قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ ومَا تُغْنِي الآيَاتُ والنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ١٠١ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ١٠٢ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ١٠٣
هذه الآيات الثلاث إرشاد للعقلاء الذين يفهمون مما قبلها أن سنة الله تعالى في نوع الإنسان أن خلقه مستعدا للإيمان والكفر، والخير والشر، وله الاختيار لنفسه، وأن الرسول الحريص على إيمان الناس لا يقدر على جعلهم مؤمنين ؛ لأن الله القادر على ذلك لم يشأ أن يجعلهم أمة واحدة على الإيمان وحده، ولا على الكفر وحده، وإنما جعل مدار سعادتهم على حسن استعمال عقولهم باختيارهم في التمييز بين الكفر والإيمان، وما الرسول إلا بشير ونذير يبين الطريق المستقيم للعقل المستنير، فالدين مساعد للعقل على حسن الاختيار إذا أحسن النظر والتفكير
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُواْ هذا التعبير من أعجب إيجاز القرآن المعجز الذي انفرد به في العطف على محذوف، وهو ذكر شيء يدل دلالة واضحة على أمر عام كسنة اجتماعية تستنبط من قصة أو قصص واقعة، ثم يأتي بجملة معطوفة لا يصح عطفها على ما قبلها من الجمل، فيتبادر إلى الذهن وجوب عطفها على ذلك الأمر العام، بحرف العطف المناسب للمقام، بحيث يستغنى به عن ذكره، وتقديره هنا : تلك سنتنا في رسلنا مع قومهم : يبلغونهم الدعوة، ويقيمون عليهم الحجة، وينذرونهم سوء عاقبة الكفر والتكذيب، فيؤمن بعض ويصر الآخرون، فنهلك المكذبين، ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا بهم.
كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ أي كذلك الإنجاء، ننجي المؤمنين معك أيها الرسول، ونهلك المصرين على تكذيبك، وعدا حقا علينا لا نخلفه سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ولاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً [ الإسراء : ٧٧ ] وقد صدق عده كما قال.
قرأ الجمهور ( ننجي رسلنا ) بالتشديد من التنجية، إلا في رواية عن يعقوب بالتخفيف مختلف فيها. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب ( ننجي المؤمنين ) بالتخفيف من الإنجاء، والباقون بالتشديد، والمعنى واحد، إلا أن التشديد يدل على المبالغة أو التكرار، وهو الأنسب في الأولى لكثرة الأقوام.
تفسير المنار
رشيد رضا