تفسير سورة سورة يوسف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

أضواء البيان

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (ت 1393 هـ)

نبذة عن الكتاب





الكتاب المشهور للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - يبحث في علم من علوم التفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن ويوضح المعنى الوارد في الآيات من آيات أخرى أو بعض الأحاديث وهو موسوعة قيمة في الأصول والفقه والعقيدة واللغة وغيرها



يقول الشيخ عطية سالم - رحمه الله -

«وهو مَدْرَسَةٌ كَامِلَةٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِه»

«مَنْهَجِهِ فِي أَضْوَاءِ الْبَيَانِ حِينَمَا يَعْرِضُ لِمَبْحَثٍ فِقْهِيٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَيُرَجِّحُ مَا يَظْهَرُ لَهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَقْلًا كَانَ أَوْ نَقْلًا.

وَهَذَا الْمَنْهَجُ هُوَ سَبِيلُ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، الدَّأْبُ عَلَى الدِّرَاسَةِ، وَمُوَاصَلَةُ الْمُطَالَعَةِ وَالتَّنْقِيحِ.»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ يُوسُفَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا تَأْوِيلَ هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا الْآيَةَ [١٢ ٩٩، ١٠٠].
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ.
بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ عَلَّمَ نَبِيَّهُ يُوسُفَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [١٢ ٢١].
وَقَوْلِهِ: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [١٢ ١٠١].
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِتَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ.
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا، فَالْأَحَادِيثُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هِيَ الرُّؤْيَا، قَالُوا: لِأَنَّهَا إِمَّا حَدِيثُ نَفْسٍ، أَوْ مَلَكٍ، أَوْ شَيْطَانٍ.
وَكَانَ يُوسُفُ أَعْبَرَ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى خِبْرَتِهِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، كَقَوْلِهِ: يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [١٢ ٤١]، وَقَوْلِهِ:
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ [١٢ ٤٧] إِلَى قَوْلِهِ: يَعْصِرُونَ [١٢ ٤٩].
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِتَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي كُتُبِ اللَّهِ وَسُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا غَمُضَ وَمَا اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَغْرَاضِهَا وَمَقَاصِدِهَا، يُفَسِّرُهَا لَهُمْ وَيَشْرَحُهَا، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى مُودَعَاتِ حِكَمِهَا.
وَسُمِّيَتْ أَحَادِيثَ ; لِأَنَّهَا يُحَدَّثُ بِهَا عَنِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَيُقَالُ: قَالَ اللَّهُ كَذَا، وَقَالَ رَسُولُهُ كَذَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [٧ ١٨٥].
وَقَوْلِهِ:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الْآيَةَ [٣٩ ٢٣]، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [٢٨ ١٤]، وَقَوْلُهُ: قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي الْآيَةَ [١٢ ٣٧].
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وَعُلُومِ كُتُبِ اللَّهِ وَسُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ بِهَذَا الضَّلَالِ الَّذِي وَصَفُوا بِهِ أَبَاهُمْ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِنَّمَا هُوَ الذَّهَابُ عَنْ عِلْمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ كَمَا يَنْبَغِي.
وَيَدُلُّ لِهَذَا وُرُودُ الضَّلَالِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مُخَاطِبِينَ أَبَاهُمْ: قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [١٢ ٩٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [٩٣ ٧]، أَيْ لَسْتَ عَالِمًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا وَعَلَّمَكَهَا بِمَا أَوْحَى إِلَيْكَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا بَدَلًا أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ
يَعْنِي أَنَّهَا غَيْرُ عَالِمَةٍ بِالْحَقِيقَةِ فِي ظَنِّهَا أَنَّهُ يَبْغِي بِهَا بَدَلًا وَهُوَ لَا يَبْغِي بِهَا بَدَلًا.
وَلَيْسَ مُرَادُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ الضَّلَالَ فِي الدَّيْنِ ; إِذْ لَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَكَانُوا كُفَّارًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ أَبَاهُمْ فِي زَعْمِهِمْ فِي ذَهَابٍ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْزَالِ الْأَمْرِ مَنْزِلَتَهُ اللَّائِقَةَ بِهِ، حَيْثُ آثَرَ اثْنَيْنِ عَلَى عَشَرَةٍ، مَعَ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَكْثَرُ نَفْعًا لَهُ، وَأَقْدَرُ عَلَى الْقِيَامِ بِشُئُونِهِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّلَالَ أُطْلِقَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا الضَّلَالُ فِي الدِّينِ، أَيِ الذَّهَابُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَهَذَا أَشْهَرُ مَعَانِيهِ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [١ ٧] وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [٣٧ ٧١]، وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا [٣٦ ٦٢]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
الثَّانِي إِطْلَاقُ الضَّلَالِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، وَالْغَيْبَةِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَلَّ السَّمْنُ فِي
الطَّعَامِ، إِذَا غَابَ فِيهِ وَهَلَكَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ تُسَمِّي الْعَرَبُ الدَّفْنَ إِضْلَالًا ; لِأَنَّهُ تَغْيِيبٌ فِي الْأَرْضِ يَئُولُ إِلَى اسْتِهْلَاكِ عِظَامِ الْمَيِّتِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَمِيمًا وَتَمْتَزِجُ بِالْأَرْضِ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٣٢ ١٠].
وَمِنْ إِطْلَاقِ الضَّلَالِ عَلَى الْغَيْبَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [٧ ٥٣]، أَيْ: غَابَ وَاضْمَحَلَّ.
وَمِنْ إِطْلَاقِ الضَّلَالِ عَلَى الدَّفْنِ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ:
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وَغُودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ وَنَائِلُ
فَقَوْلُهُ: مُضِلُّوهُ، يَعْنِي دَافِنِيهِ، وَقَوْلُهُ: بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ، أَيْ: بِخَبَرٍ يَقِينٍ، وَالْجَوْلَانُ: جَبَلٌ دُفِنَ عِنْدَهُ الْمَذْكُورُ.
وَمِنَ الضَّلَالِ بِمَعْنَى الْغَيْبَةِ وَالِاضْمِحْلَالِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
كُنْتُ الْقَذَى فِي مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ سَيُنْبِئُ إِخْوَتَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ الَّذِي فَعَلُوا بِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ.
ثُمَّ صَرَّحَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَنْجَزَ ذَلِكَ الْوَعْدَ فِي قَوْلِهِ: قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [١٢ ٨٩].
وَصَرَّحَ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِأَنَّهُ يُوسُفُ فِي قَوْلِهِ: وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [١٢ ٥٨].
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ هُوَ قَوْلُهُ: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ [١٢ ١٥]، أى: لَتُخْبِرَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا فِي حَالِ كَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّكَ يُوسُفُ، هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَامِلَ الْحَالِ هُوَ قَوْلُهُ: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ [١٢ ١٥]، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِكَ الْإِيحَاءَ وَقَعَ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ: غَيَابَةِ الْجُبِّ [١٢ ١٥] بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ «غَيَابَاتِ الْجُبِّ» بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ
غَيَابَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَإِنْ أَنَا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي فِي الْعَشِيرَةِ وَالْأَهْلِ
وَالْجَمْعُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ نَظَرًا إِلَى تَعَدُّدِ أَجْزَاءِ قَعْرِ الْجُبِّ الَّتِي تُغَيِّبُ الدَّاخِلَ فِيهَا عَنِ الْعِيَانِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَابِ «لَمَّا» مِنْ قَوْلِهِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ أَمُثْبَتٌ هُوَ أَمْ مَحْذُوفٌ؟
فَقِيلَ: هُوَ مُثْبَتٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ الْآيَةَ [١٢ ١٧]، أَيْ: لَمَّا كَانَ كَذَا وَكَذَا قَالُوا يَا أَبَانَا وَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْوَجْهَ أَبُو حَيَّانَ.
وَقِيلَ: جَوَابُ «لَمَّا» هُوَ قَوْلُهُ: أَوْحَيْنَا [١٢ ١٥] وَالْوَاوُ صِلَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، تُزَادُ عِنْدَهُمُ الْوَاوُ فِي جَوَابِ «لَمَّا، وَحَتَّى، وَإِذَا»، وَعَلَى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ الْآيَةَ [٣٧ ١٠٣، ١٠٤]، وَقَوْلَهُ: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا الْآيَةَ [٣٩ ٧٣]، وَقَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حُقْفٍ ذِي رُكَامٍ عَقَنْقَلِ
أَيْ: لَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ انْتَحَى.
وَقِيلَ: جَوَابُ «لَمَّا» مَحْذُوفٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ تَقْدِيرَهُ فَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوا مِنَ الْأَذَى.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهُمْ.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ جَعَلُوهُ فِيهَا.
وَاسْتَظْهَرَ هَذَا الْأَخِيرَ أَبُو حَيَّانَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ [١٢ ١٥] يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ.
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَمَّ بِأَنْ يَفْعَلَ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مِثْلَ مَا هَمَّتْ هِيَ بِهِ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بَيَّنَ بَرَاءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي حَيْثُ بَيَّنَ شَهَادَةَ كُلِّ مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَسْأَلَةِ بِبَرَاءَتِهِ، وَشَهَادَةَ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ وَاعْتِرَافَ إِبْلِيسَ بِهِ.
أَمَّا الَّذِينَ لَهُمْ تَعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَهُمْ: يُوسُفُ، وَالْمَرْأَةُ، وَزَوْجُهَا، وَالنِّسْوَةُ،
— 205 —
وَالشُّهُودُ.
أَمَّا جَزْمُ يُوسُفَ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَذَكَرَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [١٢ ٢٦]، وَقَوْلِهِ: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.
وَأَمَّا اعْتِرَافُ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ فَفِي قَوْلِهَا لِلنِّسْوَةِ: وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [١٢ ٣٢]، وَقَوْلِهَا: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [١٢ ٥١].
وَأَمَّا اعْتِرَافُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ فَفِي قَوْلِهِ: قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [١٢ ٢٨، ٢٩].
وَأَمَّا اعْتِرَافُ الشُّهُودِ بِذَلِكَ فَفِي قَوْلِهِ: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ الْآيَةَ [١٢ ٢٦].
وَأَمَّا شَهَادَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِبَرَاءَتِهِ فَفِي قَوْلِهِ: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [١٢ ٢٤].
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» : قَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى طَهَارَتِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ:
أَوَّلُهَا: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ، وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.
وَالثَّانِي قَوْلُهُ: وَالْفَحْشَاءَ، أَيْ: وَكَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الْفَحْشَاءَ.
وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [٢٥ ٦٣].
وَالرَّابِعُ قَوْلُهُ: الْمُخْلَصِينَ، وَفِيهِ قِرَاءَتَانِ: قِرَاءَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، وَأُخْرَى بِاسْمِ الْمَفْعُولِ.
فَوُرُودُهُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ آتِيًا بِالطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ مَعَ صِفَةِ الْإِخْلَاصِ.
وَوُرُودُهُ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَفَاهُ لِحَضْرَتِهِ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ: فَإِنَّهُ مِنْ أَدَلِّ الْأَلْفَاظِ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَمَّا أَضَافُوهُ إِلَيْهِ. اهـ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّازِيِّ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [١٢ ٢٣].
— 206 —
وَأَمَّا إِقْرَارُ إِبْلِيسَ بِطَهَارَةِ يُوسُفَ وَنَزَاهَتِهِ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [٣٨ ٨٢، ٨٣]، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِغْوَاءُ الْمُخْلَصِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ يُوسُفَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ، كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، فَظَهَرَتْ دَلَالَةُ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ الْفَضِيحَةَ، إِنْ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَلْيَقْبَلُوا شَهَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ فَلْيَقْبَلُوا شَهَادَةَ إِبْلِيسَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ: كُنَّا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ تَلَامِذَةَ إِبْلِيسَ، إِلَى أَنْ تَخَرَّجْنَا عَلَيْهِ فَزِدْنَا فِي السَّفَاهَةِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْخَوَارِزْمِيُّ:
وَكُنْتُ امْرَأً مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ فَارْتَقَى بِي الدَّهْرُ حَتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي
فَلَوْ مَاتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ طَرَائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُهَا بَعْدِي
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ: أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَرِيءٌ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ. اهـ كَلَامُ الرَّازِيِّ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ مَنْ قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَعُذْرُ الرَّازِيِّ فِي ذَلِكَ هُوَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَسَتَرَى فِي آخِرِ هَذَا الْمَبْحَثِ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ بَيَّنْتُمْ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ عَلَى بَرَاءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَكِنْ مَاذَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَمَّ بِهَا؟ [١٢ ٢٤]
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّل: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَمِّ يُوسُفَ بِهَا خَاطِرٌ قَلْبِيٌّ صَرَفَ عَنْهُ وَازِعَ التَّقْوَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْمَيْلُ الطَّبِيعِيُّ وَالشَّهْوَةُ الْغَرِيزِيَّةُ الْمَزْمُومَةُ بِالتَّقْوَى، وَهَذَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ»، يَعْنِي مَيْلَ الْقَلْبِ الطَّبِيعِيِّ.
وَمِثَالُ هَذَا مَيْلُ الصَّائِمِ بِطَبْعِهِ إِلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ، مَعَ أَنَّ تَقْوَاهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الشُّرْبِ وَهُوَ صَائِمٌ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةٌ» ; لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا تَمِيلُ
— 207 —
إِلَيْهِ نَفْسُهُ بِالطَّبْعِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [٧٩ ٤٠، ٤١].
وَهَمُّ بَنِي حَارِثَةَ وَبَنِي سَلَمَةَ بِالْفِرَارِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَهَمِّ يُوسُفَ هَذَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا [٣ ١٢٢] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْهَمَّ لَيْسَ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّ إِتْبَاعَ الْمَعْصِيَةِ بِوَلَايَةِ اللَّهِ لِذَلِكَ الْعَاصِي إِغْرَاءٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْهَمَّ وَتُرِيدُ بِهِ الْمَحَبَّةَ وَالشَّهْوَةَ، فَيَقُولُ الْإِنْسَانُ فِيمَا لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَشْتَهِيهِ: هَذَا مَا يُهِمُّنِي، وَيَقُولُ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَشْتَهِيهِ: هَذَا أَهَمُّ الْأَشْيَاءِ إِلَيَّ. بِخِلَافِ هَمِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ هَمُّ عَزْمٍ وَتَصْمِيمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا شَقَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَهُوَ هَارِبٌ عَنْهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي إِلَّا عَجْزُهَا عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا التَّصْمِيمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ يُؤَاخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا، بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا الْقَاتِلَ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»، فَصَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ تَصْمِيمَ عَزْمِهِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ مَعْصِيَةٌ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِسَبَبِهَا النَّارَ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ هَمَّ يُوسُفَ بِأَنَّهُ قَارَبَ الْهَمَّ وَلَمْ يَهِمَّ بِالْفِعْلِ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ: قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أَخَفِ اللَّهَ، أَيْ قَارَبْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ، كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَتَأْوِيلُ الْهَمِّ بِأَنَّهُ هَمَّ بِضَرْبِهَا، أَوْ هَمَّ بِدَفْعِهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ بَعِيدٌ مِنَ الظَّاهِرِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَيَّانَ: أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَمٌّ أَصْلًا، بَلْ هُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ لِوُجُودِ الْبُرْهَانِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ هُوَ أَجْرَى الْأَقْوَالِ عَلَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ: أَنَّ الْجَوَابَ الْمَحْذُوفَ يُذْكَرُ قَبْلَهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [١٠ ٨٤]، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، فَالْأَوَّلُ: دَلِيلُ الْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ لَا نَفْسُ الْجَوَابِ ; لِأَنَّ جَوَابَ الشُّرُوطِ وَجَوَابَ لَوْلَا لَا يَتَقَدَّمُ، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ كَالْآيَةِ
— 208 —
الْمَذْكُورَةِ، وَكَقَوْلِهِ: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٢٧ ٦٤]، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَمَعْنَى الْآيَةِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، أَيْ لَوْلَا أَنْ رَآهُ هَمَّ بِهَا، فَمَا قَبْلَ لَوْلَا هُوَ دَلِيلُ الْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [٢٨ ١٠]، فَمَا قَبْلَ لَوْلَا دَلِيلُ الْجَوَابِ، أَيْ: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لَكَادَتْ تُبْدِي بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَجَازُوا تَقْدِيمَ جَوَابِ لَوْلَا [١٢ ٢٤]، وَتَقْدِيمَ الْجَوَابِ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ جَوَابُ لَوْلَا فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [١٢ ٢٤]، هُوَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَهَمَّ بِهَا [١٢ ٢٤].
وَإِلَى جَوَازِ التَّقْدِيمِ الْمَذْكُورِ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ، وَمِنْ أَعْلَامِ الْبَصْرِيِّينَ: أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» مَا نَصُّهُ: وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَمٌّ بِهَا الْبَتَّةَ، بَلْ هُوَ مَنْفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ، كَمَا تَقُولُ: لَقَدْ قَارَفْتَ لَوْلَا أَنْ عَصَمَكَ اللَّهُ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ جَوَابَ لَوْلَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ، بَلْ صَرِيحُ أَدَوَاتِ الشُّرُوطِ الْعَامِلَةِ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ أَجْوِبَتِهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ، وَمِنْ أَعْلَامِ الْبَصْرِيِّينَ: أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ.
بَلْ نَقُولُ: إِنَّ جَوَابَ لَوْلَا مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَقُولُ جُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ. فَيُقَدِّرُونَهُ إِنْ فَعَلْتَ فَأَنْتَ ظَالِمٌ، وَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ أَنْتَ ظَالِمٌ عَلَى ثُبُوتِ الظُّلْمِ، بَلْ هُوَ مُثْبَتٌ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ هُنَا التَّقْدِيرُ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، فَكَانَ وُجُودُ الْهَمِّ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ، لَكِنَّهُ وَجَدَ رُؤْيَةَ الْبُرْهَانِ فَانْتَفَى الْهَمُّ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ. وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ: وَلَهَمَّ بِهَا، كَانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللَّامِ؟ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَهَمَّ بِهَا هُوَ جَوَابُ لَوْلَا وَنَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْجَوَابِ فَاللَّامُ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ جَوَابُ لَوْلَا إِذَا كَانَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي
— 209 —
بِاللَّامِ، وَبِغَيْرِ لَامٍ، تَقُولُ: لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ، وَلَوْلَا زَيْدٌ أَكْرَمْتُكَ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: هَمَّ بِهَا نَفْسُ الْجَوَابِ لَمْ يَبْعُدْ، وَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: إِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَإِنَّ جَوَابَ لَوْلَا فِي قَوْلِهِ: وَهَمَّ بِهَا وَإِنَّ الْمَعْنَى: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، فَلَمْ يَهِمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسَانُ الْعَرَبِ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ اهـ.
أَمَّا قَوْلُهُ: يَرُدُّهُ لِسَانُ الْعَرَبِ فَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [٢٨ ١٠] ٣٠ فَقَوْلُهُ: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ إِمَّا أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْقَائِلُ، وَإِمَّا أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لَكَادَتْ تُبْدِي بِهِ.
وَأَمَّا أَقْوَالُ السَّلَفِ: فَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا أَقْوَالٌ مُتَكَاذِبَةٌ يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، مَعَ كَوْنِهَا قَادِحَةً فِي بَعْضِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ الْمَقْطُوعِ لَهُمْ بِالْعِصْمَةِ.
وَالَّذِي رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُمْ قَدَّرُوا جَوَابَ لَوْلَا مَحْذُوفًا وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّرُوا الْهَمَّ بِهَا وَلَا يَدُلُ كَلَامُ الْعَرَبِ إِلَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ اهـ. مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَيَّانَ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ أَجْرَى الْأَقْوَالِ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ، وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خِلَافَ ذَلِكَ.
فَبِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ تَعْلَمُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَرِيءٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهَمَّ مُعَلَّقٌ بِأَدَاةِ الِامْتِنَاعِ الَّتِي هِيَ لَوْلَا عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ، وَقَدْ رَأَى الْبُرْهَانَ فَانْتَفَى الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَبِانْتِفَائِهِ يَنْتَفِي الْمُعَلَّقُ الَّذِي هُوَ هَمُّهُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي كَلَامِ أَبِي حَيَّانَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَمُّهُ خَاطِرًا قَلْبِيًّا صَرَفَ عَنْهُ وَازِعَ التَّقْوَى، أَوْ هُوَ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ الْغَرِيزِيُّ الْمَزْمُومُ بِالتَّقْوَى كَمَا أَوْضَحْنَاهُ، فَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَكَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَهَمَّ بِهَا لَا يُعَارِضُ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآيَاتِ عَلَى بَرَاءَةِ يُوسُفَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي.
— 210 —
فَإِذَا عَلِمْتَ مِمَّا بَيَّنَّا دَلَالَةَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، فَسَنَذْكُرُ لَكَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ بَعْضُ مَا لَا يَنْبَغِي، وَأَقْوَالَهُمْ فِي الْمُرَادِ بِالْبُرْهَانِ فَنَقُولُ:
قَالَ صَاحِبُ «الدُّرِّ الْمَنْثُورِ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِ» : أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا هَمَّتْ بِهِ تَزَيَّنَتْ، ثُمَّ اسْتَلْقَتْ عَلَى فِرَاشِهَا، وَهَمَّ بِهَا جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا يَحُلُّ تَبَّانَهُ نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ «يَا ابْنَ يَعْقُوبَ، لَا تَكُنْ كَطَائِرٍ يُنْتَفُ رِيشُهُ فَيَبْقَى لَا رِيشَ لَهُ» فَلَمْ يَتَّعِظْ عَلَى النِّدَاءِ شَيْئًا، حَتَّى رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُورَةِ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعَيْهِ، فَفَزِعَ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ، فَوَثَبَ إِلَى الْبَابِ فَوَجَدَهُ مُغْلَقًا، فَرَفَعَ يُوسُفُ رِجْلَهُ فَضَرَبَ بِهَا الْبَابَ الْأَدْنَى فَانْفَرَجَ لَهُ، وَاتَّبَعَتْهُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَوَضَعَتْ يَدَيْهَا فِي قَمِيصِهِ فَشَقَّتْهُ حَتَّى بَلَغَتْ عَضَلَةَ سَاقِهِ، فَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا بَلَغَ؟ قَالَ: حَلَّ الْهِمْيَانَ - يَعْنِي السَّرَاوِيلَ - وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتِنِ، فَصِيحَ بِهِ، يَا يُوسُفُ لَا تَكُنْ كَالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ، فَإِذَا زَنَى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ!
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [١٢ ٢٤]، قَالَ: طَمِعَتْ فِيهِ وَطَمِعَ فِيهَا، وَكَانَ مِنَ الطَّمَعِ أَنْ هَمَّ بِحَلِّ التِّكَّةِ، فَقَامَتْ إِلَى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ؟ فَقَالَتْ: اسْتَحِي مِنْ إِلَهِي أَنْ يَرَانِي عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَسْتَحِينَ مِنْ صَنَمٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا أَسْتَحِي أَنَا مِنْ إِلَهِي الَّذِي هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَنَالِينَهَا مِنِّي أَبَدًا. وَهُوَ الْبُرْهَانُ الَّذِي رَأَى.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَهَمَّ بِهَا [١٢ ٢٤]، قَالَ: حَلَّ سَرَاوِيلَهُ حَتَّى بَلَغَ ثُنَّتَهُ، وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَمُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
— 211 —
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ قَالَ: رَأَى صُورَةَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ عَاضًّا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَأَدْبَرَ هَارِبًا وَقَالَ: «وَحَقِّكَ يَا أَبَتِ لَا أَعُودُ أَبَدًا».
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَا: حَلَّ السَّرَاوِيلَ، وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتِنِ، فَرَأَى صُورَةً فِيهَا وَجْهُ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى أَصَابِعِهِ، فَدَفَعَ صَدْرَهُ فَخَرَجَتِ الشَّهْوَةُ مِنْ أَنَامِلِهِ، فَكُلُّ وَلَدِ يَعْقُوبَ قَدْ وُلِدَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا إِلَّا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ نَقَصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ وَلَدًا فَلَمْ يُولَدْ لَهُ غَيْرُ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَ: تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَ فِي صَدْرِ يُوسُفَ فَطَارَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَطْرَافِ أَنَامِلِهِ، فَوُلِدَ لِكُلِّ وَلَدِ يَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ ذَكَرًا غَيْرَ يُوسُفَ لَمْ يُولَدْ لَهُ إِلَّا غُلَامَانِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَ: رَأَى يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى أَصَابِعِهِ يَقُولُ: «يُوسُفُ! يُوسُفُ!».
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ، قَالَ: رَأَى آيَةً مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ حَجَزَهُ اللَّهُ بِهَا عَنْ مَعْصِيَتِهِ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا يُوسُفُ! أَتَهِمُّ بِعَمَلِ السُّفَهَاءِ، وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ؟ ! فَذَلِكَ الْبُرْهَانُ. فَانْتَزَعَ اللَّهُ كُلَّ شَهْوَةٍ كَانَتْ فِي مَفَاصِلِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاضًّا عَلَى إِصْبُعَيْهِ يَقُولُ: «يُوسُفُ بْنَ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، اسْمُكَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ!».
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجِدَارِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ سَقْفَ الْبَيْتِ انْفَرَجَ، فَرَأَى يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى إِصْبُعَيْهِ.
— 212 —
وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي «زَوَائِدِ الزُّهْدِ»، عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ. قَالَ: إِنَّهُ لَمَّا هَمَّ قِيلَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا يُوسُفُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِصُورَةٍ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ تَقُولُ: يَا يُوسُفُ! يَا يُوسُفُ! أَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ تَقُولُ: «يُوسُفُ! يُوسُفُ!».
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْبُرْهَانَ الَّذِي رَأَى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ يَعْقُوبُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، نُودِيَ: «يَا ابْنَ يَعْقُوبَ، لَا تَكُونَنَّ كَالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ، فَإِذَا زَنَى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ»، فَلَمْ يَعْرِضْ لِلنِّدَاءِ وَقَعَدَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَأَى وَجْهَ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى إِصْبُعِهِ، فَقَامَ مَرْعُوبًا اسْتِحْيَاءً مِنْ أَبِيهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، قَالَ: كَانَ يُولَدُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ إِلَّا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُلِدَ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَجْلِ مَا خَرَجَ مِنْ شَهْوَتِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى صُورَةِ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى إِصْبُعِهِ يَقُولُ: يَا يُوسُفُ، فَذَاكَ حِينَ كَفَّ وَقَامَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَ: رَأَى آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَنَهَتْهُ، مُثِّلَتْ لَهُ فِي جِدَارِ الْحَائِطِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْبُرْهَانُ الَّذِي رَأَى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [٨٢ ١٠، ١١]، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [١٠ ٦١]، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [١٣ ٣٣].
— 213 —
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: رَأَى فِي الْبَيْتِ فِي نَاحِيَةِ الْحَائِطِ مَكْتُوبًا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [١٧ ٣٢]، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَا يُوسُفُ وَامْرَأَةُ الْعَزِيزِ خَرَجَتْ كَفٌّ بِلَا جَسَدٍ بَيْنَهُمَا، مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [١٣ ٣٣]، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الْكَفُّ، وَقَامَا مَقَامَهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتِ الْكَفُّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [٨٢ ١٠، ١٢]، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الْكَفُّ، وَقَامَا مَقَامَهُمَا، فَعَادَتِ الْكَفُّ الثَّالِثَةُ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [١٧ ٣٢]، وَانْصَرَفْتِ الْكَفُّ، وَقَامَا مَقَامَهُمَا، فَعَادَتِ الْكَفُّ الرَّابِعَةُ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [٢ ٢٨١]، فَوَلَّى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَارِبًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، قَالَ: آيَاتِ رَبِّهِ، أُرِيَ تِمْثَالَ الْمَلِكِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ»، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ مَعَهَا الْبَيْتَ وَفِي الْبَيْتِ صَنَمٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَتْ: كَمَا أَنْتَ، حَتَّى أُغَطِّيَ الصَّنَمَ، فَإِنِّي أَسْتَحِي مِنْهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: هَذِهِ تَسْتَحْيِي مِنَ الصَّنَمِ، أَنَا أَحَقُّ أَنْ أَسْتَحِييَ مِنَ اللَّهِ؟ فَكَفَّ عَنْهَا وَتَرَكَهَا. اهـ مِنْ «الدُّرِّ الْمَنْثُورِ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِ».
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي رَأَيْتَ نِسْبَتُهَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٌ لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُهُ عَمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِي سُقُوطِهِ.
وَقِسْمٌ ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ مَنْ ذُكِرَ، وَمَنْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ الْمُزَاحِمُ لِلْيَقِينِ: أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ عَنِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ; لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَلَمْ يُرْفَعْ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّجَرُّؤُ عَلَى الْقَوْلِ فِي نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ بِأَنَّهُ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ كَافِرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ بِهَا، اعْتِمَادًا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَاتِ
— 214 —
الْمَذْكُورَةِ مَا تَلُوحُ عَلَيْهِ لَوَائِحُ الْكَذِبِ، كَقِصَّةِ الْكَفِّ الَّتِي خَرَجَتْ لَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَفِي ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَا يُبَالِي بِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فِيهِ أَكْبَرُ زَاجِرٍ لِعَوَامِّ الْفُسَّاقِ، فَمَا ظَنُّكَ بِخِيَارِ الْأَنْبِيَاءِ؟ مَعَ أَنَّا قَدَّمْنَا دَلَالَةَ الْقُرْآنِ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَتَعَدَّى أَحَدَ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَمٌّ بِهَا أَصْلًا، بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِ هَمِّهِ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ، وَقَدْ رَأَى الْبُرْهَانَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَمُّهُ الْمَيْلَ الطَّبِيعِيَّ الْمَزْمُومَ بِالتَّقْوَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ، اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ صَرَفَهُمَا عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ.
فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [١٢ ٢٤]، قَالَ: الزِّنَى، وَالثَّنَاءُ الْقَبِيحُ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: السُّوءُ: مُقَدِّمَاتُ الْفَاحِشَةِ، كَالْقُبْلَةِ، وَالْفَاحِشَةُ: الزِّنَى.
وَقِيلَ: السُّوءُ: جِنَايَةُ الْيَدِ، وَالْفَاحِشَةُ: الزِّنَى. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي تَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، أَيْ: فَعَلْنَا لَهُ ذَلِكَ مِنْ إِرَاءَةِ الْبُرْهَانِ، كَذَلِكَ الْفِعْلُ لِنَصْرِفَ وَاللَّامُ لَامُ كَيْ.
وَقَوْلُهُ: الْمُخْلَصِينَ [١٢ ٢٤] قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، بِفَتْحِ اللَّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، بِكَسْرِ اللَّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ لُزُومُ الْحُكْمِ بِالْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَكَذِبِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي مَعْرِضِ تَسْلِيمِ الِاسْتِدْلَالِ بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ عَلَى بَرَاءَةِ يُوسُفَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَقٌّ وَصَوَابٌ ; لِأَنَّ كَوْنَ الْقَمِيصِ مَشْقُوقًا مِنْ جِهَةِ دُبُرِهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ هَارِبٌ عَنْهَا، وَهِيَ تَنُوشُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالْقَرِينَةِ مَا لَمْ تُعَارِضْهَا
— 215 —
قَرِينَةٌ أَقْوَى مِنْهَا، فَإِنْ عَارَضَتْهَا قَرِينَةٌ أَقْوَى مِنْهَا أَبْطَلَتْهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [١٢ ١٨] ; لِأَنَّ أَوْلَادَ يَعْقُوبَ لَمَّا جَعَلُوا يُوسُفَ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، جَعَلُوا عَلَى قَمِيصِهِ دَمَ سَخْلَةٍ ; لِيَكُونَ وُجُودُ الدَّمِ عَلَى قَمِيصِهِ قَرِينَةً عَلَى صِدْقِهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ أَكَلَهُ الذِّئْبُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّمَ قَرِينَةٌ عَلَى افْتِرَاسِ الذِّئْبِ لَهُ، وَلَكِنَّ يَعْقُوبَ أَبْطَلَ قَرِينَتَهُمْ هَذِهِ بِقَرِينَةٍ أَقْوَى مِنْهَا، وَهِيَ عَدَمُ شَقِّ الْقَمِيصِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا كَيِّسًا يَقْتُلُ يُوسُفَ وَلَا يَشُقُّ قَمِيصَهُ ; وَلِذَا صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [١٢ ١٨].
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ أَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْحُكْمِ بِالْقَرِينَةِ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا سَابِقًا، فَتَزُفُّهَا إِلَيْهِ وَلَائِدُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ أَنَّ هَذِهِ هِيَ فُلَانَةٌ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ، فَيَجُوزُ لَهُ جِمَاعُهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى عَيْنِهَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ النِّكَاحِ.
وَكَالرَّجُلِ يَنْزِلُ ضَيْفًا عِنْدَ قَوْمٍ، فَتَأْتِيهِ الْوَلِيدَةُ أَوِ الْغُلَامُ بِالطَّعَامِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى مَا يُثْبِتُ إِذْنَ مَالِكِ الطَّعَامِ لَهُ فِي الْأَكْلِ، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ.
وَكَقَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: إِنَّ مَنْ شُمَّ فِي فِيهِ رِيحُ الْخَمْرِ يُحَدُّ حَدَّ الشَّارِبِ، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ ; لِأَنَّ وُجُودَ رِيحِهَا فِي فِيهِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَكَمَسَائِلَ اللَّوْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ، وَأَوْضَحْنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ، أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا الثَّابِتَ بِشَرْعِنَا شَرْعٌ لَنَا، إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى النَّسْخِ غَايَةَ الْإِيضَاحِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ. [١٢ ١٨]
اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ، كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ.
وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. اهـ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ.
— 216 —
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّاهِدِ فِي قَوْلِهِ: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا [١٢ ٢٦].
فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ صَبِيٌّ فِي الْمَهْدِ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ رَجُلٌ ذُو لِحْيَةٍ، وَنَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ ابْنُ عَمٍّ لَهَا كَانَ حَكِيمًا، وَنَحْوَهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَعِكْرِمَةَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسِيٍّ، وَلَا جَانٍّ، هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُ مُجَاهِدٍ هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ أَهْلِهَا [١٢ ٢٦] ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنْسِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ: أَنَّهُ صَبِيٌّ، لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» اهـ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِذَا ضُمَّتْ لَهَا آيَةٌ أُخْرَى حَصَلَ بِذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ كَيْدَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ قَوْلُهُ: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [٤ ٧٦] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي النِّسَاءِ: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [١٢ ٢٨]، وَقَوْلَهُ فِي الشَّيْطَانِ: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [٤ ٧٦]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَيْدَهُنَّ أَعْظَمُ مِنْ كَيْدِهِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ مُقَاتِلٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ كَيْدَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ» ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، وَقَالَ: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ اهـ.
وَقَالَ الْأَدِيبُ الْحَسَنُ بْنُ آيَةٍ الْحَسَنِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ:
مَا اسْتَعْظَمَ الْإِلَهُ كَيْدَهُنَّهْ إِلَّا لِأَنَّهُنَّ هُنَّ هُنَّهْ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ثَنَاءَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ عَلَى يُوسُفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ، ثُمَّ بَيَّنَ اعْتِرَافَهُنَّ بِذَلِكَ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلِكِ لَهُنَّ أَمَامَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ الْآيَةَ [١٢ ٥١].
آية رقم ١٠٦
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمَرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذَا الَّذِي أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا أَيْضًا الْمُرَادَ بِمَكْرِهِمْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِي أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَيْهِ هُوَ جَعْلُهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، وَأَنَّ مَكْرَهُمْ هُوَ مَا فَعَلُوهُ بِأَبِيهِمْ يَعْقُوبَ وَأَخِيهِمْ يُوسُفَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [١٢ ١٨].
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْقُرْآنَ، وَفَصَّلَ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ، مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَدَى أَوْلَادِ يَعْقُوبَ حِينَ أَجْمَعُوا أَمَرَهُمْ عَلَى الْمَكْرِ بِهِ، وَجَعْلِهِ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ ذَلِكَ مَا عَرَفَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَالْآيَاتُ الْمُشِيرَةُ لِإِثْبَاتِ رِسَالَتِهِ، بِدَلِيلِ إِخْبَارِهِ بِالْقِصَصِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ عِلْمُ حَقَائِقِهَا إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ الْآيَةَ [٣ ٤٤].
وَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ الْآيَةَ [٢٨ ٤٤].
وَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [٢٨ ٤٥].
وَقَوْلِهِ: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ الْآيَةَ [٢٨ ٤٦].
وَقَوْلِهِ: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [٣٨ ٦٩، ٧٠].
وَقَوْلِهِ: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْآيَةَ [١١ ٤٩]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولٌ كَرِيمٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَةُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنَ الْحَصْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ، وَهُمُ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِتَوْحِيدِهِمْ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ.
فَالْمُرَادُ بِإِيمَانِهِمُ اعْتِرَافُهُمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمُ الَّذِي هُوَ خَالِقُهُمْ، وَمُدَبِّرُ شُئُونِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِشِرْكِهِمْ عِبَادَتُهُمْ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
— 218 —
[١٠ ٣١]، وَكَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [٤٣ ٨٧]، وَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [٤٣ ٩]، وَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [٢٩ ٦١]، وَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [٢٩ ٦٣]، وَقَوْلِهِ: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [٢٣ ٨٤ - ٨٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [٣٨ ٥].
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يُنْقِذُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ، أَيْ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [١٢ ١٠٦].
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِشْكَالٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ لِعَامِلِهَا وَصْفٌ لِصَاحِبِهَا، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ عَامِلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ الَّذِي هُوَ " يُؤْمِنُ " مُقَيَّدٌ بِهَا، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى تَقْيِيدُ إِيمَانِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِمَا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ مِنَ الْمُنَافَاةِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ أَرَ مَنْ شَفَى الْغَلِيلَ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ الْمُقَيَّدَ بِحَالِ الشِّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِيمَانٌ لُغَوِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ ; لِأَنَّ مَنْ يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ الْبَتَّةَ شَرْعًا.
أَمَّا الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ فَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ تَصْدِيقٍ، فَتَصْدِيقُ الْكَافِرِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ لُغَةً مَعَ كُفْرِهِ بِاللَّهِ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيمَانِ شَرْعًا.
وَإِذَا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ الْإِيمَانَ اللُّغَوِيَّ يُجَامِعُ الشِّرْكَ فَلَا إِشْكَالَ فِي تَقْيِيدِهِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ الْمَوْجُودُ دُونَ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [٤٩ ١٤]، فَهُوَ الْإِسْلَامُ اللُّغَوِيُّ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الشَّرْعِيَّ لَا يُوجَدُ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
— 219 —
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: " نَزَلَتْ آيَةُ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [١٢ ١٠٦]، فِي قَوْلِ الْكُفَّارِ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فِي أَخْبَارِ الْمُرْسَلِينَ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَكَيْفَ نَجَّى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلَكَ الْكَافِرِينَ - عِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، أَيْ عِظَةً لِأَهْلِ الْعُقُولِ.
وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ لُوطٍ: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [٣٧ ١٣٧]، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِرَارًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

8 مقطع من التفسير