محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩ من سورة الإنسان في ٩٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩ من سورة الإنسان

٩٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾.
يقول تعالى ذكره : ويطوف على هؤلاء الأبرار ولدان، وهم الوصفاء، مخلّدون.
اختلف أهل التأويل في معنى : مُخَلّدُونَ فقال بعضهم : معنى ذلك : أنهم لا يموتون. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَيَطُوف عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ أي لا يموتون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون : عنى بذلك وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ : مُسَوّرون.
وقال آخرون : بل عنى به أنهم مقرّطون. وقيل : عنى به أنهم دائم شبابهم، لا يتغيرون عن تلك السنّ.
وذكر عن العرب أنها تقول للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره : إنه لمخلّد وكذلك إذا كبر وثبتت أضراسه وأسنانه قيل : إنه لمخلد، يراد به أنه ثابت الحال، وهذا تصحيح لما قال قتادة من أن معناه : لا يموتون، لأنهم إذا ثبتوا على حال واحدة فلم يتغيروا بهرم ولا شيب ولا موت، فهم مخلّدون. وقيل : إن معنى قوله : مُخَلّدُونَ مُسَوّرون بلغة حِمْير وينشد لبعض شعرائهم :
ومُخَلّدَاتٌ باللّجَيْنِ كأنّمَاأعْجازُهُنّ أقاوِزُ الْكُثْبانِ
وقوله : إذَا رأيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤا مَنْثُورا يقول تعالى ذكره : إذا رأيت يا محمد هؤلاء الولدان مجتمعين أو مفترقين، تحسبهم في حُسنهم، ونقاء بياض وجوههم، وكثرتهم، لؤلؤا مبدّدا، أو مجتَمِعا مصبوبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة لُؤْلؤا مَنْثُورا قال : من كثرتهم وحُسْنِهِمْ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله إذَا رأيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ من حسنهم وكثرتهم لُؤلُؤا مَنْثُورا وقال قتادة عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال : ما من أهل الجنة من أحد إلا ويسعى عليه ألف غلام، كلّ غلام على عملٍ ما عليه صاحبه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، قال : حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤا مَنْثُورا قال : في كثرة اللؤلؤ وبياض اللؤلؤ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لإجماع أهل التأويل على أن قوله: (سَلْسَبِيلا) صفة لا اسم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ويطوف على هؤلاء الأبرار ولدان، وهم الوصفاء، مخلَّدون.
اختلف أهل التأويل في معنى: (مُخَلَّدُونَ) فقال بعضهم: معنى ذلك: أنهم لا يموتون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) أي: لا يموتون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون: عني بذلك (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) مُسَوّرون.
وقال آخرون: بل عني به أنهم مقرّطون. وقيل: عني به أنهم دائم شبابهم، لا يتغيرون عن تلك السنّ.
وذُكر عن العرب أنها تقول للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره: إنه لمخلَّد؛ كذلك إذا كبر وثبت أضراسه وأسنانه قيل: إنه لمخلد، يراد به أنه ثابت الحال، وهذا تصحيح لما قال قتادة من أن معناه: لا يموتون، لأنهم إذا ثبتوا على حال واحدة فلم يتغيروا بهرم ولا شيب ولا موت، فهم مخلَّدون. وقيل: إن معنى قوله: (مُخَلَّدُوَن) مُسَوّرون بلغة حِمْير؛ وينشد لبعض شعرائهم:
وَمُخَلَّدَاتٌ باللُّجَيْنِ كأنَّمَاأعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الْكُثْبانِ (١)
(١) لا تمانع: أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر.
وقوله: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) يقول تعالى ذكره: إذا رأيت يا محمد هؤلاء الولدان مجتمعين أو مفترقين، تحسبهم في حُسنهم، ونقاء بياض وجوههم، وكثرتهم، لؤلؤًا مبدّدا، أو مجتَمِعا مصبوبا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) قال: من كثرتهم وحُسْنِهِم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ) من حسنهم وكثرتهم (لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) وقال قتادة: عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا ويسعى عليه ألف غلام، كلّ غلام على عملٍ ما عليه صاحبه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) قال: في كثرة اللؤلؤ وبياض اللؤلؤ.
وقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا نظرت ببصرك يا محمد، ورميت بطرفك فيما أعطيتُ هؤلاء الأبرار في الجنة من الكرامة. وعُني بقوله: (ثَمَّ) الجنة (رَأَيْتَ نَعِيمًا)، وذلك أن أدناهم منزلة من ينظر في مُلكه فيما قيل في مسيرة ألفي عام، يُرى أقصاه، كما يرى أدناه.
وقد اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله لم يذكر مفعول رأيت الأول، فقال بعض نحويِّي البصرة: إنما فعل ذلك لأنه يريد رؤية لا تتعدى، كما تقول: ظننت في الدار، أخبر بمكان ظنه، فأخبر بمكان رؤيته. وقال بعض نحويِّي الكوفة: إنما فعل ذلك لأن معناه: وإذا رأيت ما ثم رأيت نعيما، قال: وصلح إضمار ما كما قيل: لقد تقطع بينكم، يريد: ما بينكم، قال: ويقال: إذا رأيت ثم يريد: إذا نظرت ثم،

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
فلقة قمر «١»، وقالت عائشة رضي الله عنها: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ «٢» الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ أَعْطَاهُمْ وَنَوَّلَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ جَنَّةً وَحَرِيراً أَيْ مَنْزِلًا رَحْبًا وعيشا رغيدا وَلِبَاسًا حَسَنًا. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ سُورَةُ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ فَلَمَّا بَلَغَ الْقَارِئُ إِلَى قَوْلِهِ تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً قَالَ: بِمَا صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أنشد يقول: [الطويل]
كَمْ قَتِيلٌ بِشَهْوَةٍ وَأَسِيرٌأُفٍّ مِنْ مُشْتَهِي خِلَافَ الْجَمِيلِ
شَهَوَاتُ الْإِنْسَانِ تُوْرِثُهُ الذُّلَّوَتُلْقِيهِ في البلاء الطويل

[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٣ الى ٢٢]

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)
يُخْبَرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَمَا أسبغ عليهم من الفضل العميم فقال تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ، وَذَكَرَ الْخِلَافِ فِي الِاتِّكَاءِ هَلْ هُوَ الِاضْطِجَاعُ أَوِ التَّمَرْفُقُ أَوِ التَّرَبُّعُ أَوِ التَّمَكُّنُ فِي الْجُلُوسِ، وَأَنَّ الأرائك هي السرر تحت الحجال.
وقوله تعالى: لَا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَرٌّ مُزْعِجٌ وَلَا بَرْدٌ مُؤْلِمٌ بَلْ هِيَ مِزَاجٌ وَاحِدٌ دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ لَا يبغون عنها حولا وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها أَيْ قَرِيبَةٌ إِلَيْهِمْ أَغْصَانُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا أَيْ مَتَى تَعَاطَاهُ دَنَا الْقَطْفُ إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مِنْ أَعْلَى غُصْنِهِ كَأَنَّهُ سَامِعٌ طَائِعٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الأخرى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [الرّحمن: ٥٤] وقال جل وعلا: قُطُوفُها دانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: ٢٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا إن قام ارتفعت معه بقدره، وإن قعد تذللت له حتى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتى ينالها فذلك قوله تعالى:
تَذْلِيلًا وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَرُدُّ أَيْدِيَهُمْ عَنْهَا شَوْكٌ وَلَا بُعْدُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَرْضُ الْجَنَّةِ من ورق وترابها من الْمِسْكُ، وَأُصُولُ شَجَرِهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَفْنَانُهَا من اللؤلؤ الرطب والزبرجد
(١) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، والمغازي باب ٧٩، وتفسير سورة ٩، باب ١٨، ومسلم في التوبة حديث ٥٣، والترمذي في تفسير سورة ٩، باب ١٧، وأحمد في المسند ٦/ ٣٨٩، ٣٩.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢٣، ومسلم في الرضاع حديث ٣٨.
وَالْيَاقُوتِ وَالْوَرَقِ وَالثَّمَرِ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمَنْ أَكَلَ منها قائما لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدا لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعا لم تؤذه.
وقوله جلت عظمته: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ أَيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْخَدَمُ بِأَوَانِي الطَّعَامِ وَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابِ الشَّرَابِ وَهِيَ الْكِيزَانُ الَّتِي لَا عرى لها ولا خراطيم، وقوله قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ فَالْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ بِخَبَرِ كَانَ أَيْ كَانَتْ قَوَارِيرَ، وَالثَّانِي مَنْصُوبٌ إِمَّا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أو تمييز لأنه بينه بقوله جل وعلا: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: بَيَاضُ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الزُّجَاجِ وَالْقَوَارِيرُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ زُجَاجٍ، فَهَذِهِ الْأَكْوَابُ هِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ مَعَ هَذَا شَفَّافَةٌ يُرَى مَا فِي بَاطِنِهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ أُعْطِيتُمْ فِي الدُّنْيَا شَبَهُهُ إِلَّا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم: وقوله تعالى: قَدَّرُوها تَقْدِيراً أَيْ عَلَى قَدْرِ رِيِّهِمْ لَا تَزِيدُ عَنْهُ وَلَا تَنْقُصُ بَلْ هِيَ مُعَدَّةٌ لذلك مقدرة بحسب ري صاحبها، وهذا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ الله بن عبيد بْنِ عُمَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ زَيْدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الِاعْتِنَاءِ وَالشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً قُدِّرَتْ لِلْكَفِّ وَهَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَلَى قَدْرِ أكف الخادم، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ في القدر والري.
وقوله تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا أَيْ وَيُسْقَوْنَ يَعْنِي الْأَبْرَارَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَكْوَابِ كَأْساً أَيْ خَمْرًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا فَتَارَةً يُمْزَجُ لَهُمُ الشَّرَابُ بِالْكَافُورِ وَهُوَ بَارِدٌ، وَتَارَةً بِالزَّنْجَبِيلِ وَهُوَ حَارٌّ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ، وَهَؤُلَاءِ يُمْزَجُ لَهُمْ مِنْ هَذَا تَارَةً وَمِنْ هَذَا تَارَةً، وَأَمَّا الْمُقَرَّبُونَ فَإِنَّهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا صرفا كما قال قتادة وغير واحد: وقد تقدم قوله جل وعلا عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ وَقَالَ هَاهُنَا: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا أَيِ الزَّنْجَبِيلُ عَيْنٌ في الجنة تسمى سلسبيلا، وقال عِكْرِمَةُ: اسْمُ عَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلَاسَةِ سَيْلِهَا وَحِدَّةِ جَرْيِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا عَيْنٌ سَلِسَةٌ مستفيد مَاؤُهَا، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلَاسَتِهَا فِي الْحَلْقِ وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهَا تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أَيْ يَطُوفُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْخِدْمَةِ وِلْدَانٌ مِنْ وِلْدَانِ الْجَنَّةِ مُخَلَّدُونَ أَيْ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مُخَلَّدُونَ عَلَيْهَا لَا يَتَغَيَّرُونَ عَنْهَا لَا تَزِيدُ أَعْمَارُهُمْ عَنْ تِلْكَ السِّنِّ، وَمَنْ فَسَرَّهُمْ بِأَنَّهُمْ مُخَرَّصُونَ فِي آذَانِهِمُ الْأَقْرِطَةَ فَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْمَعْنَى بِذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ هُوَ الَّذِي يَلِيقُ لَهُ ذَلِكَ دون الكبير.
وقوله تعالى: إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أَيْ إِذَا رَأَيْتَهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ السَّادَةِ وَكَثْرَتِهِمْ وَصَبَاحَةِ وُجُوهِهِمْ وَحُسْنِ أَلْوَانِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَحُلِيِّهِمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا، وَلَا يَكُونُ فِي التَّشْبِيهِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَلَا فِي الْمَنْظَرِ أَحْسَنُ من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. وقال قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: مَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا يَسْعَى عَلَيْهِ أَلْفُ خَادِمٍ كُلُّ خَادِمٍ عَلَى عَمَلٍ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
وَقَوْلُهُ جل وعلا: وَإِذا رَأَيْتَ أَيْ وَإِذَا رَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ ثَمَّ أَيْ هُنَاكَ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَسَعَتِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً أَيْ مَمْلَكَةً لِلَّهِ هُنَاكَ عَظِيمَةً وَسُلْطَانًا بَاهِرًا. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِآخَرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَيْهَا: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طَرِيقِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ يَنْظُرُ إِلَى أَقْصَاهُ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى أَدْنَاهُ» «١» فَإِذَا كَانَ هَذَا عَطَاؤُهُ تَعَالَى لِأَدْنَى مَنْ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ فَمَا ظَنُّكَ بِمَا هُوَ أَعْلَى مَنْزِلَةً وَأَحْظَى عِنْدَهُ تَعَالَى؟
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عمار الموصلي، حدثنا عقبة بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلْ وَاسْتَفْهِمْ» فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالصُّوَرِ وَالْأَلْوَانِ وَالنُّبُوَّةِ، أَفَرَأَيْتَ إِنْ آمَنْتُ بِمَا آمَنْتَ بِهِ وعملت بما عَمِلْتَ بِهِ إِنِّي لَكَائِنٌ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُرَى بَيَاضُ الْأَسْوَدِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍّ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَانَ لَهُ بِهَا عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ حَسَنَةٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ نَهْلَكُ بَعْدَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَمَلِ لَوْ وُضِعَ عَلَى جَبَلٍ لَأَثْقَلَهُ فَتَقُومُ النعمة أو نعم الله فتكاد تستنفد ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» وَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ- إلى قوله- مُلْكاً كَبِيراً فَقَالَ الْحَبَشِيُّ: وَإِنَّ عَيْنِي لَتَرَى مَا تَرَى عَيْنَاكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ «نَعَمْ» فَاسْتَبْكَى حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ. قَالَ ابْنُ عمر: ولقد رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدليه في حفرته بيده.
وقوله جل جلاله: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ أَيْ لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا الْحَرِيرُ وَمِنْهُ سُنْدُسٌ وَهُوَ رَفِيعُ الْحَرِيرِ كَالْقُمْصَانِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِي أَبْدَانَهُمْ، وَالْإِسْتَبْرَقُ مِنْهُ مَا فِيهِ بَرِيقٌ وَلَمَعَانٌ وَهُوَ مِمَّا يَلِي الظَّاهِرَ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي اللِّبَاسِ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَهَذِهِ صِفَةُ
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٣، والترمذي في تفسير سورة ٧٥، باب ٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَيَطُوفُ﴾ على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم.
﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي : خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤ - ٢٢} ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا * إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
إلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي ﴿سَلاسِلَ﴾ في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
﴿وَأَغْلالا﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها.
﴿وَسَعِيرًا﴾ أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا.
وأما ﴿الأبْرَارِ﴾ وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم (١)، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة (٢).
كما قال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾.
(١) في ب: أعمالهم.
(٢) في ب: الموجودة في الدنيا تنعدم من الأسماء التي ذكرها الله في الجنة.

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاءوا، وكيف أرادوا، فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي: جهة يرونها من الجهات المونقات.
وقد ذكر (١) جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب (٢) عليهم، إلا بإيجابهم على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي: منتشرا فاشيا، فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ أي: لا جزاء ماليا ولا ثناء قوليا.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ أي: شديد الجهمة والشر ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أي: ضنكا ضيقا، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة [هذا يومكم الذي كنتم توعدون].
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أي: أكرمهم وأعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾ في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلم يتسخطوها، ﴿جَنَّةً﴾ جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، ﴿وَحَرِيرًا﴾ كما قال [تعالى:] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ﴾ الاتكاء: التمكن من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة [الراحة]، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿شَمْسًا﴾ يضرهم حرها ﴿وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد.
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ أي: قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع.
ويطاف على أهل الجنة أي: يدور [عليهم] الخدم والولدان (٣) ﴿بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: مادتها من فضة، -[٩٠٢]-[وهي] على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير.
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: قدروا الأواني المذكورة على قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم (٤). ويحتمل أن المراد: قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: خلطها ﴿زَنْجَبِيلا﴾ ليطيب طعمه وريحه.
﴿عَيْنًا فِيهَا﴾ أي: في الجنة، ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها.
﴿وَيَطُوفُ﴾ على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم.
﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ منتشرين في خدمتهم ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ من حسنهم ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ أي: هناك في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم (٥) ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فتجد الواحد منهم، عنده من القصور والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض المعجبة، والطيور المطربة [المشجية] ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس.
وعنده من الزوجات. اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة.
ثم علاوة ذلك وأعظمه الفوز برؤية (٦) الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ أي: قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من الديباج (٧) والإستبرق: ما رق منه. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا.
وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الجزاء الجزيل والعطاء الجميل ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ على ما أسلفتموه من الأعمال، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره.
وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا﴾ فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك. ولهذا قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق. ﴿وَلا تُطِعْ﴾ من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك ﴿آثِمًا﴾ أي: فاعلا إثما ومعصية ولا ﴿كَفُورًا﴾ فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون (٨) إلا بما تهواه أنفسهم. ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله (٩)، والإكثار من ذكره أمره الله بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، الصلوات -[٩٠٣]- المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير في هذه الأوقات.
(١) في ب: ثم ذكر.
(٢) في ب: الذي هو غير واجب.
(٣) في ب: "ويطاف عليهم" أي: يدور الولدان والخدم على أهل الجنة.
(٤) في ب: لم تكفهم لريهم.
(٥) في ب: أي رمقت ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل.
(٦) في ب: برضا.
(٧) في ب: ما غلظ الحرير.
(٨) في ب: لا بد أن تكون معصية لله لأنهم لا يأمرون.
(٩) في ب: يستمد من القيام بطاعة الله.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أي: أكثر [له] من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة (١). ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ الآية (٢) [وقوله] ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ أي: المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون، ﴿الْعَاجِلَةَ﴾ ويطمئنون إليها، ﴿وَيَذَرُونَ﴾ أي: يتركون العمل ويهملون ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: أمامهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها.
(١) في ب: وذلك متضمن لكثرة الصلاة.
(٢) "في ب: أكمل الآيات (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ
غِلْمَانٌ لِلْخِدْمَةِ دَائِمُونَ عَلَى حَالِهِمْ.
لُؤْلُؤًا
كَاللُّؤْلُؤِ المُفَرَّقِ المُضِيءِ؛ لِحُسْنِهِمْ، وَصَفَاءِ أَلْوَانِهِمْ.

إعراب الآية ١٩ من سورة الإنسان

من كتاب: إعراب القرآن

القدح كانَتْ قَوارِيرَا «١» قراءة أبي عمرو الثاني بغير ألف وفرق بينهما لجهتين: أحداهما أنه كذا في مصاحف أهل البصرة، والثانية أن الأولى رأس آية فحسن إثبات الألف فيها.
فأما حمزة فقرأ «كانت قوارير قوارير من فضّة» لأنهما لا ينصرفان فهذا شيء بيّن لولا مخالفة السواد، وقرأ المدنيون فيهما جميعا، والذي يحتجّ به لهم لا يوجد إلا من قول الكوفيين وهو أن الكسائي والفراء أجازا صرف ما لا ينصرف إلّا أفعل منك واحتجّ الفراء بكثرة ذلك في الشعر.

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ١٦]

قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦)
قَدَّرُوها تَقْدِيراً عن الشّعبي وقتادة وابن أبزى وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم قرءوا قَدَّرُوها «٢» أي قدّروا عليها أي على قدر ربّهم لا يزيد ذلك ولا ينقص.

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ١٧]

وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)
وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً قال أبو الحسن بن كيسان: لا يقال للقدح: كأس حتّى تكون فيه الخمر وكذا لا يقال: مائدة للخوان حتى يكون عليه طعام، وكذا الظعينة كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا أي كالزّنجبيل في لذعه وكانوا يستطيبون ذلك فخوطبوا على ما يعرفون.

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ١٨]

عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨)
عَيْناً قد تقدّم ما يغني عن الكلام في نصبها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا فعلليل من السّلاسة، ومن قال: هو اسم العين صرف ما لا يجب أن ينصرف.

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ١٩]

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩)
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي بما يحتاجون إليه. إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أهل التفسير على أن المعنى في هذا التشبيه لكثرتهم وحسنهم، وقال عبد الله بن عمر: ما أحد من أهل الجنة إلّا له إلف غلام كلّ غلام على عمل ليس عليه صاحبه.

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ٢٠]

وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠)
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ لأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: فأكثر البصريين يقول: «ثمّ» ظرف، ولم تعدّ رأيت كما تقول: ظننت في الدار فلا تعدّى ظننت على قول سيبويه «٣»، وقال الأخفش، وهو أحد قولي الفراء «٤» :«ثمّ» مفعول بها أي فإذا نظرت ثمّ وقول آخر
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٨٩.
(٢) انظر الكتاب ١/ ١٨٠.
(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٨.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٣، والطبري في تفسيره ١٩/ ١٢٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٩ من سورة الإنسان

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

عَلَيْهِمْ

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء واسكان الميم

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء واسكان الميم

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف إدريس عن خلف ورش عن نافع قالون عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع

لُؤْلُؤًا

(لُؤْلُؤًا) بتحقيق الهمزة الأولى ساكنة

روح عن يعقوب إدريس عن خلف رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع

(لُولُؤًا) إبدال الهمزة الأولى واوًا ساكنة

ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٠ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ إن هذا السواد والحُسن والقُبح ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ يعني: عِبرة، ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يعني: فمَن شاء اتخذ في هذه التّذْكِرة فيَعتبر فيَشكر الله ويُوحّده، ويتخذ طريقًا إلى الجنة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٣٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٨/٥٠٠) أنّ قوله تعالى: ﴿إن هذه تذكرة﴾ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية، أو إلى السورة بأسْرها، أو إلى الشريعة بجملتها.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾، قال: هذه السّورة تَذْكِرة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٣٩، وعبد بن حميد -كما في التغليق ٤‏/‏٣٥٦-، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٧٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، قال: لا يموتون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٣٨، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٤، ومن طريق سعيد أيضًا.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٢٣/٥٦٥) أنه ذُكر عن العرب أنها تقول للرجل إذا كَبِر وثبتَ سواد شعره: إنه لمُخلد. وكذلك إذا كَبِر وثَبتتْ أضراسه وأسنانه قيل: إنه لمُخلد. يراد به أنه ثابت الحال، ثم علَّق بقوله: «وهذا تصحيح لما قال قتادة من أنّ معناه: لا يموتون؛ لأنهم إذا ثَبتوا على حال واحدة فلم يَتغيّروا بهرَم ولا شيب ولا موت فهم مُخلّدون». وذكر ابنُ جرير قولًا بأنّ ﴿مخلدون﴾ معناه: مُقرّطون. وذكره ابنُ عطية (٨/٤٩٦). ونسبه ابنُ القيم (٣/٢٣٧) لابن جُبَير. وبيّن ابنُ عطية أنّ الخَلَدات: حُلي تُعلّق في الآذان. وبنحوه قال ابنُ القيم (٣/٢٣٧). ووجّهه ابنُ كثير (١٤/٢١٤) بقوله: «ومَن فسّرهم بأنهم مخرّصون في آذانهم الأقرطة. فإنما عبّر عن المعنى بذلك؛ لأنّ الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير». وذكر ابنُ القيم أنّ طائفة جمعتْ بين القولين، فقالت: هم ولدان، لا يَعرض لهم الكِبَر والهَرم، وفي آذانهم القِرَطَة. ثم علَّق بقوله: «فمَن قال: مُقرّطون. أراد هذا المعنى أنّ كونهم ولدانا أمْرٌ لازم لهم».
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ فأمّا الولدان فهم الغِلمان الذين لا يَشيبون أبدًا، ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ يعني: لا يَحتلمون، ولا يَشيبون أبدًا، هم على تلك الحال، لا يَختلفون، ولا يَكبرون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٢٨.
٥
عن عبد الله بن عمرو -من طريق سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب- قال: إنّ أدنى أهل الجنة منزلًا مَن يسعى عليه ألف خادم، كلّ واحد على عَملٍ ليس عليه صاحبه. وتلا هذه الآية: ﴿إذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المبارك (١٥٨٠)، وهناد (١٧٤)، والبيهقي في البعث (٤١٢). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن عبد الله بن عمرو -من طريق سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب- قال: ما من أهل الجنة مِن أحد إلا يَسعى عليه ألفُ غلام، كلّ واحد على عَملٍ ما عليه صاحبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٦.
٧
عن عبد الله بن عباس، قال: بينا المؤمن على فراشه إذ أبصر شيئًا يسير نحوه، فجعل يقول: لؤلؤ، لؤلؤ. فإذا ولدان مُخلّدون كما وصفهم الله، وهي الآية: ﴿إذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿إذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾، قال: من كثرتهم وحُسنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٣٨، وعبد بن حميد -كما في فتح الباري ٦‏/‏٣٢١-، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٤، كذلك من طريق سعيد. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ في الحُسن والبياض، يعني: في الكثرة، مثل اللؤلؤ المنثور الذي لا يَتناهى عدده١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٢٨.
١٠
عن سفيان [الثوري] -من طريق مهران- قال: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾، قال: في كثرة اللؤلؤ، وبياض اللؤلؤ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٦.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أولهم خروجًا إذا خَرجوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتُوا، وأنا مُستشفِعهم إذا حُبِسُوا، وأنا مُبشِّرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح بيدي، ولواء الحمد بيدي، وآدم ومَن دونه تحت لوائي ولا فَخْر، يطوف عليهم ألف خادم، كأنهم بَيْض مكنون أو لؤلؤ منثور»١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارمي ١‏/‏٣٩-٤٠ (٤٨) بنحوه، والترمذي ٦‏/‏٢٠٧-٢٠٨ (٣٩٣٧) مختصرًا. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال البغوي في شرح السنة ١٣‏/‏٢٠٣ (٣٦٢٤): «هذا حديث غريب».
٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الأَحْوَص- قال: يقول غِلمان أهل الجنة: مِن أين نَقطف لك؟ مِن أين نَسقيك؟١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏١١٤.
التفسير بالمأثور لسورة الإنسان كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩ من سورة الإنسان

١٧ وقفةً في هذه الآية

  • (حسبتهم لؤلؤًا منثورًا) شبههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور شبههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يُمتهنَّ بالخدمة .

    — ماجد الغامدي

  • { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورا} هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا كان أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض! الثعالبي

    — ماجد الزهراني

  • تأمل.. هذا وصف الخدم، فما ظنك بالمخدومين؟! لا شك أن حالهم ونعيمهم أعظم وأعلى! جعلنا الله وإياك من أهل ذلك النعيم.

    — عمر المقبل

  • (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) قال بعضهم: هذا من التشبيه العجيب؛ لأنَّ اللؤلؤ إذا كان متفرقًا كان أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض.

    — عبد الرحمن الثعالبي

  • (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) (الإنسان: ١٩) هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا كان أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض!

    — الرازي

  • { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } تشبيه عجيب بليغ>> لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً كان أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض .. [ الثعالبي]{ إذ

    — محاسن التاويل

  • الإنسان : 19

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • [ ويطوف عليهم وِلدان مُخلدون إذا رأيتهم ( حسبتهم لؤلؤًا منثورًا ) ] هذا الخادم ! .. فكيف المخدوم ؟

    — ماجد الغامدي

  • جمال الخدم بالجنة

    — ماجد الزهراني

  • تشبيه الخدم بالجنة باللؤلؤ

    — ماجد الزهراني

  • ليس في التشبيه أحسن من هذا وأبدع ؛ لأن اللؤلؤ حين يكون منثورا يبلغ الغاية في بهاء المنظر ؛ لوقوع شعاع بعضه علي بعض .

    — مصحف تدبر المفصل

  • هذا وصف الخدم , فما ظنك بالمخدومين ؟! لا شك أن حالهم أجل وأعظم .

    — مصحف تدبر المفصل

و٥ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٩ من سورة الإنسان

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(19) There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال