ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

لما كان الجواب عن اقتراحهم الآية الكونية للدلالة على النبوة يتضمن بمعونة ما يفصله من الآيات أن أولئك المشركين المعاندين لا يقتنعون بالآيات، وأنهم إذا رأوها بأعينهم يكابرون حسهم ولا يؤمنون، ضرب الله تعالى مثلا له في آياته الكونية الدالة على وحدانيته في أفعاله وحكمه فيها، وما لهؤلاء المشركين المعاندين من المكر فيها، وكونها لا تزيدهم إلا ضلالا.
وإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ هذه الشرطية منتظمة مع أختيها في الآيتين ١٢ و ١٥ في نسق واحد، والذوق في أصل اللغة إدراك الطعم بالفم، والمدرك له عصب خاص في اللسان، واستعمل مجازا في إدراك غيره من الملائمات كالرحمة والنعمة، والمؤلمات كالعذاب والنقمة، والضراء الحالة من الضر المقابل للنفع، ويقابلها السراء من السرور، أي وإذا كشفنا ضراء مسّ الناس ألمها، برحمة منا أذقناهم لذاتها على أتمها، لأن الشعور بها عقب زوال ضدها يكون أتم وأكمل.
إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا إذا هذه تسمى الفجائية، والجملة جواب للشرط. أي ما كان منهم إلا أنهم بادروا إلى المكر، وأسرعوا بالفجائية به في مقام الشكر، فإذا كانت الرحمة مطرا أحيا الأرض، وأنبت الزرع، ودر به الضرع، بعد جدب وقحط أهلك الحرث والنسل، قالوا : مطرنا بالأنواء، وإذا كانت نجاة من هلكة وأعوزتهم أسبابها، عللوها بالمصادفات، وإذا كان سببها دعاء نبيهم أنكروا إكرام الله له وتأييده بها، كما فعل فرعون وقومه عقب آيات موسى، وكما فعل مشركو مكة إثر القحط الذي أصابهم بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم رفع عنهم بدعائه فما زادهم ذلك إلا كفرا وجحودا، ومكرا وكنودا.
أخرج الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن قريشا لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ الدخان : ١٠ ١١ ]، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : يا رسول الله استق لمضر، فإنها قد هلكت فقال :" مضر ؟ " متعجبا، وفي رواية فجاءه أبو سفيان فقال : يا محمد إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله، فدعا لهم فكشف الله عنهم العذاب ومطروا، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول الذي تقدم فيه قوله تعالى : وإذ يمكر ربك الذين كفروا ١ [ الأنفال : ٣٠ ] الآية، وقد بينا في تفسيرها وتفسير ( ٩٨ ) وآية ( ٥٤ ) معنى المكر في اللغة، وكونه حسنا وسيئا، ومعنى إسناده إلى الله تعالى، وخلاصته أن المكر عبارة عن التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسبه ولا يتوقعه، وأن مكره تعالى وهو تدبيره الذي يخفى على الناس إنما يكون بإقامة سننه، وإتمام حكمه في نظام العالم، وكله حق وعدل حسن، ولكن ما يسوء الناس منه يسمونه شرا وسوءا، وإن كان جزاء عدلا، ويراجع تحقيقه في الجزأين ٣ و٩ من التفسير.
قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين يسرعون في المكر كما دلت عليه المفاجأة : إن الله تعالى أسرع مكرا منكم، إذ سبق في تدبيره لأمور العالم وتقديره للجزاء على الأعمال قبل وقوعها أن يعاقبكم على مكركم في الدنيا قبل الآخرة، وهو عالم به لا يخفى عليه شيء منه، وأكد هذا بقوله : إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ يعني الحفظة من الملائكة الذين وكلهم الله تعالى بإحصاء أعمال الناس وكتبها للحساب عليها في الآخرة. وكتابة المكر عبارة عن كتابة متعلقة من الأعمال اللاتي كان هو الباعث عليها، ويجوز أن تكتب نيتها وهي المعنى المصدري للمكر.
والجملة تتمة الجواب الذي لقنه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بناء على أنه يبلغه عنه عز وجل بلفظه الموحي إليه لا بمعناه، ولذلك يدخل في التبليغ لفظ " قل " وهو خطاب الله له صلى الله عليه وسلم مقوله الخاص بهم، كقوله : قل يا أيها الكافرون [ الكافرون : ١ ]، وأمثاله الكثيرة في القرآن، بل أقول له : إنه صلى الله عليه وسلم بلغهم الآية برمتها : ما حكاه تعالى عنهم، وما أمره أن يجيبهم به، وقد يكون ذلك في ضمن السورة كلها لا وحده، ومثل هذا يقال في أمثاله.
فعلم بهذا أنه ليس المراد أن يقول صلى الله عليه وسلم لهم كلمة :" أسرع مكرا " من قبل نفسه فيستشكل الالتفات فيها عن الغيبة إلى التكلم في " إن رسلنا "، بل هو جار على سنة القرآن فيه، وهو أبلغ في تصوير تسخير الله تعالى للملائكة في كتابة الأعمال من التعبير بضمير الغيبة " إن رسله يكتبون " الخ ؛ لأن في ضمير الجمع من تصوير العظمة في هذا التدبير العظيم، والنظام الدقيق، ما يشعر به كل من له ذوق في هذه اللغة سيدة اللغات، التي اعترف علماء اللغات من الإفرنج بأنها تفوق جميع لغاتهم، في التعبير عن صفات الله تعالى وكماله وعظمته، ومثل هذا الالتفات فيها قوله تعالى : قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : ١٠٩ ].
وقرأ نافع ويعقوب ( يمكرون ) بالمثناة التحتية، وفائدته الإعلام بأن ذلك شامل للغائبين كالحاضرين.
وقد فصلنا القول في كتابة الملائكة الحفظة لأعمال الناس، وحكمتها في تفسير وهُو الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً [ الأنعام : ٦١ ] من سورة الأنعام، وشرحنا قبلها مسألة كتابة مقادير الخلق كلها في تفسير الآية وعند مفاتح الغيب [ الأنعام : ٥٩ ] منها، فيراجع الموضوع كله في جزء التفسير السابع من شاء، ومن اكتفى بالإجمال فحسبه الإيمان بأن الملائكة تكتب الأعمال كتابة غيبية لم يكلفنا الله تعالى معرفة صفتها، وإنما كلفنا أن نؤمن بأن له نظاما حكيما في إحصائها، لأجل مراقبتنا له فيها، لنلتزم الحق والعدل والخير ونجتنب أضدادها.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن اسم التفضيل ( أسرع ) فيها على أصله من الفعل الثلاثي : سرع كضخم وحسن سرعا وسرعة، فهو سرع وسريع وسراع، والمستعمل بكثرة الرباعي أسرع، وفي اللسان أن سيبويه فرق بينهما فقال : أسرع طلب ذلك من نفسه وتكلفه كأنه أسرع المشي أي عجله، وأما سرع فكأنها غريزة، وأن ابن جني استعمل أسرع متعديا اه، وجوز بعض النجاة كون اسم التفضيل من مثل أسرع مطلقا، أو إذا لم تكن همزته للتعدية.

١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٤، باب ٢، ومسلم في المنافقين حديث ٤٠، وأحمد في المسند١/٣٨١..

لما كان الجواب عن اقتراحهم الآية الكونية للدلالة على النبوة يتضمن بمعونة ما يفصله من الآيات أن أولئك المشركين المعاندين لا يقتنعون بالآيات، وأنهم إذا رأوها بأعينهم يكابرون حسهم ولا يؤمنون، ضرب الله تعالى مثلا له في آياته الكونية الدالة على وحدانيته في أفعاله وحكمه فيها، وما لهؤلاء المشركين المعاندين من المكر فيها، وكونها لا تزيدهم إلا ضلالا.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير