تفسير سورة سورة الغاشية
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت 516 هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي -بيروت
الطبعة
الأولى
عدد الأجزاء
5
المحقق
عبد الرزاق المهدي
نبذة عن الكتاب
كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو من أجلّ الكتب وأنبلها حاوٍ للصحيح من الأقول، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والآثار الغالب عليها الصحة.
للبغوي (ت: 516)، وهو تفسير جليل عظيم القدر، ومؤلفه على مذهب أهل السنة والجماعة، وتفسيره هذا مختصر من(تفسير الثعلبي) ، حذف منه الأحاديث الموضوعة، ونقَّاه من البدع، يتميز بالآتي:
- أن تفسيره متوسط ليس بالطويل الممل، ولا بالمختصر المخل.
- سهولة ألفاظه، ووضوح عباراته.
- نقل ما جاء عن السَّلَف في التفسير، بدون أن يذكر السند، وذلك لأنه ذكر في مقدمة تفسيره إسناده إلى كل مَن يروي عنه.
- الإعراض عن المناكير، وما لا تعلق له بالتفسير، ويتعرض للقراءات، ولكن بدون إسراف منه في ذلك.
- ترك الاستطراد فيما لا صلة له بعلم التفسير.
ويؤخذ عليه أنه يشتمل على بعض الإسرائيليات، وينقل الخلاف عن السَّلَف في التفسير، ويذكر الروايات عنهم في ذلك بلا ترجيح، فالكتاب في الجملة جيِّد وأفضل من كثير من كتب التفسير، وهو متداوَل بين أهل العلم.
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «والبغوي تفسيرة مختصر من الثعالبي لكنه صان تفسيرة عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة» . وقد سئل رحمه الله عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري أم القرطبي أم البغوي، أم غير هؤلاء؟ فأجاب: «وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي» الفتاوى 13/386
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «والبغوي تفسيرة مختصر من الثعالبي لكنه صان تفسيرة عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة» . وقد سئل رحمه الله عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري أم القرطبي أم البغوي، أم غير هؤلاء؟ فأجاب: «وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي» الفتاوى 13/386
منهجه في تفسيره أنه يذكر اسم السورة، وعدد آياتها، وبيان مكِّيِّها ومدنيِّها، ثم يبين أسباب نزولها إن وجدت، ويذكر أسباب النزول للآيات أثناء التفسير.
ويعتمد في تفسيره على الكتاب، والمأثور من السنة النبوية، وأقوال الصحابة، والتابعين، مع عنايته بالقراءات واللغة والنحو بإيجاز، ويذكر فيه مسائل العقيدة والأحكام الفقهية بطريقة مختصرة.
وأفضل طبعة لهذا التفسير هي طبعة دار طيبة بالرياض.
ويعتمد في تفسيره على الكتاب، والمأثور من السنة النبوية، وأقوال الصحابة، والتابعين، مع عنايته بالقراءات واللغة والنحو بإيجاز، ويذكر فيه مسائل العقيدة والأحكام الفقهية بطريقة مختصرة.
وأفضل طبعة لهذا التفسير هي طبعة دار طيبة بالرياض.
وقد قام باختصاره الدكتور عبد الله بن أحمد بن علي الزيد وطبع بدار السلام بالرياض، وهو يتصرف فيه بالزيادة أحياناً للربط بين الكلام، وجعل ما أضافه بين قوسين، واستبعد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها، وإذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصر على ذكر حديث واحد منها، وقد يقتصر على موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود. وقام بتجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روي منها عن رسول الله أو أقرَّه. وعند تعدد ذكر الآثار يكتفي منها بما يكشف معنى الآية مع تخريج للأحاديث.
ﰡ
آية رقم ١
ﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
أَحْمَدَ [بْنِ مُحَمَّدِ [١]] بْنِ مَعْقِلٍ [٢] الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثنا سعيد بن كثير [بن عفير] [٣] ثنا يَحْيَى بْنُ أَيْوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرحمن عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الْوَتْرِ بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أَعُوَذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
مكية [وهي ست وعشرون آية] [٤]
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٦]
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١)، يَعْنِي قَدْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْقِيَامَةِ تَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ بِالْأَهْوَالِ.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خاشِعَةٌ، ذَلِيلَةٌ.
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الَّذِينَ عَمِلُوا وَنَصَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِثْلَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا فِي ضَلَالَةٍ، يَدْخُلُونَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَعْنَى النَّصَبِ الدَّأْبُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّعَبِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: عَامِلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي، نَاصِبَةٌ فِي الْآخِرَةِ فِي النَّارِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَامِلَةٌ فِي النَّارِ نَاصِبَةٌ فِيهَا.
قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا فَأَعْمَلَهَا وَأَنْصَبَهَا فِي النَّارِ بِمُعَالَجَةِ السَّلَاسِلِ، وَالْأَغْلَالِ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ: وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخُوضُ فِي النَّارِ كَمَا تخوض الإبل في الوحل، قال الكلبي: يجرون على وجوههم
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
مكية [وهي ست وعشرون آية] [٤]
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نَارًا حامِيَةً (٤)تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١)، يَعْنِي قَدْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْقِيَامَةِ تَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ بِالْأَهْوَالِ.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خاشِعَةٌ، ذَلِيلَةٌ.
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الَّذِينَ عَمِلُوا وَنَصَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِثْلَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا فِي ضَلَالَةٍ، يَدْخُلُونَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَعْنَى النَّصَبِ الدَّأْبُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّعَبِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: عَامِلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي، نَاصِبَةٌ فِي الْآخِرَةِ فِي النَّارِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَامِلَةٌ فِي النَّارِ نَاصِبَةٌ فِيهَا.
قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا فَأَعْمَلَهَا وَأَنْصَبَهَا فِي النَّارِ بِمُعَالَجَةِ السَّلَاسِلِ، وَالْأَغْلَالِ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ: وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَخُوضُ فِي النَّارِ كَمَا تخوض الإبل في الوحل، قال الكلبي: يجرون على وجوههم
- وورد بدون ذكر المعوذتين من حديث أبي بن كعب، أخرجه أبو داود ١٤٢٣ والنسائي ٣/ ٢٤٤ وابن ماجه ١١٧١ والحاكم ٢/ ٢٥٧ وإسناده حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
- ومن حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي ٤٦٢ وابن ماجه ١١٧٢ وإسناده على شرط الشيخين.
- الخلاصة: ذكر المعوذتين حسن، وأصل الحديث صحيح، وجعله الألباني في «صحيح ابن ماجه» ٩٦٣ من غير تفصيل؟!
(١) زيادة عن «شرح السنة».
(٢) تصحف في المطبوع «مغفل». [.....]
(٣) زيادة عن «شرح السنة».
(٤) زيد في المطبوع.
- ومن حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي ٤٦٢ وابن ماجه ١١٧٢ وإسناده على شرط الشيخين.
- الخلاصة: ذكر المعوذتين حسن، وأصل الحديث صحيح، وجعله الألباني في «صحيح ابن ماجه» ٩٦٣ من غير تفصيل؟!
(١) زيادة عن «شرح السنة».
(٢) تصحف في المطبوع «مغفل». [.....]
(٣) زيادة عن «شرح السنة».
(٤) زيد في المطبوع.
آية رقم ٧
ﮙﮚﮛﮜﮝﮞ
ﮟ
فِي النَّارِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُكَلَّفُونَ ارْتِقَاءَ جَبَلٍ مِنْ حَدِيدٍ فِي النَّارِ وَالْكَلَامُ خَرَجَ عَلَى الْوُجُوهِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا أَصْحَابُهَا.
تَصْلى نَارًا، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ تَصْلى بِضَمِّ التَّاءِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)، وَقَرَأَ الآخرون بفتح التاء، حامِيَةً، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهِيَ تَتَلَظَّى عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ.
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)، مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْحَرَارَةِ قَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهَا جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إِلَيْهَا وِرْدًا عِطَاشًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَوْ وَقَعَتْ مِنْهَا قَطْرَةٌ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ، هَذَا شَرَابُهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ طَعَامَهُمْ.
فَقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُوَ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لَاطِئٍ بِالْأَرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشَّبْرَقَ فَإِذَا هَاجَ سُمَّوْهَا الضَّرِيعَ، وَهُوَ أَخْبَثُ طَعَامٍ وَأَبْشَعُهُ. وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ إِذَا يَبِسَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الضَّرِيعَ الشَّوْكُ الْيَابِسُ الَّذِي يَبِسَ لَهُ وَرَقٌ، وَهُوَ فِي الآخرة شوك من نار، جاء فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الضريع شيء في النار يشبه الشَّوْكِ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتُنُّ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النار، قال أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْسِلُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعَ حَتَّى يَعْدِلَ عِنْدَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِالضَّرِيعِ، ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ فَيَسْتَسْقُونَ فَيُعْطِشُهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُسْقُونَ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ شَرْبَةً لَا هَنِيئَةَ وَلَا مَرِيئَةَ، كلما أَدْنَوْهُ مِنْ وُجُوهِهِمْ، سَلَخَ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ وَشَوَاهَا فَإِذَا وَصَلَ إِلَى بطونهم قطعها فذلك قوله وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ١٥].
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ إِبِلَنَا لَتَسْمَنُ عَلَى الضَّرِيعِ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِبِلَ إِنَّمَا تَرْعَاهُ ما دام رطبا تسمى شَبْرَقًا فَإِذَا يَبِسَ لَا يَأْكُلُهُ شيء.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٧ الى ١٧]
لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)
فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧).
ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨)، قَالَ مُقَاتِلٌ فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ.
لِسَعْيِها، فِي الدُّنْيَا، راضِيَةٌ، فِي الْآخِرَةِ حِينَ أُعْطِيَتِ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهَا.
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١). لغوا وباطلا قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ لَا يُسْمَعُ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا، لاغِيَةً رَفْعٌ، وقرأ نافع بالتاء وضمها لاغِيَةً رفع، وقر الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتَحِهَا لاغِيَةً بِالنَّصْبِ عَلَى الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ مَا لَمْ يَجِيءْ أَهْلُهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا ثُمَّ تَرْتَفِعُ إِلَى مَوَاضِعِهَا.
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)، عِنْدَهُمْ جَمْعُ كُوبٍ، وَهُوَ الْإِبْرِيقُ الَّذِي لَا عُرْوَةَ لَهُ.
وَنَمارِقُ، وَسَائِدُ وَمَرَافِقُ، مَصْفُوفَةٌ، بَعْضُهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ وَاحِدَتُهَا نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ.
تَصْلى نَارًا، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ تَصْلى بِضَمِّ التَّاءِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)، وَقَرَأَ الآخرون بفتح التاء، حامِيَةً، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهِيَ تَتَلَظَّى عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ.
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)، مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْحَرَارَةِ قَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهَا جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إِلَيْهَا وِرْدًا عِطَاشًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَوْ وَقَعَتْ مِنْهَا قَطْرَةٌ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ، هَذَا شَرَابُهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ طَعَامَهُمْ.
فَقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُوَ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لَاطِئٍ بِالْأَرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشَّبْرَقَ فَإِذَا هَاجَ سُمَّوْهَا الضَّرِيعَ، وَهُوَ أَخْبَثُ طَعَامٍ وَأَبْشَعُهُ. وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ إِذَا يَبِسَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الضَّرِيعَ الشَّوْكُ الْيَابِسُ الَّذِي يَبِسَ لَهُ وَرَقٌ، وَهُوَ فِي الآخرة شوك من نار، جاء فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الضريع شيء في النار يشبه الشَّوْكِ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتُنُّ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النار، قال أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْسِلُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعَ حَتَّى يَعْدِلَ عِنْدَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِالضَّرِيعِ، ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ فَيَسْتَسْقُونَ فَيُعْطِشُهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُسْقُونَ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ شَرْبَةً لَا هَنِيئَةَ وَلَا مَرِيئَةَ، كلما أَدْنَوْهُ مِنْ وُجُوهِهِمْ، سَلَخَ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ وَشَوَاهَا فَإِذَا وَصَلَ إِلَى بطونهم قطعها فذلك قوله وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ١٥].
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ إِبِلَنَا لَتَسْمَنُ عَلَى الضَّرِيعِ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِبِلَ إِنَّمَا تَرْعَاهُ ما دام رطبا تسمى شَبْرَقًا فَإِذَا يَبِسَ لَا يَأْكُلُهُ شيء.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٧ الى ١٧]
لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)
فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧).
ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨)، قَالَ مُقَاتِلٌ فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ.
لِسَعْيِها، فِي الدُّنْيَا، راضِيَةٌ، فِي الْآخِرَةِ حِينَ أُعْطِيَتِ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهَا.
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١). لغوا وباطلا قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ لَا يُسْمَعُ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا، لاغِيَةً رَفْعٌ، وقرأ نافع بالتاء وضمها لاغِيَةً رفع، وقر الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتَحِهَا لاغِيَةً بِالنَّصْبِ عَلَى الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ مَا لَمْ يَجِيءْ أَهْلُهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا ثُمَّ تَرْتَفِعُ إِلَى مَوَاضِعِهَا.
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)، عِنْدَهُمْ جَمْعُ كُوبٍ، وَهُوَ الْإِبْرِيقُ الَّذِي لَا عُرْوَةَ لَهُ.
وَنَمارِقُ، وَسَائِدُ وَمَرَافِقُ، مَصْفُوفَةٌ، بَعْضُهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ وَاحِدَتُهَا نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ.
آية رقم ١٨
ﯩﯪﯫﯬ
ﯭ
وَزَرابِيُّ، يَعْنِي الْبُسُطَ الْعَرِيضَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الطَّنَافِسُ الَّتِي لها حمل وَاحِدَتُهَا زَرْبِيَّةٌ مَبْثُوثَةٌ، مَبْسُوطَةٌ، وَقِيلَ: مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْمَجَالِسِ.
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧).
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا فِي الْجَنَّةِ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أهل الكفر وكذبوه، فذكر لهم اللَّهُ تَعَالَى صُنْعَهُ فَقَالَ: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)، وكانت الإبل من أعظم عَيْشِ [١] الْعَرَبِ، لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كثيرة فكما [٢] صَنَعَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَنَعَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا مَا صَنَعَ وَتَكَلَّمَتِ الْحُكَمَاءُ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِ الْإِبِلِ مِنْ بَيْنٍ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
فَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، ولم يشاهدوا الْفِيلَ إِلَّا الشَّاذُّ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّهَا تَنْهَضُ بِحِمْلِهَا وَهِيَ بَارِكَةٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفَاعَ سُرُرِ الْجَنَّةِ وَفُرُشِهَا، فَقَالُوا: كيف نصعدها فأنزل الله هَذِهِ الْآيَةَ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَقِيلَ لَهُ: الْفِيلُ أَعْظَمُ فِي الْأُعْجُوبَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْفِيلُ فَالْعَرَبُ بَعِيدَةُ الْعَهْدِ بِهَا، ثُمَّ هُوَ لَا خَيْرَ فِيهِ لَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَلَا يُحْلَبُ دَرُّهَا، وَالْإِبِلُ من أعز مال للعرب وأنفسه تَأْكُلُ النَّوَى وَالْقَتَّ [٣] وَتُخْرِجُ اللَّبَنَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مَعَ عِظَمِهَا تَلِينُ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ. حَتَّى إِنَّ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ يَأْخُذُ بِزِمَامِهَا فَيَذْهَبُ بِهَا حَيْثُ شَاءَ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بنا إلى الكناسة [٤] [٥] حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خلقت.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٨ الى ٢٦]
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)
إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)، عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَنَالَهَا شَيْءٌ يغير عَمْدٍ.
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)، عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُرْسَاةً لَا تَزُولُ.
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)، بُسِطَتْ، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الْإِبِلِ أَوْ يَرْفَعَ مِثْلَ السَّمَاءِ أَوْ يَنْصِبَ مِثْلَ الْجِبَالِ أَوْ يَسْطَحَ مِثْلَ الْأَرْضِ غيري؟
فَذَكِّرْ أَيْ عِظْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)، بِمُسَلَّطٍ فَتَقْتُلَهُمْ وَتُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى، اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ مَعْنَاهُ لَكِنَّ مَنْ تَوَلَّى، وَكَفَرَ، بَعْدَ التَّذْكِيرِ.
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ وَإِنَّمَا قَالَ الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ.
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥)، رُجُوعَهُمْ بَعْدَ الموت، يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا، وقرأ أبو جعفر
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧).
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا فِي الْجَنَّةِ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أهل الكفر وكذبوه، فذكر لهم اللَّهُ تَعَالَى صُنْعَهُ فَقَالَ: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)، وكانت الإبل من أعظم عَيْشِ [١] الْعَرَبِ، لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كثيرة فكما [٢] صَنَعَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَنَعَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا مَا صَنَعَ وَتَكَلَّمَتِ الْحُكَمَاءُ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِ الْإِبِلِ مِنْ بَيْنٍ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
فَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، ولم يشاهدوا الْفِيلَ إِلَّا الشَّاذُّ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّهَا تَنْهَضُ بِحِمْلِهَا وَهِيَ بَارِكَةٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفَاعَ سُرُرِ الْجَنَّةِ وَفُرُشِهَا، فَقَالُوا: كيف نصعدها فأنزل الله هَذِهِ الْآيَةَ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَقِيلَ لَهُ: الْفِيلُ أَعْظَمُ فِي الْأُعْجُوبَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْفِيلُ فَالْعَرَبُ بَعِيدَةُ الْعَهْدِ بِهَا، ثُمَّ هُوَ لَا خَيْرَ فِيهِ لَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَلَا يُحْلَبُ دَرُّهَا، وَالْإِبِلُ من أعز مال للعرب وأنفسه تَأْكُلُ النَّوَى وَالْقَتَّ [٣] وَتُخْرِجُ اللَّبَنَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مَعَ عِظَمِهَا تَلِينُ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ. حَتَّى إِنَّ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ يَأْخُذُ بِزِمَامِهَا فَيَذْهَبُ بِهَا حَيْثُ شَاءَ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بنا إلى الكناسة [٤] [٥] حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خلقت.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٨ الى ٢٦]
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)
إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)، عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَنَالَهَا شَيْءٌ يغير عَمْدٍ.
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)، عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُرْسَاةً لَا تَزُولُ.
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)، بُسِطَتْ، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الْإِبِلِ أَوْ يَرْفَعَ مِثْلَ السَّمَاءِ أَوْ يَنْصِبَ مِثْلَ الْجِبَالِ أَوْ يَسْطَحَ مِثْلَ الْأَرْضِ غيري؟
فَذَكِّرْ أَيْ عِظْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)، بِمُسَلَّطٍ فَتَقْتُلَهُمْ وَتُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى، اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ مَعْنَاهُ لَكِنَّ مَنْ تَوَلَّى، وَكَفَرَ، بَعْدَ التَّذْكِيرِ.
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ وَإِنَّمَا قَالَ الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ.
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥)، رُجُوعَهُمْ بَعْدَ الموت، يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا، وقرأ أبو جعفر
(١) في المطبوع «أعظم عيسى» والمثبت عن المخطوط، ويدل عليه سياق الطبري والواحدي.
(٢) في المخطوط «فلما».
(٣) تصحف في المخطوط «القب».
(٤) في المخطوط «الكنانية» والمثبت عن المطبوع و «الوسيط» ٤/ ٤٧٦.
(٥) تصحف في المطبوع وط «فعل» والمثبت عن المخطوط، و «معاني القرآن» ٥/ ٣١٩ للزجاج، و «الوسيط».
(٢) في المخطوط «فلما».
(٣) تصحف في المخطوط «القب».
(٤) في المخطوط «الكنانية» والمثبت عن المطبوع و «الوسيط» ٤/ ٤٧٦.
(٥) تصحف في المطبوع وط «فعل» والمثبت عن المخطوط، و «معاني القرآن» ٥/ ٣١٩ للزجاج، و «الوسيط».
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
3 مقطع من التفسير