جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء، فلم يَرَوْه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه، إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم، بل عن جهل منهم به، وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها، وشاهدها وغائبها عنهم الله الذي لا يخفى عليه شيء، فخبره هو الحق دون خبرهم وقال: (عَالِم الْغَيْبِ) فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: (فَتَعَالَى) كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء؛ لأن معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ، ولذلك لو جاء (فَتَعَالَى) بالواو كان وجه الكلام في (عَالِمِ الْغَيْبِ) الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة