ﭞﭟﭠ

و مَلِك نِعت لما قبله، قراءةُ الجماعة بغير ألف من ( المُلك ) بالضم، وقرأ عاصم(١) والكسائي(٢) بالألف، من ( المِلك ) بالكسر، والتقدير على هذا : مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءةُ الجماعة أرجح(٣)، لثلاثة أوجه : الأول : أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما المَلِكُ فهو سيد الناس، والثاني : قوله : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [ الأنعَام : ٧٣ ]، والثالث : أنها لا تقتضي حذفاً، والحذف خلاف الأصل(٤).
و يوم الدين ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي : الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رُويت القراءتان - أي : القصر والمد - عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها. فإن قيل : ملك ومالك نكرة ؛ لأن إضافة اسم الفاعل لا تُخصص، وكيف يُنعت به الرحمان الرحيم وهما معرفتان ؟ قلت : إنما تكون إضافةُ اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ لأنها حينئذٍ غيرُ مَحْضَةٍ، وأما هذا فهو مستمر دائماً، فإضافته محضة. قاله ابن جُزَيّ.
ثم من تحقق منه الإيجادُ والإمداد استحق أن يكون ملكاً لجميع العباد، ولذلك ذكرَهِ بِأَثَره فقال : ملك يوم الدين أي : المتصرف في عباده كيف شاء، لا رادّ لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملكُ الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.
وإنما خصّ يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية ؛ لأن ذلك اليوم يظهرُ فيه المُلْكُ لله عيَاناً لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلّى لفصل عباده(٥)، حتى يراه المؤمنون عياناً، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكَمَلَةُ من المؤمنين، ولذلك ادَّعى كثير من الجهلة الملكَ ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى : لِّمَنِ الْمَلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْقَهَّارِ [ غَافر : ١٦ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة (٦) لما تلجَّى الحق سبحانه من عالَم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول : من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجَّد نفسه بنفسه، ووحَّد نفسه بنفسه، ولله دَرُّ الهَرَوِيّ، حيث قال(٧) :

ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ إذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
توحيدُ مَنْ ينطقُ عن نَعْتِهِ عاريةُ أَبْطَلَهَا الواحِدُ
توحيدُه إياه توحيدُه ونعتُ من يَنْعَتُه لاَحِدُ
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجماً عن نفسه بنفسه : الحمد لله رب العالمين ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه : أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرَضين، بل أنا المتوحِّدُ في وجودي، والمتجلِّي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، مَمْحُوَّةٌ بأحدية ذاتي.
قال رجل بين يدي الجنيد(٨) : الحمد لله ولم يقل : رب العالمين ، فقال له الجنيد : كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل : وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه ؟ ! فقال الجنيد : قُلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم.
يقول سبحانه : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب، أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمان، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمان بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى(٩) : لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحَجّ : ٥٦ ]، وقوله : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفِطار : ١٩ ] ؟ ! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.

١ هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي أحد القراء السبعة. توفي بالكوفة أو بالسماوة سنة ١٢٧ هـ..
٢ هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي، أحد القراء السبعة. لقب بالكسائي لأنه كان في الإحرام لابسا كساء. توفي سنة ١٨٩ هـ..
٣ كلا القراءتين متواترة فلا ينبغي الترجيح هنا؛ وقد قال الألوسي في روح المعاني (١/٨٦) بعد أن نقل آراء العلماء في أرجحية إحدى القراءتين على الأخرى: "وعندي لا ثمرة للخلاف، والقراءتان فرسا رهان، ولا فرق بين المالك والملك صفتين لله تعالى"..
٤ من قوله: "وملك" إلى قوله: "الأصل" منقول عن التسهيل لابن جزي(١/٤٦)، وما بين حاصرتين زيادة منه..
٥ حديث تجلي الله تعالى لعباده يوم القيامة أورده الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٠) وابن كثير في تفسيره (١/٣٠٥) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٩/٦٤٨) والفتني في تذكرة الموضوعات (٢٢٦) والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤/٣٣٤). وأورده جماعة بلفظ: "إن الله يتجلى لعباده المؤمنين عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة"..

الإشارة (٦) لما تلجَّى الحق سبحانه من عالَم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول : من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجَّد نفسه بنفسه، ووحَّد نفسه بنفسه، ولله دَرُّ الهَرَوِيّ، حيث قال(٧) :
ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ إذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
توحيدُ مَنْ ينطقُ عن نَعْتِهِ عاريةُ أَبْطَلَهَا الواحِدُ
توحيدُه إياه توحيدُه ونعتُ من يَنْعَتُه لاَحِدُ
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجماً عن نفسه بنفسه : الحمد لله رب العالمين ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه : أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرَضين، بل أنا المتوحِّدُ في وجودي، والمتجلِّي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، مَمْحُوَّةٌ بأحدية ذاتي.
قال رجل بين يدي الجنيد(٨) : الحمد لله ولم يقل : رب العالمين ، فقال له الجنيد : كَمِّلْهَا يا أخي، فقال الرجل : وأيّ قَدْر للعالمين حتى تُذكر معه ؟ ! فقال الجنيد : قُلها يا أخي ؛ فإن الحادث إذا قُرن بالقديم تلاشى الحادُ وبقي القديم.
يقول سبحانه : يا مَن هو مني قريب، تَدبر سِرِّي فإنه غريب، أنا المحبُ، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمان، وأنا الملك الديّان، أنا الرحمان بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بتوالي الإمداد. منِّي كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديَّان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى(٩) : لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غَطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عينُ ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحَجّ : ٥٦ ]، وقوله : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفِطار : ١٩ ] ؟ ! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير