّا. فَكَذَلِكَ فِي مَوْضُوعِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُجْرَةِ، فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَيْضًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامٌ فِي ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ الْمَجْمُوعِ: مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَكَانَتْ هِيَ وَحُجَرُ نِسَائِهِ فِي شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَةٍ مِنْ بَيْعَتِهِ، وُسِّعَ الْمَسْجِدُ، وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ - عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ مِنْ مُلَّاكِهَا وَرَثَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ عَلَى حَالِهَا. وَكَانَتْ مُغْلَقَةً لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِصَلَاةٍ عِنْدَهُ، وَلَا لِدُعَاءٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. إِلَى حِينِ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقَالَ فِي صَفْحَةِ ٣٢٨: وَلَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ
— 354 —
وَبَعْدَهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً، إِلَى أَنْ أُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدَّ بَابُهَا وَبُنِيَ عَلَيْهَا حَائِطٌ آخَرُ.
فَكُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وَقَبْرُهُ وَثَنًا. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَا يَأْتِي إِلَى هُنَاكَ إِلَّا مُسْلِمٌ، وَكُلُّهُمْ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهَانَ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ ; بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ وَثَنًا يُعْبَدُ. وَلَا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، وَلِئَلَّا يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ لِوَضْعِ الْجُدْرَانِ الثَّلَاثَةِ وَجَعْلِ طَرَفِ الْجِدَارِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّمَالِ عَلَى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وَأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْيَوْمَ بَعْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ، وُجُودُ الشَّبَكِ الْحَدِيدِيِّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ الْمُثَلَّثِ إِلَى الشَّمَالِ مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ أَمْتَارٍ يَتَوَسَّطُهَا، أَيْ: تِلْكَ الْمَسَافَةُ مِحْرَابٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ سَابِقًا، أَيْ: قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمُصَلِّي فِي الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَبَيْنَ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَنْفِي أَيَّ عَلَاقَةٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ بِالْقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أُثِيرَ فِيهَا كَلَامٌ فِي مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ فِي مِنَى وَمِنْ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ نَقُولُ:
لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ بِالْفِعْلِ لَكَانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إِدْخَالِهَا مَجَالٌ. أَمَّا وَقَدْ أُدْخِلَتْ بِالْفِعْلِ وَفِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَمَضَى عَلَى إِدْخَالِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ إِذًا.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَكَتَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَا وَهُوَ مَوْضُوعُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَكَوْنِهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَهَا بَابٌ وَاحِدٌ، وَمُرْتَفِعٌ عَنِ الْأَرْضِ.
وَكَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ بِنَاءَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، فَتَسْتَوْعِبَ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونَ لَهَا بَابَانِ وَيُسَوِّيَهُمَا بِالْأَرْضِ. وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذَلِكَ ; لِاعْتِبَارَاتٍ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
أَلَا يَسَعُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَوْضُوعِ الْحُجُرَاتِ الْيَوْمَ مَا وَسِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ، وَمَا وَسِعَ السَّلَفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي عَيْنِ الْحُجْرَةِ.
فَكُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وَقَبْرُهُ وَثَنًا. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَا يَأْتِي إِلَى هُنَاكَ إِلَّا مُسْلِمٌ، وَكُلُّهُمْ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهَانَ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ ; بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ وَثَنًا يُعْبَدُ. وَلَا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، وَلِئَلَّا يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ لِوَضْعِ الْجُدْرَانِ الثَّلَاثَةِ وَجَعْلِ طَرَفِ الْجِدَارِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّمَالِ عَلَى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وَأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْيَوْمَ بَعْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ، وُجُودُ الشَّبَكِ الْحَدِيدِيِّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ الْمُثَلَّثِ إِلَى الشَّمَالِ مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ أَمْتَارٍ يَتَوَسَّطُهَا، أَيْ: تِلْكَ الْمَسَافَةُ مِحْرَابٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ سَابِقًا، أَيْ: قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمُصَلِّي فِي الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَبَيْنَ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَنْفِي أَيَّ عَلَاقَةٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ بِالْقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أُثِيرَ فِيهَا كَلَامٌ فِي مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ فِي مِنَى وَمِنْ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ نَقُولُ:
لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ بِالْفِعْلِ لَكَانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إِدْخَالِهَا مَجَالٌ. أَمَّا وَقَدْ أُدْخِلَتْ بِالْفِعْلِ وَفِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَمَضَى عَلَى إِدْخَالِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ إِذًا.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَكَتَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَا وَهُوَ مَوْضُوعُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَكَوْنِهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَهَا بَابٌ وَاحِدٌ، وَمُرْتَفِعٌ عَنِ الْأَرْضِ.
وَكَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ بِنَاءَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، فَتَسْتَوْعِبَ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونَ لَهَا بَابَانِ وَيُسَوِّيَهُمَا بِالْأَرْضِ. وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذَلِكَ ; لِاعْتِبَارَاتٍ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
أَلَا يَسَعُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَوْضُوعِ الْحُجُرَاتِ الْيَوْمَ مَا وَسِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ، وَمَا وَسِعَ السَّلَفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي عَيْنِ الْحُجْرَةِ.
— 355 —
وَمِنْ نَاحِيَةٍ ثَالِثَةٍ: لَوْ أَنَّهُ أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ، فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيْ: جُعِلَ الْمَسْجِدُ مِنْ دُونِهَا عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: نُعِيدُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَلَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ مَالِكٌ لِلرَّشِيدِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِي خُصُوصِ الْكَعْبَةِ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَعَادَهَا الْحَجَّاجُ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَفْعَلْ ; لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ تُصْبِحَ الْكَعْبَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ. فَيُقَالُ: هُنَا أَيْضًا فَتُصْبِحُ الْحُجْرَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ بَيْنَ إِدْخَالٍ وَإِخْرَاجٍ. وَفِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: نُعِيدُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَلَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ مَالِكٌ لِلرَّشِيدِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِي خُصُوصِ الْكَعْبَةِ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَعَادَهَا الْحَجَّاجُ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَفْعَلْ ; لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ تُصْبِحَ الْكَعْبَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ. فَيُقَالُ: هُنَا أَيْضًا فَتُصْبِحُ الْحُجْرَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ بَيْنَ إِدْخَالٍ وَإِخْرَاجٍ. وَفِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
— 356 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
4 مقطع من التفسير
show = false, 2500)"
x-show="show"
x-cloak
x-transition:enter="transition ease-out duration-300"
x-transition:enter-start="opacity-0 translate-y-2"
x-transition:enter-end="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave="transition ease-in duration-200"
x-transition:leave-start="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave-end="opacity-0 translate-y-2"
class="fixed bottom-6 left-1/2 -translate-x-1/2 z-[85] px-5 py-3 bg-gray-800 text-white text-sm rounded-xl shadow-lg flex items-center gap-2">