تفسير سورة سورة الحشر

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

مفاتيح الغيب

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي (ت 606 هـ)

الناشر

دار إحياء التراث العربي - بيروت

الطبعة

الثالثة

مقدمة التفسير
سورة الحشر

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

سُورَةُ الْحَشْرِ
وَهِيَ عِشْرُونَ وَأَرْبَعُ آيَاتٍ مَدَنِيَّةٌ
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ صَالَحَ بَنُو النَّضِيرِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالُوا: هُوَ النَّبِيُّ الْمَنْعُوتُ فِي التَّوْرَاةِ بالنصر، فلما هزم المسلمون يوم أحد تابوا وَنَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا إِلَى مَكَّةَ وَحَالَفُوا أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، ثُمَّ صَحِبَهُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَتَائِبِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِلِيفٍ،
فَقَالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ،
فَقَالُوا: الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ فَتَنَادَوْا بِالْحَرْبِ، وَقِيلَ:
اسْتَمْهَلُوا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه بْنَ أُبَيٍّ وَقَالَ: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْحِصْنِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَنَحْنُ مَعَكُمْ لَا نَخْذُلُكُمْ، وَلَئِنْ خَرَجْتُمْ لنخرجن معكم، فحصنوا الأزقة فحاصرهم إحدى وعشرون لَيْلَةً، فَلَمَّا قَذَفَ اللَّه فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَيِسُوا مِنْ نَصْرِ الْمُنَافِقِينَ طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى إِلَّا الْجَلَاءَ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ عَلَى بَعِيرٍ مَا شَاءُوا مِنْ مَتَاعِهِمْ، فجلوا إلى الشأم إلى أريحاء وأزرعات إِلَّا أَهْلَ بَيْتَيْنِ مِنْهُمْ آلُ أَبِي الْحَقِيقِ، وَآلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، فَإِنَّهُمْ لَحِقُوا بِخَيْبَرَ، ولحقت طائفة بالحيرة. وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا مَعْنَى هَذِهِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ الْجَوَابُ: إِنَّهَا هِيَ اللَّامُ فِي قَوْلِكَ: جِئْتُ لِوَقْتِ كَذَا، وَالْمَعْنَى: أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أَوَّلِ الْحَشْرِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى أَوَّلِ الْحَشْرِ؟ الْجَوَابُ: أَنَّ الْحَشْرَ هُوَ إِخْرَاجُ الْجَمْعِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَمَّا أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ هَذَا الْحَشْرُ بِأَوَّلِ الْحَشْرِ فَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ حشر أهل
— 501 —
الْكِتَابِ، أَيْ أَوَّلُ مَرَّةٍ حُشِرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ جَزِيرَةِ/ الْعَرَبِ لَمْ يُصِبْهُمْ هَذَا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مَنْعَةٍ وَعِزٍّ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إِخْرَاجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَشْرًا، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ الْحَشْرِ مِنْ حَيْثُ يُحْشَرُ النَّاسُ لِلسَّاعَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ هُنَاكَ وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا أَوَّلُ حَشْرِهِمْ، وَأَمَّا آخِرُ حَشْرِهِمْ فَهُوَ إِجْلَاءُ عُمَرَ إِيَّاهُمْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الشَّامِ وَرَابِعُهَا: مَعْنَاهُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ مَا يَحْشُرُهُمْ لِقِتَالِهِمْ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ قتال قاتلهم رسول اللَّه وَخَامِسُهَا: قَالَ قَتَادَةُ هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ الثَّانِي نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: وَذَكَرُوا أَنَّ تِلْكَ النَّارَ تُرَى بالليل ولا ترى بالنهار.
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لِعِزَّتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَرْءِ وَالظَّنُّ بِخِلَافِهِ تَكُونُ أَعْظَمَ، فَالْمُسْلِمُونَ مَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَصِلُونَ إِلَى مُرَادِهِمْ فِي خُرُوجِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، فَيَتَخَلَّصُونَ مِنْ ضَرَرِ مَكَايِدِهِمْ، فَلَمَّا تَيَسَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ كَانَ تَوَقُّعُ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَعْظَمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ قَالُوا كَانَتْ حُصُونُهُمْ مَنِيعَةً فَظَنُّوا أَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّه، وَفِي الْآيَةِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللَّه، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّه هِيَ بِعَيْنِهَا نَفْسُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّه، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: ظَنُّوا أَنَّ حُصُونَهُمْ تَمْنَعُهُمْ أَوْ مَانِعَتُهُمْ وَبَيْنَ النَّظْمِ الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ، قُلْنَا: فِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلَى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصَانَتِهَا وَمَنْعِهَا إِيَّاهُمْ، وَفِي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا، وَإِسْنَادِ الْجُمْلَةِ إِلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ لَا يُبَالُونَ بِأَحَدٍ يَطْمَعُ فِي مُنَازَعَتِهِمْ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَحْصُلُ فِي قَوْلِكَ: وَظَنُّوا أَنَّ حُصُونَهُمْ تَمْنَعُهُمْ.
قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْآيَةِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فَأَتاهُمُ عَائِدٌ إِلَى الْيَهُودِ، أَيْ فَأَتَاهُمْ عَذَابُ اللَّه وَأَخَذَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ أَيْ فَأَتَاهُمْ نَصْرُ اللَّه وَتَقْوِيَتُهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَمَعْنَى: لَمْ يَحْتَسِبُوا، أَيْ لَمْ يَظُنُّوا وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ عَلَى يَدِ أَخِيهِ غِيلَةً، وَذَلِكَ مِمَّا أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل مِنْ شَوْكَتِهِمْ وَالثَّانِي: بِمَا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: فَأَتاهُمُ اللَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِاتِّفَاقِ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وَأَنَّ صَرْفَ الْآيَاتِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِمُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ جَائِزٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: قُرِئَ فَآتاهُمُ اللَّهُ أَيْ فَآتَاهُمُ الْهَلَاكُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لَا تَدْفَعُ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لَا تَدْفَعُ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالتَّوَاتُرِ، وَمَتَى كَانَتْ ثَابِتَةً بِالتَّوَاتُرِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا، بَلْ لا بد فيها من التأويل.
— 502 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الرُّعْبُ، الْخَوْفُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ الصَّدْرَ، أَيْ يَمْلَؤُهُ، وَقَذْفُهُ إِثْبَاتُهُ فِيهِ، وَفِيهِ قَالُوا فِي صِفَةِ الْأَسَدِ: مُقَذَّفٌ، كَأَنَّمَا قُذِّفَ بِاللَّحْمِ قَذْفًا لِاكْتِنَازِهِ وَتَدَاخُلِ أَجْزَائِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا مِنْ أَنَّ الْأُمُورَ كلها اللَّه، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ كَانَ مِنَ اللَّه وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ صَارَ سَبَبًا فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفِعْلُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ دَاعِيَةٍ مُتَأَكِّدَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَحُصُولُ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ اللَّه، فَكَانَتِ الْأَفْعَالُ بِأَسْرِهَا مُسْنَدَةً إِلَى اللَّه بِهَذَا الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ: يُخْرِبُونَ مُشَدَّدَةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: يُخْرِبُونَ خَفِيفَةً، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: الْإِخْرَابُ أَنْ يُتْرَكَ الشَّيْءُ خَرَابًا وَالتَّخْرِيبُ الْهَدْمُ، وَبَنُو النَّضِيرِ خُرِّبُوا وَمَا أُخْرِبُوا قَالَ الْمُبَرِّدُ: وَلَا أَعْلَمُ لِهَذَا وجها، ويخربون هو الأصل خرب المنزل، فَإِنَّمَا هُوَ تَكْثِيرٌ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ بُيُوتًا تَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُمَا يَتَعَاقَبَانِ فِي الْكَلَامِ، فَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مَجْرَى الْآخَرِ، نَحْوَ فرحته وأفرحته، وحسنه اللَّه وأحسنه، وقال الأعمش:
«وَأَخْرَبْتُ مِنْ أَرْضِ قَوْمٍ دِيَارًا»
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُخْرِبُونَ بِالتَّشْدِيدِ يَهْدِمُونَ، وَبِالتَّخْفِيفِ يُخْرِبُونَ مِنْهَا وَيَتْرُكُونَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي بَيَانِ أَنَّهُمْ كَيْفَ كَانُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وُجُوهًا أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْجَلَاءِ، حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْكُنُوا مَسَاكِنَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَهَا مِنْ دَاخِلٍ، وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ خَارِجٍ وَثَانِيهَا: قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ دَسُّوا إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يَخْرُجُوا، وَدَرِبُوا عَلَى الْأَزِقَّةِ وَحَصَّنُوهَا، فَنَقَضُوا بُيُوتَهُمْ وَجَعَلُوهَا كَالْحُصُونِ عَلَى أَبْوَابِ الْأَزِقَّةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُخْرِبُونَ سَائِرَ الْجَوَانِبِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا ظَهَرُوا عَلَى دَرْبٍ مِنْ دُرُوبِهِمْ خَرَّبُوهُ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَتَأَخَّرُونَ إِلَى مَا وَرَاءِ بُيُوتِهِمْ، وَيُنَقِّبُونَهَا مِنْ أَدْبَارِهَا وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُخْرِبُونَ ظَوَاهِرَ الْبَلَدِ، وَالْيَهُودُ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْجَلَاءِ، وَكَانُوا يَنْظُرُونَ/ إِلَى الْخَشَبَةِ فِي مَنَازِلِهِمْ مِمَّا يَسْتَحْسِنُونَهُ أَوِ الْبَابِ فَيَهْدِمُونَ بُيُوتَهُمْ، وَيَنْزِعُونَهَا وَيَحْمِلُونَهَا عَلَى الْإِبِلِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى تَخْرِيبِهِمْ لَهَا بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْنَا قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا عَرَّضُوهُمْ لِذَلِكَ وَكَانُوا السَّبَبَ فِيهِ فَكَأَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ بِهِ وكلفوه إياهم.
قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [المسألة الأولى] اعْلَمْ أَنَّا قَدْ تَمَسَّكْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي كِتَابِ «الْمَحْصُولُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ» عَلَى أَنَّ القياس حجة فلا نذكره هاهنا، إلا أنه لا بد هاهنا مِنْ بَيَانِ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّه فِيهِ بِالِاعْتِبَارِ، وَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلَى حُصُونِهِمْ، وَعَلَى قُوَّتِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ، فَأَبَادَ اللَّه شَوْكَتَهُمْ وأزال قوتهم، ثم قال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ وَلَا تَعْتَمِدُوا عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّه، فليس للزاهد أن يتعمد عَلَى زُهْدِهِ، فَإِنَّ زُهْدَهُ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ زُهْدِ بِلْعَامٍ، وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عِلْمِهِ، انْظُرْ إِلَى ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ مَعَ كَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ كَيْفَ صَارَ، بَلْ لَا اعْتِمَادَ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ إِلَّا عَلَى فَضْلِ اللَّه وَرَحْمَتِهِ وَثَانِيهَا: قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ وَالْكُفْرِ وَالطَّعْنِ فِي النُّبُوَّةِ،
— 503 —
فَإِنَّ أُولَئِكَ الْيَهُودَ وَقَعُوا بِشُؤْمِ الْغَدْرِ، وَالْكُفْرِ في البلاء والجلاء، والمؤمنين أَيْضًا يَعْتَبِرُونَ بِهِ فَيَعْدِلُونَ عَنِ الْمَعَاصِي.
فَإِنْ قيل: هذا الاعتبار إنما يصلح لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ غَدَرُوا وَكَفَرُوا فَعُذِّبُوا، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ هُوَ الْكُفْرَ وَالْغَدْرَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فَاسِدٌ طَرْدًا وَعَكْسًا أَمَّا الطَّرْدُ فَلِأَنَّهُ رُبَّ شَخْصٍ غَدَرَ وَكَفَرَ، وَمَا عُذِّبَ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمِحَنِ، بَلْ أَشَدَّ مِنْهَا وَقَعَتْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى سُوءِ أَدْيَانِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فَقَدْ بَطَلَ هَذَا الِاعْتِبَارُ، وَأَيْضًا فَالْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي الْأَصْلِ هُوَ أَنَّهُمْ:
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا عَلَّلْنَا ذَلِكَ بِالْكُفْرِ وَالْغَدْرِ يَلْزَمُ فِي كُلِّ مَنْ غَدَرَ وَكَفَرَ أَنْ يُخَرِّبَ بَيْتَهُ بِيَدِهِ وَبِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ فِي الْأَصْلِ لَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ أَوَّلُهَا: كَوْنُهُ تَخْرِيبًا لِلْبَيْتِ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَثَانِيهَا: وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، كَوْنُهُ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا وَثَالِثُهَا: وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الثَّانِي، كَوْنُهُ مُطْلَقَ الْعَذَابِ، وَالْغَدْرُ وَالْكُفْرُ إِنَّمَا يُنَاسِبَانِ الْعَذَابَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَذَابٌ، فَأَمَّا خُصُوصُ كَوْنِهِ تَخْرِيبًا أَوْ قَتْلًا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَذَاكَ عَدِيمُ الْأَثَرِ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْقِيَاسِ إِلَى أَنَّ الَّذِينَ غَدَرُوا وَكَفَرُوا وَكَذَّبُوا عُذِّبُوا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَالْغَدْرُ وَالْكُفْرُ يُنَاسِبَانِ الْعَذَابَ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْكُفْرَ وَالْغَدْرَ هُمَا السَّبَبَانِ فِي الْعَذَابِ، فَأَيْنَمَا حَصَلَا حَصَلَ الْعَذَابُ/ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَمَتَى قَرَّرْنَا الْقِيَاسَ وَالِاعْتِبَارَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ زَالَتِ الْمَطَاعِنُ وَالنُّقُوضُ وَتَمَّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شَيْءٍ، وَلِهَذَا سُمِّيَتِ الْعَبْرَةُ عَبْرَةً لِأَنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنَ الْعَيْنِ إِلَى الْخَدِّ، وَسُمِّيَ الْمَعْبَرُ مَعْبَرًا لِأَنَّ بِهِ تَحْصُلُ الْمُجَاوَزَةُ، وَسُمِّيَ الْعِلْمُ الْمَخْصُوصُ بِالتَّعْبِيرِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَنْتَقِلُ مِنَ الْمُتَخَيَّلِ إِلَى الْمَعْقُولِ، وَسُمِّيَتِ الْأَلْفَاظُ عِبَارَاتٌ، لِأَنَّهَا تَنْقُلُ الْمَعَانِيَ مِنْ لِسَانِ الْقَائِلِ إِلَى عَقْلِ الْمُسْتَمِعِ، وَيُقَالُ: السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ عَقْلُهُ مَنْ حَالِ ذَلِكَ الْغَيْرِ إِلَى حَالِ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الِاعْتِبَارُ هُوَ النَّظَرُ فِي حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَجِهَاتِ دَلَالَتِهَا لِيُعْرَفَ بِالنَّظَرِ فِيهَا شيء آخر من جنسها، وفي قوله: يا أُولِي الْأَبْصارِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ يَا أَهْلَ اللُّبِّ وَالْعَقْلِ وَالْبَصَائِرِ وَالثَّانِي: قَالَ الفراء: يا أُولِي الْأَبْصارِ يَا مَنْ عَايَنَ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ الْمَذْكُورَةَ.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٣]
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣)
مَعْنَى الْجَلَاءِ فِي اللُّغَةِ، الْخُرُوجُ مِنَ الْوَطَنِ وَالتَّحَوُّلُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: أَنَّ (لَوْلَا) تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْجَلَاءِ عَدَمُ التَّعْذِيبِ فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّ الْجَلَاءَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ، فَإِذًا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْجَلَاءِ عَدَمُهُ وَهُوَ مُحَالٌ، قُلْنَا مَعْنَاهُ: ولولا أن كتب اللَّه عليهم الْجَلَاءَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ، فَإِذًا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْجَلَاءِ عَدَمُهُ وَهُوَ مُحَالٌ، قُلْنَا مَعْنَاهُ: وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ كَمَا فُعِلَ بِإِخْوَانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ فَهُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَغَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَزِمَ أَنْ لَا يُوجَدَ لِمَا بَيَّنَّا، أَنَّ (لَوْلَا) تَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْجَزَاءِ لحصول الشرط.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٤]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ التَّخْرِيبِ هُوَ مُشَاقَّةُ اللَّه
وَرَسُولِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتِ الْمُشَاقَّةُ عِلَّةً لِهَذَا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: أَيْنَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمُشَاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنَا: هَذَا أَحَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهَا.
ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والمقصود منه الزجر.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٥]
مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)
فِيهِ مسائل:
المسألة الأولى: مِنْ لِينَةٍ بيان ل ما قَطَعْتُمْ، ومحل (ما) نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنت الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ: أَوْ تَرَكْتُمُوها لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللِّينَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ مَا لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أَوْ بَرْنِيَّةً، وَأَصْلُ لِينَةٍ لِوْنَةٌ، فَذَهَبَتِ الْوَاوُ لِكَسْرَةِ اللَّامِ، وَجَمْعُهَا أَلْوَانٌ، وَهِيَ النَّخْلُ كُلُّهُ سِوَى الْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ، كَأَنَّهُمُ اشْتَقُّوهَا مِنَ اللِّينِ وَجَمْعُهَا لِينٌ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّتِ اللِّينَةُ بِالْقَطْعِ؟ قُلْنَا: إِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَلْوَانِ فَلْيَسْتَبْقُوا لِأَنْفُسِهِمُ الْعَجْوَةَ وَالْبَرْنِيَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كِرَامِ النَّخْلِ فَلِيَكُونَ غَيْظُ الْيَهُودِ أَشَدَّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قال صاحب «الكاشف» : قُرِئَ قَوْمًا عَلَى أُصُلِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمْعُ أَصْلٍ كَرَهْنٍ وَرُهُنٍ، وَاكْتُفِيَ فِيهِ بالضمة عن الواو، وقرئ قائما على أصول، ذَهَابًا إِلَى لَفْظِ مَا، وَقَوْلُهُ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ قَطْعُهَا بِإِذْنِ اللَّه وَبِأَمْرِهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ أَيْ وَلِأَجْلِ إِخْزَاءِ الْفَاسِقِينَ، أَيِ الْيَهُودِ أَذِنَ اللَّه فِي قَطْعِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أَمَرَ أَنْ يُقْطَعَ نَخْلُهُمْ وَيُحْرَقُ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟. وَكَانَ فِي أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ،
وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه إِنَّمَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَزْدَادَ غَيْظُ الْكُفَّارِ، وَتَتَضَاعَفَ حَسْرَتُهُمْ بِسَبَبِ نَفَاذِ حُكْمِ أَعْدَائِهِمْ فِي أَعَزِّ أَمْوَالِهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ حُصُونَ الْكَفَرَةِ وَدِيَارَهُمْ لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُحْرَقَ وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجار هم لَا بَأْسَ بِقَلْعِهَا مُثْمِرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَطَعُوا مِنْهَا مَا كَانَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا يَقْطَعَانِ أَحَدُهُمَا الْعَجْوَةَ، وَالْآخَرُ اللَّوْنَ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ هَذَا: تَرَكْتُهَا لِرَسُولِ اللَّه، وَقَالَ هَذَا: قَطَعْتُهَا غَيْظًا لِلْكَفَّارِ،
فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٦]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)
قَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ فَاءَ يَفِيءُ إِذَا رَجَعَ، وَأَفَاءَهُ اللَّه إِذَا رَدَّهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْفَيْءُ مَا رَدَّهُ اللَّه عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، مِنْ أَمْوَالِ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ دِينِهِ بِلَا قِتَالٍ، إِمَّا بِأَنْ يُجْلَوْا عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَيُخَلُّوهَا لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُصَالَحُوا عَلَى
جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أَوْ مَالٍ غَيْرِ الْجِزْيَةِ يَفْتَدُونَ بِهِ مِنْ سَفْكِ دِمَائِهِمْ، كَمَا فَعَلَهُ بَنُو النَّضِيرِ حِينَ صَالَحُوا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ حِمْلَ بِعِيرٍ مِمَّا شَاءُوا سِوَى السِّلَاحِ، وَيَتْرُكُوا الْبَاقِيَ، فَهَذَا الْمَالُ هُوَ الْفَيْءُ، وَهُوَ مَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَيْ رَدَّهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ: مِنْهُمْ أَيْ مِنْ يَهُودِ بَنِي النضير، قوله: فَما أَوْجَفْتُمْ يُقَالُ: وَجَفَ الْفَرَسُ وَالْبَعِيرُ يَجِفُ وَجْفًا وَوَجِيفًا، وَهُوَ سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَأَوْجَفَهُ صَاحِبُهُ، إِذَا حَمَلَهُ عَلَى السَّيْرِ السَّرِيعِ، وَقَوْلُهُ: عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا أَفَاءَ اللَّه، وَقَوْلُهُ: مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ الرِّكَابُ مَا يُرْكَبُ مِنَ الْإِبِلِ، وَاحِدَتُهَا رَاحِلَةٌ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَالْعَرَبُ لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الرَّاكِبِ إِلَّا عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ، وَيُسَمُّونَ رَاكِبَ الْفَرَسِ فَارِسًا، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُقَسِّمَ الْفَيْءَ بَيْنَهُمْ كَمَا قَسَّمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَهُمْ، فَذَكَرَ اللَّه الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ مَا أَتْعَبْتُمْ أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليه الْخَيْلَ وَالرِّكَابَ بِخِلَافِ الْفَيْءِ فَإِنَّكُمْ مَا تَحَمَّلْتُمْ فِي تَحْصِيلِهِ تَعَبًا، فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ مُفَوَّضًا إلى الرسول يضعه حيث يشاء.
ثم هاهنا سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ أُخِذَتْ بَعْدَ الْقِتَالِ لِأَنَّهُمْ حُوصِرُوا أَيَّامًا، وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ثُمَّ صَالَحُوا عَلَى الْجَلَاءِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَمْوَالُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ لَا مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ، وَلِأَجْلِ هَذَا السُّؤَالِ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هاهنا وجهين الأول: أن هذا الْآيَةَ مَا نَزَلَتْ فِي قُرَى بَنِي النَّضِيرِ لِأَنَّهُمْ أَوْجَفُوا عَلَيْهِمْ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بَلْ هُوَ فِي فَدَكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ فَدَكَ انْجَلَوْا عَنْهُ فَصَارَتْ تِلْكَ الْقُرَى وَالْأَمْوَالُ فِي يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْخُذُ مِنْ غَلَّةِ فَدَكَ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ مَنْ يَعُولُهُ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، فَلَمَّا مَاتَ ادَّعَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْتِ أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ غِنًى، لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ قَوْلِكِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَحْكُمَ بِذَلِكَ، فَشَهِدَ لَهَا أَمُّ أَيْمَنَ وَمَوْلًى لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السلام، فطلب منها أبن بَكْرٍ الشَّاهِدَ الَّذِي يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتُهُ فِي الشَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ، فَأَجْرَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يُجْرِيهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، وَيَجْعَلُ مَا يَبْقَى فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ جَعَلَهُ فِي يَدِ عَلِيٍّ لِيُجْرِيَهُ عَلَى هَذَا الْمَجْرَى، وَرَدَّ ذَلِكَ فِي آخِرِ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى عُمَرَ، وَقَالَ: إِنَّ بِنَا غِنًى وَبِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ. إِلَى عَلِيٍّ فَكَانَ يُجْرِيهِ هَذَا الْمَجْرَى/ فَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ وقراهم، وليس لمسلمين يَوْمَئِذٍ كَثِيرُ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَلَمْ يَقْطَعُوا إِلَيْهَا مَسَافَةً كَثِيرَةً، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَمَشَوْا إِلَيْهَا مَشْيًا، وَلَمْ يَرْكَبْ إِلَّا رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَاكِبَ جَمَلٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الْمُقَاتَلَةُ قَلِيلَةً وَالْخَيْلُ وَالرَّكْبُ غَيْرَ حَاصِلٍ، أَجْرَاهُ اللَّه تَعَالَى مَجْرَى مَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْمُقَاتَلَةُ أَصْلًا فَخَصَّ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ
رُوِيَ أَنَّهُ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَانَتْ بِهِمْ حَاجَةٌ وَهُمْ أَبُو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ حُكْمَ الْفَيْءِ فَقَالَ:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٧]
مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : لَمْ يَدْخُلِ الْعَاطِفُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا بَيَانٌ لِلْأَوْلَى فَهِيَ مِنْهَا وَغَيْرُ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِذِي الْقُرْبى بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: كَانَ الْفَيْءُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْسُومًا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَكَانَ الْخُمْسُ الْبَاقِي يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، سَهْمٌ مِنْهَا لِرَسُولِ اللَّه أَيْضًا، وَالْأَسْهُمُ الْأَرْبَعَةُ لِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا كَانَ مِنَ الْفَيْءِ لِرَسُولِ اللَّه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ الْمُرْصَدِينَ لِلْقِتَالِ فِي الثُّغُورِ لِأَنَّهُمْ قَامُوا مَقَامَ رَسُولِ اللَّه فِي رِبَاطِ الثُّغُورِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، هَذَا فِي الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ الَّتِي كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا السَّهْمُ الَّذِي كَانَ لَهُ مِنْ خُمْسِ الْفَيْءِ فَإِنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا خِلَافٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى: قَالَ الْمُبَرِّدُ: الدُّولَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَدَاوَلُهُ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ يَكُونُ كَذَا مَرَّةً وَكَذَا مَرَّةً، وَالدَّوْلَةُ بِالْفَتْحِ انْتِقَالُ حَالٍ سَارَّةٍ إِلَى قَوْمٍ عَنْ قَوْمٍ، فَالدُّولَةُ بِالضَّمِّ اسْمُ مَا يُتَدَاوَلُ، وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ مِنْ هَذَا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْحَالَةِ السَّارَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ دُولَةُ فُلَانٍ/ أَيْ تَدَاوَلُهُ، فَالدُّولَةُ اسْمٌ لِمَا يُتَدَاوَلُ مِنَ الْمَالِ، وَالدُّولَةُ اسْمٌ لِمَا يَنْتَقِلُ مِنَ الْحَالِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ كَيْ لَا يَكُونَ الْفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أَنْ يُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ لِيَكُونَ لَهُمْ بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِهَا وَاقِعًا فِي يَدِ الْأَغْنِيَاءِ وَدُولَةً لَهُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُرِئَ: (دُولَةً) وَ (دَوْلَةً) بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: دُولَةً مَرْفُوعَةُ الدَّالِ وَالْهَاءِ، قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: يَكُونَ هاهنا هِيَ التَّامَّةُ كَقَوْلِهِ: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٠] يَعْنِي كَيْ لَا يَقَعَ دُولَةً جَاهِلِيَّةً، ثُمَّ قَالَ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يَعْنِي مَا أَعْطَاكُمُ الرَّسُولُ مِنَ الْفَيْءِ فَخُذُوهُ فَهُوَ لَكُمْ حَلَالٌ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْ أَخْذِهِ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَمْرِ الْفَيْءِ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ عَلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ الرَّسُولُ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ مَا آتَى رَسُولَ اللَّه وَنَهَى عَنْهُ وَأَمْرُ الْفَيْءِ داخل في عمومه.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٨]
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: ٧] كَأَنَّهُ قِيلَ:
أَعْنِي بِأُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ مِنْ صِفَتِهِمْ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِأُمُورٍ: أَوَّلُهَا:
أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَعْنِي أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ أَحْوَجُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ فَهُمُ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا، وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ ثَوَابُ الْجَنَّةِ وَبِالرِّضْوَانِ قَوْلُهُ: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التَّوْبَةِ: ٧٢] وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَيْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا هَجَرُوا لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَتَحَمَّلُوا شَدَائِدَهَا لِأَجْلِ الدِّينِ ظَهَرَ صِدْقُهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَانُوا يَقُولُونَ لِأَبِي بَكْرٍ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّه، واللَّه يشهد على
كَوْنِهِمْ صَادِقِينَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّه، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ إِمَامَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْأَنْصَارَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ حِينَ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنِ الْفَيْءِ إِذْ لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَهُمْ فقال:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٩]
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)
وَالْمُرَادُ مِنَ الدَّارِ الْمَدِينَةُ وَهِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ تَبَوَّأَهَا الْأَنْصَارُ قَبْلَ الْمُهَاجِرِينَ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الْمَدِينَةَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَإِنْ قِيلَ: فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُقَالُ: تَبَوَّأَ الْإِيمَانَ وَالثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ لَكِنَّ الْأَنْصَارَ مَا تَبَوَّءُوا الْإِيمَانَ قَبْلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ كَقَوْلِهِ:
وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
وَثَانِيهَا: جَعَلُوا الْإِيمَانَ مُسْتَقِرًّا وَوَطَنًا لَهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ وَاسْتِقَامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا سَلْمَانَ عَنْ نَسَبِهِ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْإِسْلَامِ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ سَمَّى الْمَدِينَةَ بِالْإِيمَانِ، لِأَنَّ فِيهَا ظَهَرَ الْإِيمَانُ وَقَوِيَ وَالْجَوَابُ: عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَالْإِيمَانَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَالتَّقْدِيرُ: تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ، ثُمَّ قَالَ:
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ حَسَدًا وَحَرَارَةً وَغَيْظًا مِمَّا أُوتِيَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ دُونِهِمْ، وَأَطْلَقَ لَفْظَ الْحَاجَةِ عَلَى الْحَسَدِ وَالْغَيْظِ وَالْحَرَارَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْحَاجَةِ، فَأَطْلَقَ اسْمَ اللَّامِ عَلَى الْمَلْزُومِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يُقَالُ: آثَرَهُ بِكَذَا إِذَا خَصَّهُ بِهِ، وَمَفْعُولُ الْإِيثَارِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيُؤْثِرُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: «إِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ دُورِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَقَسَمْتُ لَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ كَمَا قَسَمْتُ لَهُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ كَانَ لَهُمُ الْغَنِيمَةُ وَلَكُمْ دِيَارُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ فَقَالُوا: لَا بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا وَلَا نُشَارِكُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ»
فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْإِيثَارَ لَيْسَ عَنْ غِنًى عَنِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ عَنْ حَاجَةٍ وَخَصَاصَةٍ وَهِيَ الْفَقْرُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْخَصَاصِ وَهِيَ الْفُرَجُ، وَكُلُّ خَرْقٍ فِي مُنْخُلٍ أَوْ بَابٍ أَوْ سَحَابٍ أَوْ بُرْقُعٍ فَهِيَ خَصَاصٌ، الْوَاحِدُ خَصَاصَةٌ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنْوَاعًا مِنْ إِيثَارِ الْأَنْصَارِ لِلضَّيْفِ بِالطَّعَامِ وَتَعَلُّلِهِمْ عَنْهُ حَتَّى يُشْبِعَ الضَّيْفَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْإِيثَارِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ إِيثَارِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الشُّحُّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ هُوَ أَنَّ الْبُخْلَ نَفْسُ الْمَنْعِ، وَالشُّحَّ هُوَ الْحَالَةُ النَّفْسَانِيَّةُ الَّتِي/ تَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَنْعَ، فَلَمَّا كَانَ الشُّحُّ مِنْ صِفَاتِ النَّفْسِ، لَا جَرَمَ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظَّافِرُونَ بِمَا أَرَادُوا، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّه عَنْ أَخْذِهِ وَلَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أَمَرَهُ اللَّه بإعطائه فقد وقى شح نفسه.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٠]

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)
اعلم أن قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ عَطْفٌ أَيْضًا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدُ، وَقِيلَ: التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ وَهُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَدْعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِمَنْ سَبَقَهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيْ غِشًّا وَحَسَدًا وَبُغْضًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ إِمَّا الْمُهَاجِرُونَ أالأنصار أَوِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، وَبَيَّنَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَذْكُرَ السَّابِقِينَ وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بِالدُّعَاءِ وَالرَّحْمَةِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ كَانَ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ المؤمنين بحسب نص هذه الآية.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)
قَالَ الْمُقَاتِلَانِ: يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بْنَ أُبَيٍّ، وَعَبْدَ اللَّه بْنَ نَبْتَلَ، وَرِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، كَانُوا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَكِنَّهُمْ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ، وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا: الْأُخُوَّةُ فِي الْكُفْرِ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ كَانُوا مُشْتَرِكِينَ فِي عُمُومِ الْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَانِيهَا: الْأُخُوَّةُ بِسَبَبِ الْمُصَادَقَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَثَالِثُهَا: الْأُخُوَّةُ بِسَبَبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَخْبَرَ/ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلْيَهُودِ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَيْ فِي خِذْلَانِكُمْ أَحَداً أَبَداً وَوَعَدُوهُمُ النَّصْرَ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ:
وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى شَهِدَ عَلَى كَوْنِهِمْ كَاذِبِينَ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
وَلَمَّا شَهِدَ عَلَى كَذِبِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ أتبعه بالتفصيل فقال:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٢]
لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَعَلِمَ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، وَالْمَعْدُومَاتِ فِي الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلِمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَهَهُنَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ لَئِنْ أُخْرِجُوا فَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُخْرِجُوا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَقُوتِلُوا أَيْضًا فَمَا نَصَرُوهُمْ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ فَتَقْدِيرُهُ كَمَا يَقُولُ الْمُعْتَرِضُ الطَّاعِنُ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا تَقُولُ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا تَقُولُ، لَكِنَّهُ لا يفيد لك فائدة، فكذا هاهنا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا
يَنْصُرُونَهُمْ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَنْصُرُوا إِلَّا أَنَّهُمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتْرُكُوا تِلْكَ النُّصْرَةَ وَيَنْهَزِمُوا، وَيَتْرُكُوا أُولَئِكَ الْمَنْصُورِينَ فِي أَيْدِي الْأَعْدَاءِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الأول: أنه راجع إلى المنافقين يعني لينهز من الْمُنَافِقُونَ: ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يُهْلِكُهُمُ اللَّه، وَلَا يَنْفَعُهُمْ نِفَاقُهُمْ لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ وَالثَّانِي: لَيَنْهَزِمَنَّ الْيَهُودُ ثُمَّ لَا يَنْفَعُهُمْ نُصْرَةُ الْمُنَافِقِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ خَوْفَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّه تعالى فقال:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٣]
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)
أَيْ لَا يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّه حَتَّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٤]
لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ يُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُقَاتَلَتِكُمْ مُجْتَمِعِينَ إِلَّا إِذَا كَانُوا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ بِالْخَنَادِقِ وَالدُّرُوبِ/ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّه أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَنَّ تَأْيِيدَ اللَّه وَنُصْرَتَهُ مَعَكُمْ، وَقُرِئَ جُدْرٍ بِالتَّخْفِيفِ وَجِدَارٍ وَجَدَرٍ وَجَدْرٍ وَهُمَا الجدار.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: يَعْنِي أَنَّ الْبَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، فَأَمَّا إِذَا قَاتَلُوكُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذَلِكَ الْبَأْسُ وَالشِّدَّةُ، لِأَنَّ الشُّجَاعَ يَجْبُنُ وَالْعِزَّ يَذِلُّ عِنْدَ مُحَارَبَةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَثَانِيهَا: قَالَ مُجَاهِدٌ:
الْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا يَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، فَهُمْ يهدون الْمُؤْمِنِينَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ مِنْ وَرَاءِ الْحِيطَانِ وَالْحُصُونِ، ثُمَّ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْقِتَالِ فَبَأْسُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، لَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ بَعْضُهُمْ عَدُوٌّ لِلْبَعْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يَعْنِي تَحْسَبُهُمْ فِي صُورَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، أَمَّا قُلُوبُهُمْ فَشَتَّى لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَذْهَبٍ آخَرَ، وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ شَدِيدَةٌ، وَهَذَا تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَقَوْلُهُ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَهُمْ وَالثَّانِي: لَا يَعْقِلُونَ أَنَّ تَشْتِيتَ القلوب مما يوهن قواهم.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٥]
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
أَيْ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ أَهْلِ بَدْرٍ فِي زَمَانٍ قَرِيبٍ فَإِنْ قِيلَ: بم انتصب قَرِيباً، قلنا: بمثل، وَالتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلِ أَهْلِ بَدْرٍ. قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أَيْ سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّه مِنْ قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وَبِيلٌ أَيْ وَخِيمٌ سَيِّئُ الْعَاقِبَةِ يَعْنِي ذَاقُوا عَذَابَ الْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ أَلِيمٌ. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال:

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٦]

كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)
أَيْ مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا بَنِي النَّضِيرَ بِقَوْلِهِمْ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ [الشر: ١١] ثُمَّ خَذَلُوهُمْ وَمَا وَفَّوْا بِعَهْدِهِمْ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ/ ثُمَّ تَبَرَّأَ مِنْهُ فِي الْعَاقِبَةِ، وَالْمُرَادُ إِمَّا عُمُومُ دَعْوَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى الْكُفْرِ، وَإِمَّا إِغْوَاءُ الشَّيْطَانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ: لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [الأنفال: ٤٨]. ثم قال:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٧]
فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)
وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى: قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ عَاقِبَةُ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ مِثْلَ عَاقِبَةِ الشَّيْطَانِ وَالْإِنْسَانِ حَيْثُ صَارَا إِلَى النَّارِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قَرَأَ ابْنُ مسعود (خالدان فيها)، على أنه خبران، وفِي النَّارِ لَغْوٌ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ الْخَبَرُ هُوَ الظرف وخالِدَيْنِ فِيها حَالٌ، وَقُرِئَ: عاقِبَتَهُما بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ:
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أَيِ الْمُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: ١٣].
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى رَجَعَ إِلَى مَوْعِظَةِ الْمُؤْمِنِينَ فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ.
الْغَدُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَمَّاهُ بِالْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ وَالْغَدَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أَمَّا الْفَائِدَةُ فِي تَنْكِيرِ النَّفْسِ فَاسْتِقْلَالُ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا تَنْكِيرُ الْغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وَإِبْهَامِ أَمْرِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: الْغَدُ لَا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ كَرَّرَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى تَأْكِيدًا أَوْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ: عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ والثاني: على ترك المعاصي.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُقَاتِلَانِ:
نَسُوا حَقَّ اللَّه فَجَعَلَهُمْ نَاسِينَ حَقَّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَمْ يَسْعَوْا لَهَا بِمَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَهُ الثَّانِي: فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أَيْ أَرَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ مَا نَسُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، كقوله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ [إبراهيم: ٤٣] وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
[الْحَجِّ: ٢].
ثُمَّ قَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الذَّمُّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرْشَدَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا هُوَ
مَصْلَحَتُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الْحَشْرِ: ١٨] وَهَدَّدَ الْكَافِرِينَ بِقَوْلِهِ: كَالَّذِينَ/ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الفريقين فقال:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٠]
لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَذِكْرُ هَذَا الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهَ عَلَى عِظَمِ ذَلِكَ الْفَرْقِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى: الْمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ وَأَصْحَابَ الْجَنَّةِ لَا يَسْتَوِيَانِ، فَلَوْ دَخَلَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ فِي الْجَنَّةِ لَكَانَ أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَسْتَوِيَانِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَجَوَابُهُ مَعْلُومٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يقتل بالذمي، وقد بينا وجه في الخلافيات.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢١]
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا شَرَحَ هَذِهِ الْبَيَانَاتِ عَظَّمَ أَمْرَ الْقُرْآنِ فَقَالَ:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ فِي الْجَبَلِ عَقْلٌ كَمَا جُعِلَ فِيكُمْ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَخَشَعَ وَخَضَعَ وَتَشَقَّقَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه.
ثُمَّ قَالَ: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أَيِ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ التَّنْبِيهُ عَلَى قَسَاوَةِ قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ، وَغِلَظِ طِبَاعِهِمْ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[الْبَقَرَةِ: ٧٤] وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ الْقُرْآنَ بِالْعِظَمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِظَمَ الصِّفَةِ تَابِعٌ لِعِظَمِ الْمَوْصُوفِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ عَظَمَةِ اللَّه فَقَالَ:
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٢]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
وَقِيلَ: السِّرُّ وَالْعَلَانِيَةُ وَقِيلَ: الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ الْغَيْبَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي اللَّفْظِ وَفِيهِ سِرٌّ عَقْلِيٌّ، أَمَّا الْمُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا أَقْوَالًا فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَقِيلَ: الْغَيْبُ الْمَعْدُومُ، وَالشَّهَادَةُ الْمَوْجُودُ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٣]
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)
ثُمَّ قَالَ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ قَالَ: الْقُدُّوسُ قُرِئَ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ، وهو البليغ في النزاهة في الذات والصافات، والأفعال
— 512 —
وَالْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَمَضَى شَيْءٌ مِنْهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الَّذِي كثرت بركاته.
وقوله: السَّلامُ فيه ووجهان الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ وَمِنْهُ دَارُ السَّلَامِ، وَسَلَامٌ عَلَيْكُمْ وُصِفَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهِ سليما من النقائض كَمَا يُقَالُ: رَجَاءٌ، وَغِيَاثٌ، وَعَدْلٌ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْقُدُّوسِ، وَبَيْنَ السَّلَامِ فَرْقٌ، وَالتَّكْرَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ، قُلْنَا: كَوْنُهُ قُدُّوسًا، إِشَارَةٌ إِلَى بَرَاءَتِهِ عَنْ جَمِيعِ العيوب في الماضي والحاضر، كونه: سَلِيمًا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنَّهُ تَزُولُ سَلَامَتُهُ وَلَا يَبْقَى سَلِيمًا الثَّانِي: أَنَّهُ سَلَامٌ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلسَّلَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: الْمُؤْمِنُ فيه ووجهان الأول: أنه الذي آمن أولياء عَذَابَهُ، يُقَالُ: آمَنَهُ يُؤَمِّنُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالثَّانِي:
أَنَّهُ الْمُصَدِّقُ، إِمَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُصَدِّقُ أَنْبِيَاءَهُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ لَهُمْ، أَوْ لِأَجْلِ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُونَ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ثُمَّ إِنَّ اللَّه يَصْدُقُهُمْ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، يَعْنِي الْمُؤْمِنَ بِهِ عَلَى حَذْفِ الْجَارِ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الْأَعْرَافِ: ١٥٥].
وَقَوْلُهُ: الْمُهَيْمِنُ قَالُوا: مَعْنَاهُ الشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. ثُمَّ فِي أَصْلِهِ قَوْلَانِ، قَالَ الْخَلِيلُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ إِذَا كان رقيب عَلَى الشَّيْءِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مُهَيْمِنٌ أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ، مِنْ آمَنَ يُؤْمِنُ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِقْصَاؤُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَةِ: ٤٨] وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:
الْمُهَيْمِنُ الْقَائِمُ عَلَى خَلْقِهِ بِرِزْقِهِ وَأَنْشَدَ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
قَالَ مَعْنَاهُ: الْقَائِمُ عَلَى النَّاسِ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا الْعَزِيزُ فَهُوَ إِمَّا الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ، وَإِمَّا الْغَالِبُ الْقَاهِرُ.
وَأَمَّا الْجَبَّارُ فَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّهُ فَعَّالٌ مِنْ جَبَرَ إِذَا أَغْنَى الْفَقِيرَ، وَأَصْلَحَ الْكَسِيرَ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ:
وَهُوَ لَعَمْرِي جَابِرُ كُلِّ كَسِيرٍ وَفَقِيرٍ، وَهُوَ جَابِرُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ، قَالَ الْعَجَّاجُ:
«قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَرَ».
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَبَّارُ مِنْ جَبَرَهُ عَلَى كَذَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ، قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النَّاسَ وَيُجْبِرُهُمْ عَلَى مَا أَرَادَهُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ يَقُولُونَهَا، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ:
جَبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى كَذَا بِغَيْرِ ألف. وجعل الفراء الجبار بهذا معنى/ مِنْ أَجْبَرَهُ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الْإِكْرَاهِ، فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فَعَّالًا مِنْ أَفْعَلَ إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، وَهُمَا جَبَّارٌ مِنْ أَجْبَرَ، وَدَرَّاكٌ مِنْ أَدْرَكَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْجَبَّارُ هُوَ الْقَهَّارُ الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْجَبَّارُ فِي صِفَةِ اللَّه الَّذِي لَا يُنَالُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الَّتِي فَاتَتْ يَدَ الْمُتَنَاوِلِ: جَبَّارَةٌ الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجَبَّارُ، هُوَ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعَانِي الْجَبَّارِ فِي صِفَةِ اللَّه، وَلِلْجَبَّارِ مَعَانٍ فِي صِفَةِ الْخَلْقِ أَحَدُهَا: الْمُسَلَّطُ كَقَوْلِهِ: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥]، وَالثَّانِي: الْعَظِيمُ الْجِسْمِ كَقَوْلِهِ: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [الْمَائِدَةِ: ٢٢] وَالثَّالِثُ: الْمُتَمَرِّدُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّه، كَقَوْلِهِ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً [مريم: ٣٢]، «والرابع: القتال كقوله: بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء: ١٣٠]
— 513 —
وَقَوْلِهِ: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [القصص: ١٩].
أَمَّا قَوْلُهُ: الْمُتَكَبِّرُ فَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِي تَكَبَّرَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ وَثَانِيهَا: قَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَعَظِّمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَثَالِثُهَا: قَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِي تَعَظَّمَ عَنْ ظلم العباد ورابعها: قال ابن الأنباري:
المتكبرة ذُو الْكِبْرِيَاءِ، وَالْكِبْرِيَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْمُلْكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [يُونُسَ: ٧٨]، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ فِي حَقِّ الْخَلْقِ اسْمُ ذَمٍّ، لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الْكِبْرَ، وَذَلِكَ نَقْصٌ فِي حَقِّ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِبْرٌ وَلَا عُلُوٌّ، بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الْحَقَارَةُ وَالذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، فَإِذَا أَظْهَرَ الْعُلُوَّ كَانَ كَاذِبًا، فَكَانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا فِي حَقِّهِ أَمَّا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ فَلَهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْعُلُوِّ وَالْكِبْرِيَاءِ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ فَقَدْ أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى تَعْرِيفِ جَلَالِهِ وَعُلُوِّهِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْمَدْحِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَلِهَذَا السَّبَبِ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ:
قَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَتَكَبَّرُونَ وَيَدَّعُونَ مُشَارَكَةَ اللَّه فِي هذا الوصف لكنه سبحانه منزله عَنِ التَّكَبُّرِ الَّذِي هُوَ حَاصِلٌ لِلْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ نَاقِصُونَ بِحَسَبِ ذَوَاتِهِمْ، فَادِّعَاؤُهُمُ الْكِبْرَ يَكُونُ ضَمَّ نُقْصَانِ الْكَذِبِ إِلَى النُّقْصَانِ الذَّاتِيِّ، أَمَّا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ فَلَهُ الْعُلُوُّ وَالْعِزَّةُ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ كَانَ ذَلِكَ ضَمَّ كَمَالٍ إِلَى كَمَالٍ، فَسُبْحَانَ اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الْمُتَكَبِّرِيَّةِ لِلْخَلْقِ.
[سورة الحشر (٥٩) : آية ٢٤]
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
ثُمَّ قَالَ: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ وَالْخَلْقُ هُوَ التَّقْدِيرُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقَدِّرُ أَفْعَالَهُ عَلَى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ، فَالْخَالِقِيَّةُ رَاجِعَةٌ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ.
ثُمَّ قَالَ: الْبارِئُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: صَانِعٌ وَمُوجِدٌ إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِرَاعَ الْأَجْسَامِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي الْخَلْقِ: بَرِيَّةٌ وَلَا يُقَالُ فِي الْأَعْرَاضِ الَّتِي هِيَ كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ.
وَأَمَّا الْمُصَوِّرُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَخْلُقُ صُوَرَ الْخَلْقِ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَقَدَّمَ ذِكْرَ الْخَالِقِ عَلَى الْبَارِئِ، / لِأَنَّ تَرْجِيحَ الْإِرَادَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ وَقَدَّمَ الْبَارِئَ عَلَى الْمُصَوِّرِ، لِأَنَّ إِيجَادَ الذَّوَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى إِيجَادِ الصِّفَاتِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الأعراف: ١٨٠].
أَمَّا قَوْلُهُ: يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ واللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَالْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وسلم تسليما كثيرا.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

11 مقطع من التفسير