جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله الحَياةَ الدّنْيا وأثاثها وَزِينَتَها يطلب به، نوَفّ إلَيْهِمْ أجور أعْمَالَهُمْ فِيها وثوابها. وَهُمْ فِيها يقول : وهم في الدنيا لا يُبْخَسُونَ يقول : لا يُنقصون أجرها، ولكنهم يُوَفّونه فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وَزِينَتَها. . . الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول : من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا يقول الله : أُوَفّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها قال : ثواب ما عملوا في الدنيا من خير أعطوه في الدنيا، وَلَيْس لهُمْ في الاَخِرِةِ إلاّ النّارُ وحَبِط ما صَنُعوا فِيها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها قال : وربما عملوا من خير أعطوه في الدنيا، ولَيْسَ لَهُمْ في الاَخِرِةِ إلاّ النّارُ وحَبِط ما صنَعُوا فِيها قال : هي مثل الآية التي في الروم : وما أتَيْتُمْ مِنْ رِبا لِيَرْبُوَ في أمْوَالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْد اللّهِ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها قال : من عمل للدنيا وُفّيَهُ في الدنيا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها قال : من عمل عملاً مما أمر الله به من صلاة أو صدقة لا يريد بها وجه الله أعطاه الله في الدنيا ثواب ذلك مثل ما أنفق فذلك قوله : نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها في الدنيا، وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أجر ما عملوا فيها، أولَئِكَ الّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إلاّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها. . . الآية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن عيسى، يعني ابن ميمون، عن مجاهد، في قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها قال : ممن لا يقبل منه جُوزي به يُعطي ثوابه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشي، عن مجاهد : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها قال : ممن لا يقبل منه يعجل له في الدنيا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أي لا يظلمون. يقول : من كانت الدنيا همه وسَدَمه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفْضِي إلى الاَخرة وليس له حسنة يُعْطَي بها جزاء. وأما المؤمن فيجازي بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الاَخرة. وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ : أي في الاَخرة لا يظلمون.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن معمر، عن قتادة : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها. . . . الآية، قال : من كان إنما همته الدنيا إياها يطلب أعطاه الله مالاً وأعطاه فيها ما يعيش، وكان ذلك قصاصا له بعمله. وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ قال : لا يظلمون.
قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ليث بن أبي سلم، عن محمد بن كعب الُقَرِظيّ : أن النبيّ ﷺ قال :«مَنْ أحْسَنَ مِنْ مُحْسِنٍ فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ على اللّهِ فِي عاجِلِ الدّنْيا وآجِلِ الاَخِرَةِ ».
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها. . . . الآية، يقول : من عمل عملاً صالحا في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك أجرا في الدنيا يصل رحما، يعطي سائلاً، يرحم مضطرّا في نحو هذا من أعمال البرّ يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقرّ عينه فيما خوّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا في نحو هذا، وليس له في الاَخرة من نصيب.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا حفص بن عمرو أبو عمر الضرير، قال : حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس في قوله : نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ قال : هي في اليهود والنصارى.
قال : حدثنا حفص بن عمر، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء الأزدي، عن الحسن : نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها قال : طيباتهم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن وهب أنه بلغه أن مجاهدا كان يقول في هذه الآية : هم أهل الرياء، هم أهل الرياء.
قال : أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال : ثنى الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شُفي بن ماتع الأصبحي حدثه : أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا ؟ فقالوا أبو هريرة. فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدّث الناس، فلما سكت وخَلا قلت : أنشدك بحقّ وبحقّ لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته قال : فقال أبو هريرة : أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ ثم نشغ نشغة، ثم أفاق، فقال : لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارّا على وجهه، واشتدّ به طويلاً، ثم أفاق، فقال : حدثني رسول الله ﷺ :«إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأوّل من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ قال : بلى يا ربّ قال : فماذا عملت فيما علمت ؟ قال : كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله له : كذبت وتقول له الملائكة : كذبت ويقول الله له : بل أردت أن يقال : فلان قارىء فقد قيل ذلك. ويؤتي بصاحب المال فيقول الله له : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ قال : بلى يا ربّ قال : فماذا عملت فيما آتيتك ؟ قال : كنت أصل الرحم وأتصدّق. فيقول الله له : كذبت وتقول الملائكة : كذبت ويقول الله له : بل أردت أن يقال : فلان جواد، فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقال له : فبماذا قتلت ؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله له : كذبت وتقول له الملائكة : كذبت ويقول الله له : بل أردت أن يقال : فلان جريء، وقد قيل ذلك ». ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال :«يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ».
قال الوليد أبو عثمان : فأخبرني عقبة أن شفيّا هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا.
قال أبو عثمان : وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية، قال : فدخل عليه رجل فحدثه بهذا عن أبي هريرة، فقال أبو هريرة وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس ؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هلك، وقلنا : قد جاءنا هذا الرجل شرّ. ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال : صدق الله ورسوله مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها نُوفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها وقرأ إلى : وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وزَينَتَها. . . الآية، قال : ممن لا يتقبل منه، يصوم ويصلي يريد به الدنيا، ويدفع عنه وهم الاَخرة. وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ لا ينقصون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٨٠١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* * *
وقيل: (فإن لم يستجيبوا لكم)، والخطاب في أوّل الكلام قد جرى لواحدٍ، وذلك قوله: (قل فأتوا)، ولم يقل: "فإن لم يستجيبوا لك " على نحو ما قد بينا قبلُ في خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تخرج خطابه أحيانا مخرج خطاب الجمع، إذا كانَ خطابه خطابًا لأتباعه وجنده، وأحيانًا مخرج خطاب الواحد، إذا كان في نفسه واحدًا. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا، وإيّاها وَزينتها يطلب به، (٢) نوفّ إليهم أجور أعمالهم فيها وثوابها (٣) = (وهم فيها) يقول: وهم في الدنيا، (لا يبخسون)، يقول: لا ينقصون أجرها، ولكنهم يوفونه فيها. (٤)
* * *
(٢) في المطبوعة: " وأثاثها وزينتها يطلب به "، فأفسد الكلام وضامه، وهو في المخطوطة على الصواب كما أثبته.
(٣) انظر تفسير " الزينة " فيما سلف ص: ١٧٧، تعليق: ٢، ٥، والمراجع هناك.
= وتفسير " التوفية " فيما سلف من فهارس اللغة (وفى).
(٤) انظر تفسير " البخس " فيما سلف ٦: ٥٦ / ١٢: ٥٥٥.
*ذكر من قال ذلك:
١٨٠١٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا. يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا، صومًا أو صلاةً أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعملُ التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.
١٨٠١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، قال: ثوابَ ما عملوا في الدنيا من خير أعطوه في الدنيا، وليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صَنَعوا فيها.
* * *
١٨٠١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها)، قال: وَزْنَ ما عملوا من خير أعطوا في الدنيا، (١) وليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها. قال: هي مثل الآية التي في الروم: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ)، [سورة الروم: ٣٩]
١٨٠١٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)، قال: من عمل للدنيا وُفِّيهُ في الدنيا.
وفي المخطوطة ما أثبته، إلا أن فيه " ورب ما عملوا " غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.
١٨٠١٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عيسى = يعني ابن ميمون = عن مجاهد في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها)، قال: ممن لا يقبل منه، جُوزِي به، يُعطَى ثوابَه.
١٨٠١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشي، عن مجاهد: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، قال: ممن لا يقبل منه، يعجّل له في الدنيا. (١)
١٨٠١٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون)، أي: لا يظلمون. يقول: من كانت الدنيا همَّه وسَدَمه (٢) وطَلِبته ونيتّه، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاءً. وأما المؤمن، فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة = (وهم فيها لا يبخسون) أي: في الآخرة لا يظلمون.
١٨٠٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور = وحدثنا
(٢) " السدم " (بفتحتين) : الولوع بالشيء واللهج به. والغم بطلبه، والندم على فوته، وفي الحديث:
"مَنْ كانت الدنيا همَّه وسَدَمَه، جَعَل الله فَقْرَه بين عينيه ".
١٨٠٢١-.... قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ليث بن أبي سلم، عن محمد بن كعب القرظي: أن النبي ﷺ قال: من أحسن من محسن، فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. (١)
١٨٠٢٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، الآية، يقول: من عمل عملا صالحًا في غير تقوى = يعني من أهل الشرك = أعطي على ذلك أجرًا في الدنيا: يصل رحمًا، يعطي سائلا يرحم مضطرًّا، في نحو هذا من أعمال البرّ، يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا، في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب.
١٨٠٢٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس في قوله: (نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون)، قال: هي في اليهود والنصارى.
١٨٠٢٤-.... قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء الأزدي، عن الحسن: (نوف إليهم أعمالهم فيها)، قال: طيباتهم.
١٨٠٢٥- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله.
١٨٠٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن وهيب: أنه بلغه أن مجاهدًا كان يقول في هذه الآية: هم أهل الرياء، هم أهل الرياء.
١٨٠٢٨-.... قال، أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح قال، حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان، أن عقبة بن مسلم حدثه، أنّ شُفيّ بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة! فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدِّث الناس، فلما سكت وَخَلا (١) قلت: أنشدك بحقِّ، وبحقِّ، (٢) لما حدثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عَقَلته وعلمتَه. قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم نَشَغ نشغةً، (٣) ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثًا حدّثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما فيه أحدٌ غيري وغيره! ثم نشَغ أبو هريرة نشغةً شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه، واشتدّ به طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، نزل إلى القيامة ليقضي بينهم، (٤) وكل أمة جاثيةٌ، فأوّل من يدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجل قُتِل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك
(٢) " بحق، وبحق " هذا قسم عليه، يريد: " بحق كذا "، وهو اختصار.
(٣) " نشغ الرجل "، شهق حتى يكاد يبلغ به الغشى. قال أبو عبيدة: " وإنما يفعل ذلك الإنسان شوقا إلى صاحبه، أو إلى شيء فائت، وأسفا عليه وحبا للقائه ".
(٤) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: " نزل إلى القيامة "، وأنا في شك منها شديد، وأظن الصواب ما في رواية الترمذي:
" ينزل إلى العباد ليقضى بينهم ".
= قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شفيًّا هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا.
قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم: أنه كان سيَّافًا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فحدّثه بهذا عن أبي هريرة، فقال أبو هريرة: وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس! ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هلك، وقلنا: [قد جاءنا] هذا الرجل بشرٍّ! (٢) ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال: صدق الله ورسوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها)، وقرأ إلى: (وباطل ما كانوا يعملون). (٣)
(٢) في المطبوعة: " قلنا هذا الرجل شر "، وهو فاسد جدا، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها: " بشر "، والصواب ما أثبته من سنن الترمذي، ووضعت الزيادة بين القوسين.
(٣) الأثر: ١٨٠٢٨ - " ابن المبارك "، هو " عبد الله بن المبارك "، الإمام المشهور، و " حيوة بن شريح التجيبي المصري "، روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٦٣٨٢." والوليد بن أبي الوليد القرشي، أبو عثمان "، ثقة، مضى برقم: ٥٤٥٥." وعقبة بن مسلم التجيبي المصري "، تابعي ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٣٢٤٠، ١٣٢٤١." وشفي بن ماتع الأصبحي المصري "، تابعي ثقة، من ثقات المصريين، كان عالمًا حكيمًا. وعده ابن جرير الطبري في الصحابة، ولا يكاد يثبت. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧ / ٢ / ٢٠١، والكبير ٢ / ٢ / ٢٦٧، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٨٩، والإصابة في ترجمته في القسم الرابع من حرف الشين. وقال الحافظ ابن حجر: " وأورد حديثه بقي بن مخلد في مسنده أيضًا. ولم أر له رواية عن صحابي إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عنه في السنن. وجزم بأنه تابعي، وأن حديثه مرسل: البخاري وابن حبان، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم ". وهذا الخبر رواه الترمذي في " كتاب الزهد "، في باب " الرياء والسمعة "، وقال: " هذا حديث حسن غريب "، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالترمذي إذا قال: حسن غريب، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق، لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن "، قلت: وغرابة هذا الحديث، رواية " شفي بن ماتع "، عن " أبي هريرة "، وشفي لا تعرف له رواية مشهورة ثانية إلا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن كانت روايته عن أبي هريرة حسنة، على غرابتها، لأنه خليق أن يروى عنه، وخليق أن يلقاه مرة بالمدينة، كما جاء في هذا الخبر. وقد رواه مختصرًا، النسائي في سننه ٦: ٢٣، من طريق أخرى، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن جريج، عن يوسف بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له قائل من أهل الشأم، أيها الشيخ، حدثني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث = فكأن هذا القائل من أهل الشأم هو " شفي بن ماتع "، وأنه كان بالشأم قبل أن يسكن مصر، و" شفي "، في الطبقة الثانية من تابعي أهل مصر، كما عده ابن سعد. و" سليمان بن يسار الهلالي "، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وسمع من أبي هريرة، فكأن هذا القائل، أو شفي بن ماتع، كان يومئذ صغيرًا وهو يسأل أبا هريرة بالمدينة، وكأن خبر النسائي، هو الشاهد من الحديث الصحيح الذي جعل الترمذي يصف الخبر الأول بأنه " حسن غريب ".
* * *