قوله : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا قال الزمخشريُّ : هو معطوفٌ على كلامٍ محذوف يدلُّ عليه قوله : إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ [ يونس : ١٠٢ ] كأنَّه قيل : نُهلكُ الأمم ثم نُنَجِّي رسلنا، معطوفٌ على حكايةِ الأحوالِ الماضية.
قرأ الكسائي١ في رواية " نصر " نُنْجِي " خفيفة، والباقون : مشددة، وهما لغتان، وكذلك في قوله " نُنْجِ المُؤمنينَ " والمعنى : ننجي رسلنا، والذين آمنوا معهم عند نزول العذابِ. معناه : نَجَّينَا، مستقبلٌ بمعنى الماضي، ونجَّيْنَا وأنْجَيْنَا بمعنى واحد " كذلِكَ " كما نَجَّيْناهم " حَقًّا " واجباً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين .
قوله :" حقّاً " فيه أوجهٌ :
أحدها : أن يكون منصوباً بفعل مُقَدَّر أي : حقَّ ذلك حقّاً.
والثاني : أن يكون بدلاً من المحذوف النَّائب عنه الكافُ تقديره : إنجاء مثل ذلك حقّاً.
والثالث : أن يكون " كذلك " و " حقًّا " منصوبين ب " نُنْجِ " الذي بعدهما.
والرابع : أن يكون " كَذلِكَ " منصوباً ب " نُنَجي " الأولى، و حقّاً ب " نُنْجِ " الثَّانية.
وقال الزمخشري٢ : مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين، وحقّاً علينا اعتراضٌ، يعني حقَّ ذلك علينا حقّاً.
وقرأ الكسائيُّ٣ وحفصٌ " نُنْجي المؤمنين " مخففاً من أنجى يقال : أنْجَى ونجَّى.
كأنزل ونزَّل، وجمهور القرَّاءِ لم ينقلوا الخلاف إلاَّ في هذا دون قوله : فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [ يونس : ٩٢ ] ودون قوله ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا [ يونس : ١٠٣ ]. وقد نقل أبو علي الأزهري الخلافَ فيهما أيضاً، ورسِمَ في المصاحف بجيم دون ياء.
فصل
قال القاضي٤ : قوله " حقًّا عليْنَا " المراد به الوجوب ؛ لأنَّ تخليصَ الرَّسُول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - والمؤمنين من العذاب إلى الثَّواب واجبٌ، ولولاهُ ما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشَّاقَّة، وهذا يجري مجرى قضاء الدَّين.
والجوابُ، بأن نقُول : إنَّه حقٌّ بحسب الوعْدِ والحُكْمِ، ولا نقُولُ إنَّهُ حقٌّ بحسب الاستحقاق لما ثبت أنَّ العبد لا يستحقُّ على خالقه شيئاً.
٢ ينظر: تفسير الكشاف ٢/٣٧٣..
٣ ينظر: السبعة ص (٣٣٠)، الحجة للقراء السبعة ٤/٣٠٥، حجة القراءات ص (٣٣٧)، إعراب القراءات ١/٢٧٥-٢٧٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/١٢٠..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/١٣٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود