تفسير سورة سورة التكوير
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي (ت 606 هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة
الثالثة
مقدمة التفسير
سورة التكوير
ﰡ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سورة التكويرعشرون وتسع آيات مكية
[سورة التكوير (٨١) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا، وَقَالَ: إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَهُنَالِكَ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التَّكْوِيرِ: ١٤] فَالْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَفِي التَّكْوِيرِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: التَّلْفِيفُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِدَارَةِ كَتَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ،
وَفِي الْحَدِيثِ «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ»
أَيْ مِنَ التَّشَتُّتِ بَعْدَ الْأُلْفَةِ وَالطَّيُّ وَاللَّفُّ، وَالْكَوْرُ وَالتَّكْوِيرُ وَاحِدٌ، وَسُمِّيَتْ كَارَةُ الْقَصَّارِ كَارَةً لِأَنَّهُ يَجْمَعُ ثِيَابَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُلَفُّ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَفِيًا عَنِ الْأَعْيُنِ، فَعَبَّرَ عَنْ إِزَالَةِ النُّورِ عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ وَتَصْيِيرهَا غَائِبَةً عَنِ الْأَعْيُنِ بِالتَّكْوِيرِ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: كُوِّرَتْ أَيْ طُمِسَتْ، وَقَالَ آخَرُونَ: انْكَسَفَتْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مُحِيَ ضَوْؤُهَا وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: كُوِّرَتْ أَيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، كَأَنَّهَا اسْتَتَرَتْ فِي كَارَةٍ الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّكْوِيرِ يُقَالُ: كَوَّرْتُ الْحَائِطَ وَدَهْوَرْتُهُ إِذَا طَرَحْتَهُ حَتَّى يَسْقُطَ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ إِذَا صَرَعَهُ، فَقَوْلُهُ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أَيْ أُلْقِيَتْ وَرُمِيَتْ عَنِ الْفَلَكِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْأَعْمَى كُورٌ، وَهَاهُنَا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوِ الْفَاعِلِيَّةِ الْجَوَابُ: بَلْ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ رَافِعُهَا فِعْلٌ مُضْمَرٌ، يُفَسِّرُهُ كُوِّرَتْ لِأَنَّ إِذَا، يُطْلَبُ الْفِعْلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي:
رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ جَلَسَ بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يوم القيامة، فقال الْحَسَنُ، وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ قَالَ: إِنِّي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ» فَسَكَتَ الْحَسَنُ،
وَالْجَوَابُ: أَنَّ سُؤَالَ الْحَسَنِ سَاقِطٌ، لِأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ جَمَادَانِ فَإِلْقَاؤُهُمَا فِي النَّارِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَضَرَّتِهِمَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ سَبَبًا لِازْدِيَادِ الْحَرِّ فِي جَهَنَّمَ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ «١» / الثاني: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢]
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)
أَيْ تَنَاثَرَتْ وَتَسَاقَطَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [الِانْفِطَارِ: ٢] وَالْأَصْلُ فِي الِانْكِدَارِ الِانْصِبَابُ، قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ انْكَدَرَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمُ إِذَا جَاءُوا أَرْسَالًا فَانْصَبُّوا عَلَيْهِمْ، قال الكلبي: تمطر السماء
(١) لعل الصواب: فيكون هذا الخبر على خلاف العقل. [.....]
يَوْمَئِذٍ نُجُومًا فَلَا يَبْقَى نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ عَطَاءٌ: وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِسَلَاسِلَ مِنَ النُّورِ، وَتِلْكَ السَّلَاسِلُ فِي أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تَسَاقَطَتْ تِلْكَ السَّلَاسِلُ مِنْ أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ. الثالث: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٣]
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣)
أَيْ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [النَّبَإِ: ٢٠] أَوْ فِي الْهَوَاءِ كَقَوْلِهِ: تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النَّمْلِ: ٨٨]. الرابع: قوله:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٤]
وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
فِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: المشهور أن الْعِشارُ جميع عُشَرَاءَ كَالنِّفَاسِ فِي جَمْعِ نُفَسَاءَ، وَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هُوَ اسْمُهَا إِلَى أَنْ تَضَعَ لِتَمَامِ السَّنَّةِ، وَهِيَ أَنْفَسُ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَعَزُّهَا عَلَيْهِمْ، وعُطِّلَتْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْمَلَهَا أَهْلُهَا لِمَا جَاءَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى الْعَرَبِ مِنَ النُّوقِ الْحَوَامِلِ، وَخُوطِبَ الْعَرَبُ بِأَمْرِ الْعِشَارِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَالِهَا وَعَيْشِهَا مِنَ الْإِبِلِ. وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ذَهَابُ الْأَمْوَالِ وَبُطْلَانُ الْأَمْلَاكِ، وَاشْتِغَالُ النَّاسِ بِأَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاءِ: ٨٨، ٨٩] وَقَالَ: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْأَنْعَامِ: ٩٤].
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِشَارَ كِنَايَةٌ عَنِ السَّحَابِ تَعَطَّلَتْ عَمَّا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَجَازًا إِلَّا أَنَّهُ أَشْبَهُ بِسَائِرِ مَا قَبْلَهُ، وَأَيْضًا فَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحَابَ بِالْحَامِلِ، قَالَ تَعَالَى: فَالْحامِلاتِ وِقْراً [الذَّارِيَاتِ: ٢].
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٥]
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)
كُلُّ شَيْءٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ مِمَّا لَا يُسْتَأْنَسُ فَهُوَ وَحْشٌ، وَالْجَمْعُ الوحوش، وحُشِرَتْ جُمِعَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الذُّبَابُ لِلْقَصَّاصِ، قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْحَيَوَانَاتِ كُلَّهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيُعَوِّضَهَا عَلَى آلَامِهَا الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا عُوِّضَتْ عَلَى تِلْكَ الْآلَامِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُبْقِيَ بَعْضَهَا فِي الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْنِيَهُ أَفْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَحْشُرُ الْوُحُوشَ كُلَّهَا فَيَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا مُوتِي فَتَمُوتُ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ هَاهُنَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا: / أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ [يَوْمُ الْقِيَامَةِ] يَحْشُرُ كُلَّ الْحَيَوَانَاتِ إِظْهَارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ لَا يَحْشُرَ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِهَا عَنِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَتَبَدُّدِهَا فِي الصَّحَارِي، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَهَا إِلَى النَّاسِ لَيْسَ إِلَّا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْضُهَا غِذَاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إِنَّهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَجْتَمِعُ وَلَا يَتَعَرَّضُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ: لِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَنَّ حَشْرَ الْوُحُوشِ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِهَا، يُقَالُ- إِذَا أَجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ-
[سورة التكوير (٨١) : آية ٣]
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣)
أَيْ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [النَّبَإِ: ٢٠] أَوْ فِي الْهَوَاءِ كَقَوْلِهِ: تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النَّمْلِ: ٨٨]. الرابع: قوله:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٤]
وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
فِيهِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: المشهور أن الْعِشارُ جميع عُشَرَاءَ كَالنِّفَاسِ فِي جَمْعِ نُفَسَاءَ، وَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هُوَ اسْمُهَا إِلَى أَنْ تَضَعَ لِتَمَامِ السَّنَّةِ، وَهِيَ أَنْفَسُ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَعَزُّهَا عَلَيْهِمْ، وعُطِّلَتْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْمَلَهَا أَهْلُهَا لِمَا جَاءَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى الْعَرَبِ مِنَ النُّوقِ الْحَوَامِلِ، وَخُوطِبَ الْعَرَبُ بِأَمْرِ الْعِشَارِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَالِهَا وَعَيْشِهَا مِنَ الْإِبِلِ. وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ذَهَابُ الْأَمْوَالِ وَبُطْلَانُ الْأَمْلَاكِ، وَاشْتِغَالُ النَّاسِ بِأَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاءِ: ٨٨، ٨٩] وَقَالَ: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْأَنْعَامِ: ٩٤].
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِشَارَ كِنَايَةٌ عَنِ السَّحَابِ تَعَطَّلَتْ عَمَّا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَجَازًا إِلَّا أَنَّهُ أَشْبَهُ بِسَائِرِ مَا قَبْلَهُ، وَأَيْضًا فَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ السَّحَابَ بِالْحَامِلِ، قَالَ تَعَالَى: فَالْحامِلاتِ وِقْراً [الذَّارِيَاتِ: ٢].
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٥]
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)
كُلُّ شَيْءٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ مِمَّا لَا يُسْتَأْنَسُ فَهُوَ وَحْشٌ، وَالْجَمْعُ الوحوش، وحُشِرَتْ جُمِعَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الذُّبَابُ لِلْقَصَّاصِ، قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْحَيَوَانَاتِ كُلَّهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيُعَوِّضَهَا عَلَى آلَامِهَا الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا عُوِّضَتْ عَلَى تِلْكَ الْآلَامِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُبْقِيَ بَعْضَهَا فِي الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْنِيَهُ أَفْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَحْشُرُ الْوُحُوشَ كُلَّهَا فَيَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا مُوتِي فَتَمُوتُ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ هَاهُنَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا: / أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ [يَوْمُ الْقِيَامَةِ] يَحْشُرُ كُلَّ الْحَيَوَانَاتِ إِظْهَارًا لِلْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ لَا يَحْشُرَ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ مَعَ شِدَّةِ نَفْرَتِهَا عَنِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَتَبَدُّدِهَا فِي الصَّحَارِي، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَهَا إِلَى النَّاسِ لَيْسَ إِلَّا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْضُهَا غِذَاءٌ لِلْبَعْضِ، ثُمَّ إِنَّهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَجْتَمِعُ وَلَا يَتَعَرَّضُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ: لِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَنَّ حَشْرَ الْوُحُوشِ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِهَا، يُقَالُ- إِذَا أَجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ-
حشرتهم السنة، وقرئ حشرت بالتشديد. السادس: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٦]
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)
قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَصْلَ الْكَلِمَةِ مِنْ سَجَرْتُ التَّنُّورَ إِذَا أَوْقَدْتَهَا، وَالشَّيْءُ إِذَا وُقِدَ فِيهِ نَشَفَ مَا فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فِي الْبِحَارِ شَيْءٌ مِنَ الْمِيَاهِ الْبَتَّةَ، ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ قَدْ سُيِّرَتْ عَلَى مَا قال: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ [النبأ: ٢٠] وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْبِحَارُ وَالْأَرْضُ شَيْئًا وَاحِدًا فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَمَّا نَشَفَتْ مِيَاهُ الْبِحَارِ رَبَتْ فَارْتَفَعَتْ فَاسْتَوَتْ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْجِبَالَ لَمَّا انْدَكَّتْ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا وَصَارَتْ كَالتُّرَابِ وَقَعَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي أَسْفَلِ الْجِبَالِ، فَصَارَ وَجْهُ الْأَرْضِ مُسْتَوِيًا مَعَ الْبِحَارِ، وَيَصِيرُ الْكُلُّ بَحْرًا مَسْجُورًا وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ سُجِّرَتْ بِمَعْنَى فُجِّرَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْنَ الْبِحَارِ حَاجِزًا عَلَى مَا قَالَ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيانِ [الرَّحْمَنِ: ١٩، ٢٠] فَإِذَا رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحَاجِزَ فَاضَ الْبَعْضُ فِي الْبَعْضِ، وَصَارَتِ الْبِحَارُ بَحْرًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ: وَثَالِثُهَا: سُجِّرَتْ أُوقِدَتْ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ فِي قُعُورِ الْبِحَارِ، فَهِيَ الْآنَ غَيْرُ مَسْجُورَةٍ لِقِيَامِ الدُّنْيَا، فَإِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ الدُّنْيَا أَوْصَلَ اللَّهُ تَأْثِيرَ تِلْكَ النِّيرَانِ إِلَى الْبِحَارِ، فَصَارَتْ بِالْكُلِّيَّةِ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْقِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ فِي الْبِحَارِ، فَتَصِيرُ الْبِحَارُ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْبِحَارِ نِيرَانًا عَظِيمَةً حَتَّى تَتَسَخَّنَ تِلْكَ الْمِيَاهُ، وَأَقُولُ هَذِهِ الْوُجُوهُ مُتَكَلَّفَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَخْرِيبِ الدُّنْيَا وَإِقَامَةِ الْقِيَامَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِالْبِحَارِ مَا شَاءَ مِنْ تَسْخِينٍ، وَمِنْ قَلْبِ مِيَاهِهَا نِيرَانًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى أن يلقى فيها الشمس والقمر، أو يَكُونَ تَحْتَهَا نَارُ جَهَنَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ السِّتَّ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي أَوَّلِ زَمَانِ تَخْرِيبِ الدُّنْيَا، وَيُمْكِنُ وُقُوعُهَا أَيْضًا بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، أَمَّا السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بالقيامة. / السابع: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٧]
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)
وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: قُرِنَتِ الْأَرْوَاحُ بِالْأَجْسَادِ وَثَانِيهَا: قَالَ الْحَسَنُ: يَصِيرُونَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَزْوَاجٍ كَمَا قَالَ:
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الْوَاقِعَةِ: ٧، ١٠] وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُضَمُّ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ مَنْ كَانَ فِي طَبَقَتِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَيُضَمُّ الْمُبْرَزُ فِي الطَّاعَاتِ إِلَى مِثْلِهِ، وَالْمُتَوَسِّطُ إِلَى مِثْلِهِ وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مِثْلِهِ، فَالتَّزْوِيجُ أَنْ يُقْرَنَ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يُضَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَبَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَرَابِعُهَا: يُضَمُّ كُلُّ رَجُلٍ إِلَى مَنْ كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ مَلِكٍ وَسُلْطَانٍ كَمَا قَالَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] قِيلَ فَزِدْنَاهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَخَامِسُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ وَسَادِسُهَا:
قُرِنَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ الْيَهُودِيُّ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَسَابِعُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ: قُرِنَتِ النُّفُوسُ بِأَعْمَالِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَمْكَنَكَ أَنْ تَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شئت.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٦]
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)
قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَصْلَ الْكَلِمَةِ مِنْ سَجَرْتُ التَّنُّورَ إِذَا أَوْقَدْتَهَا، وَالشَّيْءُ إِذَا وُقِدَ فِيهِ نَشَفَ مَا فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فِي الْبِحَارِ شَيْءٌ مِنَ الْمِيَاهِ الْبَتَّةَ، ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ قَدْ سُيِّرَتْ عَلَى مَا قال: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ [النبأ: ٢٠] وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْبِحَارُ وَالْأَرْضُ شَيْئًا وَاحِدًا فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَمَّا نَشَفَتْ مِيَاهُ الْبِحَارِ رَبَتْ فَارْتَفَعَتْ فَاسْتَوَتْ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْجِبَالَ لَمَّا انْدَكَّتْ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا وَصَارَتْ كَالتُّرَابِ وَقَعَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي أَسْفَلِ الْجِبَالِ، فَصَارَ وَجْهُ الْأَرْضِ مُسْتَوِيًا مَعَ الْبِحَارِ، وَيَصِيرُ الْكُلُّ بَحْرًا مَسْجُورًا وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ سُجِّرَتْ بِمَعْنَى فُجِّرَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْنَ الْبِحَارِ حَاجِزًا عَلَى مَا قَالَ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيانِ [الرَّحْمَنِ: ١٩، ٢٠] فَإِذَا رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحَاجِزَ فَاضَ الْبَعْضُ فِي الْبَعْضِ، وَصَارَتِ الْبِحَارُ بَحْرًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ: وَثَالِثُهَا: سُجِّرَتْ أُوقِدَتْ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ فِي قُعُورِ الْبِحَارِ، فَهِيَ الْآنَ غَيْرُ مَسْجُورَةٍ لِقِيَامِ الدُّنْيَا، فَإِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ الدُّنْيَا أَوْصَلَ اللَّهُ تَأْثِيرَ تِلْكَ النِّيرَانِ إِلَى الْبِحَارِ، فَصَارَتْ بِالْكُلِّيَّةِ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْقِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ فِي الْبِحَارِ، فَتَصِيرُ الْبِحَارُ مَسْجُورَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْبِحَارِ نِيرَانًا عَظِيمَةً حَتَّى تَتَسَخَّنَ تِلْكَ الْمِيَاهُ، وَأَقُولُ هَذِهِ الْوُجُوهُ مُتَكَلَّفَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَخْرِيبِ الدُّنْيَا وَإِقَامَةِ الْقِيَامَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِالْبِحَارِ مَا شَاءَ مِنْ تَسْخِينٍ، وَمِنْ قَلْبِ مِيَاهِهَا نِيرَانًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى أن يلقى فيها الشمس والقمر، أو يَكُونَ تَحْتَهَا نَارُ جَهَنَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ السِّتَّ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي أَوَّلِ زَمَانِ تَخْرِيبِ الدُّنْيَا، وَيُمْكِنُ وُقُوعُهَا أَيْضًا بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، أَمَّا السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بالقيامة. / السابع: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٧]
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)
وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: قُرِنَتِ الْأَرْوَاحُ بِالْأَجْسَادِ وَثَانِيهَا: قَالَ الْحَسَنُ: يَصِيرُونَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَزْوَاجٍ كَمَا قَالَ:
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الْوَاقِعَةِ: ٧، ١٠] وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُضَمُّ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ مَنْ كَانَ فِي طَبَقَتِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَيُضَمُّ الْمُبْرَزُ فِي الطَّاعَاتِ إِلَى مِثْلِهِ، وَالْمُتَوَسِّطُ إِلَى مِثْلِهِ وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مِثْلِهِ، فَالتَّزْوِيجُ أَنْ يُقْرَنَ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يُضَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَبَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَرَابِعُهَا: يُضَمُّ كُلُّ رَجُلٍ إِلَى مَنْ كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ مَلِكٍ وَسُلْطَانٍ كَمَا قَالَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] قِيلَ فَزِدْنَاهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَخَامِسُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ وَسَادِسُهَا:
قُرِنَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ الْيَهُودِيُّ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَسَابِعُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ: قُرِنَتِ النُّفُوسُ بِأَعْمَالِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَمْكَنَكَ أَنْ تَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شئت.
الثامن: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَأَدَ يَئِدُ مَقْلُوبٌ مِنْ آدَ يَئُودُ أودا ثقل قال تعالى: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] أَيْ يُثْقِلُهُ لِأَنَّهُ إِثْقَالٌ بِالتُّرَابِ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأَرَادَ بَقَاءَ حَيَاتِهَا أَلْبَسَهَا جُبَّةً مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ لِتَرْعَى لَهُ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فِي الْبَادِيَةِ، وَإِنْ أَرَادَ قَتْلَهَا تَرَكَهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ قَامَتُهَا سِتَّةَ أَشْبَارٍ فَيَقُولُ لِأُمِّهَا طَيِّبِيهَا وَزَيِّنِيهَا حَتَّى أَذْهَبَ بِهَا إِلَى أَقَارِبِهَا وَقَدْ حَفَرَ لَهَا بِئْرًا فِي الصَّحْرَاءِ فَيَبْلُغُ بِهَا إِلَى الْبِئْرِ فَيَقُولُ لَهَا انْظُرِي فِيهَا ثُمَّ يَدْفَعُهَا مِنْ خَلْفِهَا وَيُهِيلُ عَلَيْهَا التُّرَابَ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْبِئْرُ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: كَانَتِ الْحَامِلُ إِذَا قَرَّبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلَى رَأْسِ الْحُفْرَةِ فَإِذَا ولدت بنت رَمَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَإِذَا وَلَدَتِ ابْنًا أَمْسَكَتْهُ، وَهَاهُنَا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى وَأْدِ الْبَنَاتِ؟ الْجَوَابُ: الْخَوْفُ مِنْ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِمْ مِنْ أَجْلِهِمْ أَوِ الْخَوْفُ مِنَ الْإِمْلَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الْإِسْرَاءِ: ٣١] وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَأَلْحَقُوا الْبَنَاتَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الْوَأْدَ فَافْتَخَرَ الْفَرَزْدَقُ بِهِ فِي قَوْلِهِ:
السُّؤَالُ الثَّانِي: فَمَا معنى سؤال الموؤدة عَنْ ذَنْبِهَا الَّذِي قُتِلَتْ بِهِ، وَهَلَّا سُئِلَ الْوَائِدُ عَنْ مُوجِبِ قَتْلِهِ لَهَا؟
الْجَوَابُ: سُؤَالُهَا وَجَوَابُهَا تَبْكِيتٌ لِقَاتِلِهَا، وَهُوَ كَتَبْكِيتِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِ/ لِعِيسَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [الْمَائِدَةِ: ١١٦].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُرِئَ سَأَلَتْ، أَيْ خَاصَمَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَتِ اللَّهَ أَوْ قَاتِلَهَا، وَقُرِئَ قُتِّلَتْ بِالتَّشْدِيدِ، فَإِنْ قِيلَ: اللَّفْظُ الْمُطَابِقُ أَنْ يُقَالَ: سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَمَنْ قَرَأَ سَأَلَتْ فَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقْرَأَ: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فَمَا الْوَجْهُ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَإِذَا الموؤودة سُئِلَتْ [أَيْ سُئِلَ] الْوَائِدُونَ عَنْ أَحْوَالِهَا بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِلَفْظِ الْمُغَايَبَةِ، كَمَا إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ زَيْدًا عَنْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، فَتَقُولُ: مَاذَا فَعَلَ زَيْدٌ في ذلك المعنى؟ ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول عنه، فكذا هاهنا. التاسع: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٠]
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)
قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الْأَعْمَالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إِذَا حُوسِبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أَصْحَابِهَا، أَيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهُمْ. الْعَاشِرُ: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١١]
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١)
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَأَدَ يَئِدُ مَقْلُوبٌ مِنْ آدَ يَئُودُ أودا ثقل قال تعالى: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] أَيْ يُثْقِلُهُ لِأَنَّهُ إِثْقَالٌ بِالتُّرَابِ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأَرَادَ بَقَاءَ حَيَاتِهَا أَلْبَسَهَا جُبَّةً مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ لِتَرْعَى لَهُ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فِي الْبَادِيَةِ، وَإِنْ أَرَادَ قَتْلَهَا تَرَكَهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ قَامَتُهَا سِتَّةَ أَشْبَارٍ فَيَقُولُ لِأُمِّهَا طَيِّبِيهَا وَزَيِّنِيهَا حَتَّى أَذْهَبَ بِهَا إِلَى أَقَارِبِهَا وَقَدْ حَفَرَ لَهَا بِئْرًا فِي الصَّحْرَاءِ فَيَبْلُغُ بِهَا إِلَى الْبِئْرِ فَيَقُولُ لَهَا انْظُرِي فِيهَا ثُمَّ يَدْفَعُهَا مِنْ خَلْفِهَا وَيُهِيلُ عَلَيْهَا التُّرَابَ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْبِئْرُ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: كَانَتِ الْحَامِلُ إِذَا قَرَّبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلَى رَأْسِ الْحُفْرَةِ فَإِذَا ولدت بنت رَمَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَإِذَا وَلَدَتِ ابْنًا أَمْسَكَتْهُ، وَهَاهُنَا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى وَأْدِ الْبَنَاتِ؟ الْجَوَابُ: الْخَوْفُ مِنْ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِمْ مِنْ أَجْلِهِمْ أَوِ الْخَوْفُ مِنَ الْإِمْلَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الْإِسْرَاءِ: ٣١] وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَأَلْحَقُوا الْبَنَاتَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الْوَأْدَ فَافْتَخَرَ الْفَرَزْدَقُ بِهِ فِي قَوْلِهِ:
| وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ | فَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ تُوأَدِ |
الْجَوَابُ: سُؤَالُهَا وَجَوَابُهَا تَبْكِيتٌ لِقَاتِلِهَا، وَهُوَ كَتَبْكِيتِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِ/ لِعِيسَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [الْمَائِدَةِ: ١١٦].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُرِئَ سَأَلَتْ، أَيْ خَاصَمَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَتِ اللَّهَ أَوْ قَاتِلَهَا، وَقُرِئَ قُتِّلَتْ بِالتَّشْدِيدِ، فَإِنْ قِيلَ: اللَّفْظُ الْمُطَابِقُ أَنْ يُقَالَ: سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَمَنْ قَرَأَ سَأَلَتْ فَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقْرَأَ: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فَمَا الْوَجْهُ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَإِذَا الموؤودة سُئِلَتْ [أَيْ سُئِلَ] الْوَائِدُونَ عَنْ أَحْوَالِهَا بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِلَفْظِ الْمُغَايَبَةِ، كَمَا إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ زَيْدًا عَنْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، فَتَقُولُ: مَاذَا فَعَلَ زَيْدٌ في ذلك المعنى؟ ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول عنه، فكذا هاهنا. التاسع: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٠]
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)
قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ يُرِيدُ صُحُفَ الْأَعْمَالِ تَطْوِي صَحِيفَةَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ تُنْشَرُ إِذَا حُوسِبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ نُشِرَتْ بَيْنَ أَصْحَابِهَا، أَيْ فُرِّقَتْ بَيْنَهُمْ. الْعَاشِرُ: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١١]
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١)
أَيْ كُشِفَتْ وَأُزِيلَتْ عَمَّا فَوْقَهَا، وَهُوَ الْجَنَّةُ وَعَرْشُ اللَّهِ، كَمَا يُكْشَطُ الْإِهَابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ، وَالْغِطَاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُشِطَتْ، وَاعْتِقَابُ الْقَافِ وَالْكَافِ كَثِيرٌ، يُقَالُ لَبَّكْتُ الثَّرِيدَ وَلَبَّقْتُهُ، وَالْكَافُورُ وَالْقَافُورُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ.
الحادي عشر: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٢]
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)
أُوقِدَتْ إِيقَادًا شَدِيدًا، وَقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ، قِيلَ: سَعَّرَهَا غَضَبُ اللَّهِ، وَخَطَايَا بَنِي آدَمَ، وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: النَّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الْآنَ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْعِيرَهَا مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. الثاني عشر: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٣]
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)
أَيْ أُدْنِيَتْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، كقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الْجَزَاءَ الْمُرَتَّبَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مجموع هذه الأشياء فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٤]
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ، فَالْمُرَادُ إِذَنْ مَا أَحْضَرَتْهُ فِي صَحَائِفِهَا، وَمَا أَحْضَرَتْهُ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ مِنْ آثَارِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَالْمُرَادُ: مَا أَحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَإِنْ قِيلَ كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ مَا أَحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ/: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آلِ عِمْرَانَ: ٣٠] فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ عَكْسِ كَلَامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الْإِفْرَاطَ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْحِجْرِ: ٢] كَمَنْ يَسْأَلُ فَاضِلًا مَسْأَلَةً ظَاهِرَةً وَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكَ فِيهَا شَيْءٌ؟ فَيَقُولُ: رُبَّمَا حَضَرَ شَيْءٌ وَغَرَضُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَا لَا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذَا هَاهُنَا الثَّانِي: لَعَلَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُتْعِبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا طَاعَاتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فهو المراد من هذه الآية. قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦)
الكلام في قوله: فَلا أُقْسِمُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: ١]، وبِالْخُنَّسِ والْجَوارِ الْكُنَّسِ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرَةُ أَنَّهَا النُّجُومُ الْخُنَّسُ جَمْعُ خَانِسٍ، وَالْخُنُوسُ وَالِانْقِبَاضُ وَالِاسْتِخْفَاءُ تَقُولُ: خَنَسَ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ وَانْخَنَسَ،
وَفِي الْحَدِيثِ «الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ إِلَى الْعَبْدِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ»
أَيِ انْقَبَضَ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الخناس والْكُنَّسِ جَمْعُ كَانِسٍ وَكَانِسَةٍ يُقَالُ: كَنَسَ إِذَا دَخَلَ الْكِنَاسَ وَهُوَ مَقَرُّ الْوَحْشِ يُقَالُ كَنَسَ الظِّبَاءُ فِي كُنُسِهَا، وَتَكَنَّسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ هَوْدَجَهَا تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إِذَا دَخَلَ الْكِنَاسُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُنُوسِ النُّجُومِ وَكُنُوسِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَالْقَوْلُ الْأَظْهَرُ: أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى رُجُوعِ الكواكب الخمسة
الحادي عشر: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٢]
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)
أُوقِدَتْ إِيقَادًا شَدِيدًا، وَقُرِئَ سُعِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ، قِيلَ: سَعَّرَهَا غَضَبُ اللَّهِ، وَخَطَايَا بَنِي آدَمَ، وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: النَّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الْآنَ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْعِيرَهَا مُعَلَّقٌ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. الثاني عشر: قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٣]
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)
أَيْ أُدْنِيَتْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، كقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمُورَ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ الْجَزَاءَ الْمُرَتَّبَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّذِي هو مجموع هذه الأشياء فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٤]
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ، فَالْمُرَادُ إِذَنْ مَا أَحْضَرَتْهُ فِي صَحَائِفِهَا، وَمَا أَحْضَرَتْهُ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ مِنْ آثَارِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَالْمُرَادُ: مَا أَحْضَرَتْ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَإِنْ قِيلَ كُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُ مَا أَحْضَرَتْ، لِقَوْلِهِ/: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آلِ عِمْرَانَ: ٣٠] فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ عَكْسِ كَلَامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الْإِفْرَاطَ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْقَلِيلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْحِجْرِ: ٢] كَمَنْ يَسْأَلُ فَاضِلًا مَسْأَلَةً ظَاهِرَةً وَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكَ فِيهَا شَيْءٌ؟ فَيَقُولُ: رُبَّمَا حَضَرَ شَيْءٌ وَغَرَضُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَا لَا يَقُولُ بِهِ غَيْرُهُ. فَكَذَا هَاهُنَا الثَّانِي: لَعَلَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُتْعِبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا طَاعَاتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فهو المراد من هذه الآية. قوله تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦)
الكلام في قوله: فَلا أُقْسِمُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: ١]، وبِالْخُنَّسِ والْجَوارِ الْكُنَّسِ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرَةُ أَنَّهَا النُّجُومُ الْخُنَّسُ جَمْعُ خَانِسٍ، وَالْخُنُوسُ وَالِانْقِبَاضُ وَالِاسْتِخْفَاءُ تَقُولُ: خَنَسَ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ وَانْخَنَسَ،
وَفِي الْحَدِيثِ «الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ إِلَى الْعَبْدِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ»
أَيِ انْقَبَضَ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الخناس والْكُنَّسِ جَمْعُ كَانِسٍ وَكَانِسَةٍ يُقَالُ: كَنَسَ إِذَا دَخَلَ الْكِنَاسَ وَهُوَ مَقَرُّ الْوَحْشِ يُقَالُ كَنَسَ الظِّبَاءُ فِي كُنُسِهَا، وَتَكَنَّسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ هَوْدَجَهَا تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إِذَا دَخَلَ الْكِنَاسُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُنُوسِ النُّجُومِ وَكُنُوسِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَالْقَوْلُ الْأَظْهَرُ: أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى رُجُوعِ الكواكب الخمسة
السَّيَّارَةِ وَاسْتِقَامَتِهَا فَرُجُوعُهَا هُوَ الْخُنُوسُ وَكُنُوسُهَا اخْتِفَاؤُهَا تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ عَجِيبَةٌ وَفِيهَا أَسْرَارٌ عَظِيمَةٌ بَاهِرَةٌ الْقَوْلُ الثَّانِي: مَا
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَطَاءٍ وَمُقَاتِلٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ جَمِيعُ الْكَوَاكِبِ وَخُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِهَا عَنِ الْبَصَرِ فِي النَّهَارِ وَكُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِهَا لِلْبَصَرِ فِي اللَّيْلِ
أَيْ تَظْهَرُ فِي أَمَاكِنِهَا كَالْوَحْشِ فِي كُنُسِهَا وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى:
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [الْمَعَارِجِ: ٤٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا مَطْلَعًا وَاحِدًا وَمَغْرِبًا وَاحِدًا هُمَا أَقْرَبُ الْمَطَالِعِ والمغارب إلى سمت رؤوسنا، ثُمَّ إِنَّهَا تَأْخُذُ فِي التَّبَاعُدِ مِنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ إِلَى سَائِرِ الْمَطَالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَخُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَبَاعُدِهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ، وَكُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَوْدِهَا إِلَيْهِ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِالْخَمْسَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِجَمِيعِ الْكَوَاكِبِ وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الظِّبَاءُ، وَعَلَى هَذَا الْخَنَسُ مِنَ الْخَنَسِ فِي الألف وَهُوَ تَقْعِيرٌ فِي الْأَنْفِ فَإِنَّ الْبَقَرَ وَالظِّبَاءَ أنوفها على هذه الصفة والْكُنَّسِ جَمْعُ كَانِسٍ وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ الْكِنَاسَ وَالْقَوْلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: / الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قال بعد ذلك:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٧]
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧)
وَهَذَا بِالنُّجُومِ أَلْيَقُ مِنْهُ بِبَقَرِ الْوَحْشِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّمَا كَانَ أَعْظَمَ وَأَعْلَى رُتْبَةً كَانَ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَوَاكِبَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ.
الثَّالِثُ: أَنْ (الْخُنَّسِ) جَمْعُ خَانِسٍ مِنَ الْخُنُوسِ، وَأَمَّا جَمْعُ خَنْسَاءَ وَأَخْنَسَ مِنَ الْخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يُقَالُ: الْخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْخُنَّسَ فِي الْوَحْشِيَّةِ أَيْضًا مِنَ الْخُنُوسِ وَهُوَ اخْتِفَاؤُهَا فِي الْكِنَاسِ إِذَا غَابَتْ عَنِ الْأَعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ عَسْعَسَ مِنَ الْأَضْدَادِ، يُقَالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ، وَعَسْعَسَ إِذَا أَدْبَرَ، وَأَنْشَدُوا فِي وُرُودِهَا بِمَعْنَى أَدْبَرَ قَوْلَ الْعَجَّاجِ:
وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي مَعْنَى أَقْبَلَ:
مُدَرَّجَاتُ اللَّيْلِ لما عسعسا
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٨]
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨)
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ هَاهُنَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ:
إِذا عَسْعَسَ وَبِإِدْبَارِهِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ الْمُرَادُ أَدْبَرَ وَقَوْلُهُ: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أَيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وَتَكَامَلَ فقوله: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ [التكوير: ١٧] إِشَارَةٌ إِلَى أَوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ،
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَطَاءٍ وَمُقَاتِلٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ جَمِيعُ الْكَوَاكِبِ وَخُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِهَا عَنِ الْبَصَرِ فِي النَّهَارِ وَكُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِهَا لِلْبَصَرِ فِي اللَّيْلِ
أَيْ تَظْهَرُ فِي أَمَاكِنِهَا كَالْوَحْشِ فِي كُنُسِهَا وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ تَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى:
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [الْمَعَارِجِ: ٤٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا مَطْلَعًا وَاحِدًا وَمَغْرِبًا وَاحِدًا هُمَا أَقْرَبُ الْمَطَالِعِ والمغارب إلى سمت رؤوسنا، ثُمَّ إِنَّهَا تَأْخُذُ فِي التَّبَاعُدِ مِنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ إِلَى سَائِرِ الْمَطَالِعِ طُولَ السَّنَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَخُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَبَاعُدِهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ، وَكُنُوسُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَوْدِهَا إِلَيْهِ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِالْخَمْسَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِجَمِيعِ الْكَوَاكِبِ وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِالسَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الظِّبَاءُ، وَعَلَى هَذَا الْخَنَسُ مِنَ الْخَنَسِ فِي الألف وَهُوَ تَقْعِيرٌ فِي الْأَنْفِ فَإِنَّ الْبَقَرَ وَالظِّبَاءَ أنوفها على هذه الصفة والْكُنَّسِ جَمْعُ كَانِسٍ وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ الْكِنَاسَ وَالْقَوْلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: / الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قال بعد ذلك:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٧]
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧)
وَهَذَا بِالنُّجُومِ أَلْيَقُ مِنْهُ بِبَقَرِ الْوَحْشِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّ قَسَمِ اللَّهِ كُلَّمَا كَانَ أَعْظَمَ وَأَعْلَى رُتْبَةً كَانَ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَوَاكِبَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ.
الثَّالِثُ: أَنْ (الْخُنَّسِ) جَمْعُ خَانِسٍ مِنَ الْخُنُوسِ، وَأَمَّا جَمْعُ خَنْسَاءَ وَأَخْنَسَ مِنَ الْخَنَسِ خُنْسَ بِالسُّكُونِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يُقَالُ: الْخُنَّسُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْخُنَّسَ فِي الْوَحْشِيَّةِ أَيْضًا مِنَ الْخُنُوسِ وَهُوَ اخْتِفَاؤُهَا فِي الْكِنَاسِ إِذَا غَابَتْ عَنِ الْأَعْيُنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ عَسْعَسَ مِنَ الْأَضْدَادِ، يُقَالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ، وَعَسْعَسَ إِذَا أَدْبَرَ، وَأَنْشَدُوا فِي وُرُودِهَا بِمَعْنَى أَدْبَرَ قَوْلَ الْعَجَّاجِ:
| حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسَا | وَانْجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا |
مُدَرَّجَاتُ اللَّيْلِ لما عسعسا
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٨]
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨)
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ هَاهُنَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْقَسَمُ وَاقِعًا بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ:
إِذا عَسْعَسَ وَبِإِدْبَارِهِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ الْمُرَادُ أَدْبَرَ وَقَوْلُهُ: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أَيِ امْتَدَّ ضَوْءُهُ وَتَكَامَلَ فقوله: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ [التكوير: ١٧] إِشَارَةٌ إِلَى أَوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ،
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ [المدثر: ٣٣، ٣٤] وَقَوْلُهُ: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ إِشَارَةٌ إِلَى تَكَامُلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَكْرَارٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أَيْ إِذَا أسفر كقوله: وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ [المدثر: ٣٤] ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَجَازِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا أَقْبَلَ الصُّبْحُ أَقْبَلَ بِإِقْبَالِهِ رَوْحٌ وَنَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ الْمُظْلِمَ بِالْمَكْرُوبِ الْمَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ، وَاجْتَمَعَ الْحُزْنُ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَنَفَّسَ وَجَدَ راحة. فههنا لَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ الْحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ أتبعه بذكر المقسم عليه فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٩]
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
وَفِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ: فَإِنْ قِيلَ: هَاهُنَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ/ اللَّفْظِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَلَا أَقَلَّ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ جِبْرِيلَ لَا كَلَامَ اللَّهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِضْلَالِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لَا يَفْعَلُ الْإِضْلَالَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ، مُسْتَفَادٌ مِنْ صِدْقِ النَّبِيِّ، وَصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا، وَكَوْنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلَى عِصْمَةِ جِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَهُوَ مُحَالٌ وَالْجَوَابُ: الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا كَانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ فِرَارًا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْإِعْجَازَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ لَيْسَ فِي الْفَصَاحَةِ، بَلْ فِي سَلْبِ تِلْكَ الْعُلُومِ وَالدَّوَاعِي عَنِ الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهَانَةٍ وَلَا ظَنٍّ وَلَا افْتِعَالٍ، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ جِبْرِيلَ أَتَاهُ بِهِ وَحْيًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ جِبْرِيلَ هَاهُنَا بِصِفَاتٍ سِتٍّ أَوَّلُهَا: أَنَّهُ رَسُولٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ رَسُولٌ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ أُمَّتُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ:
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [النَّحْلِ: ٢] وَقَالَ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣، ١٩٤] وَثَانِيهَا: أَنَّهُ كَرِيمٌ، وَمِنْ كَرَمِهِ أَنَّهُ يُعْطِي أَفْضَلَ الْعَطَايَا، وهو المعرفة والهداية والإرشاد.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٠]
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: ذِي قُوَّةٍ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الشِّدَّةِ،
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِجِبْرِيلَ «ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَمَاذَا بَلَغْتَ؟ قَالَ رَفَعْتُ قُرَيَّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الْأَرْبَعَ عَلَى قَوَادِمِ جَنَاحِي حَتَّى إِذَا سَمِعَ أَهْلُ السماء
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أَيْ إِذَا أسفر كقوله: وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ [المدثر: ٣٤] ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَجَازِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا أَقْبَلَ الصُّبْحُ أَقْبَلَ بِإِقْبَالِهِ رَوْحٌ وَنَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَقِيلَ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَبَّهَ اللَّيْلَ الْمُظْلِمَ بِالْمَكْرُوبِ الْمَحْزُونِ الَّذِي جَلَسَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ، وَاجْتَمَعَ الْحُزْنُ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَنَفَّسَ وَجَدَ راحة. فههنا لَمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ فَكَأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ الْحُزْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّسِ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْمُقْسَمَ بِهِ أتبعه بذكر المقسم عليه فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ١٩]
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
وَفِيهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ: فَإِنْ قِيلَ: هَاهُنَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ نَقْطَعْ بِوُجُوبِ حَمْلِ/ اللَّفْظِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَلَا أَقَلَّ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ جِبْرِيلَ لَا كَلَامَ اللَّهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ جِبْرِيلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِضْلَالِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ جِبْرِيلَ مَعْصُومٌ لَا يَفْعَلُ الْإِضْلَالَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ، مُسْتَفَادٌ مِنْ صِدْقِ النَّبِيِّ، وَصِدْقَ النَّبِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا، وَكَوْنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا يَتَفَرَّعُ عَلَى عِصْمَةِ جِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَهُوَ مُحَالٌ وَالْجَوَابُ: الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا كَانَ مُعْجِزًا لِلصِّرْفَةِ، إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ فِرَارًا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْإِعْجَازَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ لَيْسَ فِي الْفَصَاحَةِ، بَلْ فِي سَلْبِ تِلْكَ الْعُلُومِ وَالدَّوَاعِي عَنِ الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ بِكَهَانَةٍ وَلَا ظَنٍّ وَلَا افْتِعَالٍ، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ جِبْرِيلَ أَتَاهُ بِهِ وَحْيًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ جِبْرِيلَ هَاهُنَا بِصِفَاتٍ سِتٍّ أَوَّلُهَا: أَنَّهُ رَسُولٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ رَسُولٌ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ أُمَّتُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ:
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [النَّحْلِ: ٢] وَقَالَ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣، ١٩٤] وَثَانِيهَا: أَنَّهُ كَرِيمٌ، وَمِنْ كَرَمِهِ أَنَّهُ يُعْطِي أَفْضَلَ الْعَطَايَا، وهو المعرفة والهداية والإرشاد.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٠]
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: ذِي قُوَّةٍ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الشِّدَّةِ،
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِجِبْرِيلَ «ذَكَرَ اللَّهُ قُوَّتَكَ، فَمَاذَا بَلَغْتَ؟ قَالَ رَفَعْتُ قُرَيَّاتِ قَوْمِ لُوطٍ الْأَرْبَعَ عَلَى قَوَادِمِ جَنَاحِي حَتَّى إِذَا سَمِعَ أَهْلُ السماء
نُبَاحَ الْكِلَابِ وَأَصْوَاتَ الدَّجَاجِ قَلَبْتُهَا»
وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ أَنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْأَبْيَضُ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ قَصَدَ أَنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وَقَعَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَقْصَى الْهِنْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْقُوَّةِ فِي أَدَاءِ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ الْإِخْلَالِ بِهَا مِنْ أَوَّلِ الْخَلْقِ إِلَى آخِرِ زَمَانِ التَّكْلِيفِ، وَعَلَى الْقُوَّةِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَفِي مُطَالَعَةِ جَلَالِ اللَّهِ.
وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ وَهَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ الْمَكَانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٩] وَلَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الْجِهَةِ بِدَلِيلِ
قَوْلِهِ «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ»
بَلْ عِنْدِيَّةُ الْإِكْرَامِ وَالتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ. وَأَمَّا مَكِينٍ فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ قَدْ مَكُنَ فُلَانٌ عِنْدَ فُلَانٍ بِضَمِّ الْكَافِ مَكْنًا وَمَكَانَةً، فَعَلَى هَذَا الْمَكِينُ هُوَ ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢١]
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)
وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مُطاعٍ ثَمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ثَمَّ إِشَارَةٌ إِلَى الظَّرْفِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ [التكوير: ٢٠] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطَاعٌ فِي مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ، وَقُرِئَ ثُمَّ تَعْظِيمًا لِلْأَمَانَةِ وَبَيَانًا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ صِفَاتِهِ الْمَعْدُودَةِ.
وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ: أَمِينٍ أَيْ هُوَ أَمِينٌ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ الله من الخيانة والزلل.
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: ١٩- ٢١] وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ظَهَرَ التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أَيْ: وَمَا مُحَمَّدٌ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ وَالْغَيْبُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَالْقَصَصِ وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ يُقَالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا فِي مَعْنَى اتَّهَمْتُهُ، وَلَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْمَعْنَى مَا مُحَمَّدٌ عَلَى الْقُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أَيْ هُوَ ثِقَةٌ فِيمَا يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّادِ فَهُوَ مِنَ الْبُخْلِ يُقَالُ ضَنَنْتُ بِهِ أَضِنُّ أَيْ بَخِلْتُ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ:
يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّمَاءِ، وَهُوَ شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلَا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يُخْبَرُ بِالْغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ وَلَا يَكْتُمُهُ كَمَا يَكْتُمُ الْكَاهِنُ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ إِعْلَامِهِ حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوَانًا، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وَإِنَّمَا اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ الْبُخْلِ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: عَلَى الْغَيْبِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْبُخْلَ لَقَالَ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ ضَنِينٌ بِكَذَا وَقَلَّمَا يُقَالُ عَلَى كَذَا. ثم قال تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٥]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)
كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطَانٌ فَيُلْقِيهِ عَلَى لِسَانِهِ، فَنَفَى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى نَفْيِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ؟ قُلْنَا بَيَّنَّا أَنَّ
وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ أَنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْأَبْيَضُ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ قَصَدَ أَنْ يَفْتِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَهُ جِبْرِيلُ دَفْعَةً رَقِيقَةً وَقَعَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَقْصَى الْهِنْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْقُوَّةِ فِي أَدَاءِ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ الْإِخْلَالِ بِهَا مِنْ أَوَّلِ الْخَلْقِ إِلَى آخِرِ زَمَانِ التَّكْلِيفِ، وَعَلَى الْقُوَّةِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَفِي مُطَالَعَةِ جَلَالِ اللَّهِ.
وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ وَهَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ الْمَكَانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٩] وَلَيْسَتْ عِنْدِيَّةُ الْجِهَةِ بِدَلِيلِ
قَوْلِهِ «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ»
بَلْ عِنْدِيَّةُ الْإِكْرَامِ وَالتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ. وَأَمَّا مَكِينٍ فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ قَدْ مَكُنَ فُلَانٌ عِنْدَ فُلَانٍ بِضَمِّ الْكَافِ مَكْنًا وَمَكَانَةً، فَعَلَى هَذَا الْمَكِينُ هُوَ ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢١]
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)
وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مُطاعٍ ثَمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ثَمَّ إِشَارَةٌ إِلَى الظَّرْفِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ [التكوير: ٢٠] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُطَاعٌ فِي مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ، وَقُرِئَ ثُمَّ تَعْظِيمًا لِلْأَمَانَةِ وَبَيَانًا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ صِفَاتِهِ الْمَعْدُودَةِ.
وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ: أَمِينٍ أَيْ هُوَ أَمِينٌ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ، قَدْ عَصَمَهُ الله من الخيانة والزلل.
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ فَضَّلَ جِبْرِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: ١٩- ٢١] وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ظَهَرَ التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يَعْنِي حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهَذَا مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أَيْ: وَمَا مُحَمَّدٌ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ وَالْغَيْبُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَالْقَصَصِ وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ يُقَالُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا فِي مَعْنَى اتَّهَمْتُهُ، وَلَيْسَ مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْمَعْنَى مَا مُحَمَّدٌ عَلَى الْقُرْآنِ بِمُتَّهَمٍ أَيْ هُوَ ثِقَةٌ فِيمَا يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّادِ فَهُوَ مِنَ الْبُخْلِ يُقَالُ ضَنَنْتُ بِهِ أَضِنُّ أَيْ بَخِلْتُ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ بِبَخِيلٍ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ:
يَأْتِيهِ غَيْبُ السَّمَاءِ، وَهُوَ شَيْءٌ نَفِيسٌ فَلَا يَبْخَلُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يُخْبَرُ بِالْغَيْبِ فَيُبَيِّنُهُ وَلَا يَكْتُمُهُ كَمَا يَكْتُمُ الْكَاهِنُ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ إِعْلَامِهِ حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوَانًا، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يُبَخِّلُوهُ، وَإِنَّمَا اتَّهَمُوهُ فَنَفْيُ التُّهْمَةِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ الْبُخْلِ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: عَلَى الْغَيْبِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْبُخْلَ لَقَالَ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ ضَنِينٌ بِكَذَا وَقَلَّمَا يُقَالُ عَلَى كَذَا. ثم قال تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٥]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)
كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَجِيءُ بِهِ شَيْطَانٌ فَيُلْقِيهِ عَلَى لِسَانِهِ، فَنَفَى اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى نَفْيِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ؟ قُلْنَا بَيَّنَّا أَنَّ
الآيات من ٢٦ إلى ٢٩
عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّرْفَةِ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ عَلَى نَفْيِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، فَلَا جَرَمَ يُمْكِنُ نَفْيُ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ. ثُمَّ قَالَ تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٦]
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)
وَهَذَا اسْتِضْلَالٌ لَهُمْ يُقَالُ لِتَارِكِ الْجَادَّةِ اعْتِسَافًا، أَيْنَ تَذْهَبُ؟ مُثِّلَتْ حَالُهُمْ بِحَالِهِ في تركهم الحق وعدو لهم عَنْهُ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أَبَيْنُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ وَأَيْنَ تَذْهَبُ، وَتَقُولُ ذَهَبْتُ الشَّامَ وَانْطَلَقْتُ السوق، واحتج أهل الاعتزال بهذه الآية وجهه ظَاهِرٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَا هُوَ، فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٧]
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧)
أَيْ هُوَ بيان وهداية للخلق أجمعين.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٨]
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)
ثُمَّ قَالَ: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وفائدة هذا الإبدال أن الذين شاؤوا الِاسْتِقَامَةَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوعَظْ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يَسْتَقِيمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَشِيئَةَ الِاسْتِقَامَةِ مَوْقُوفَةٌ على مشيئة الله فقال تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٩]
وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
أَيْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الْمَشِيئَةَ، لِأَنَّ فِعْلَ تِلْكَ الْمَشِيئَةِ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلَا بُدَّ فِي حُدُوثِهَا مِنْ مَشِيئَةٍ أُخْرَى فَيَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ فِعْلَ الِاسْتِقَامَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِقَامَةِ. وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مَوْقُوفَةُ الْحُصُولِ عَلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الْإِرَادَةَ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ فِي طَرَفَيْ ثُبُوتِهَا وَانْتِفَائِهَا، مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَشِيئَةِ الْقَهْرِ وَالْإِلْجَاءِ ضَعِيفٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَشِيئَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ شَيْءٌ حَادِثٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ فَيَتَوَقَّفُ حُدُوثُهَا عَلَى أَنْ يَشَاءَ مُحْدِثُهَا إِيجَادَهَا، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْإِلْزَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٦]
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)
وَهَذَا اسْتِضْلَالٌ لَهُمْ يُقَالُ لِتَارِكِ الْجَادَّةِ اعْتِسَافًا، أَيْنَ تَذْهَبُ؟ مُثِّلَتْ حَالُهُمْ بِحَالِهِ في تركهم الحق وعدو لهم عَنْهُ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أَبَيْنُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ وَأَيْنَ تَذْهَبُ، وَتَقُولُ ذَهَبْتُ الشَّامَ وَانْطَلَقْتُ السوق، واحتج أهل الاعتزال بهذه الآية وجهه ظَاهِرٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَا هُوَ، فقال:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٧]
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧)
أَيْ هُوَ بيان وهداية للخلق أجمعين.
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٨]
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)
ثُمَّ قَالَ: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وفائدة هذا الإبدال أن الذين شاؤوا الِاسْتِقَامَةَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوعَظْ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يَسْتَقِيمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَشِيئَةَ الِاسْتِقَامَةِ مَوْقُوفَةٌ على مشيئة الله فقال تعالى:
[سورة التكوير (٨١) : آية ٢٩]
وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
أَيْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الْمَشِيئَةَ، لِأَنَّ فِعْلَ تِلْكَ الْمَشِيئَةِ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلَا بُدَّ فِي حُدُوثِهَا مِنْ مَشِيئَةٍ أُخْرَى فَيَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ فِعْلَ الِاسْتِقَامَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِقَامَةِ. وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مَوْقُوفَةُ الْحُصُولِ عَلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ تِلْكَ الْإِرَادَةَ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ فِي طَرَفَيْ ثُبُوتِهَا وَانْتِفَائِهَا، مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَشِيئَةِ الْقَهْرِ وَالْإِلْجَاءِ ضَعِيفٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَشِيئَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ شَيْءٌ حَادِثٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ فَيَتَوَقَّفُ حُدُوثُهَا عَلَى أَنْ يَشَاءَ مُحْدِثُهَا إِيجَادَهَا، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْإِلْزَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
9 مقطع من التفسير