اخْتِلَافِهِمْ، بِمَا يَمْتَازُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَالْمُصِيبُ مِنَ الْمُخْطِئِ الثَّالِثُ: أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ هِيَ
قَوْلُهُ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»
فَلَمَّا كَانَتْ رَحْمَتُهُ غَالِبَةً اقْتَضَتْ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الْغَالِبَةُ إِسْبَالَ السَّتْرِ عَلَى الْجَاهِلِ الضَّالِّ وَإِمْهَالَهُ إِلَى وَقْتِ الْوِجْدَانِ.
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٠]
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ شُبُهَاتِ الْقَوْمِ فِي إِنْكَارِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ كِتَابٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلِمَاتِ، وَالْكِتَابُ لَا يَكُونُ مُعْجِزًا، أَلَا تَرَى أَنَّ كِتَابَ مُوسَى وَعِيسَى مَا كَانَ مُعْجِزَةً لَهُمَا، بَلْ كَانَ لَهُمَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ دَلَّتْ عَلَى نُبُوَّتِهِمَا/ سِوَى الْكِتَابِ. وَأَيْضًا فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَدَّعِي إِمْكَانَ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا [الْأَنْفَالِ: ٣١] وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَا جَرَمَ طَلَبُوا مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ سِوَى الْقُرْآنِ، لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ، فَحَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَأَمَرَ اللَّه رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ هَذَا السُّؤَالِ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَقَامَ الدَّلَالَةَ الْقَاهِرَةَ عَلَى أَنَّ ظُهُورَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مُعْجِزَةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ. لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَّنَ أَنَّهُ نَشَأَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَتَرَبَّى عِنْدَهُمْ، وَهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يُطَالِعْ كِتَابًا، وَلَمْ يُتَلْمِذْ لِأُسْتَاذٍ. بَلْ كَانَ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَهُمْ وَمُخَالِطًا لَهُمْ، وَمَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْفِكْرِ وَالتَّعَلُّمِ قَطُّ، ثُمَّ إِنَّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ظَهَرَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَيْهِ، وَظُهُورُ مِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ الشَّرِيفِ الْعَالِي، عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّعَلُّمِ، لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَحْيِ. فَهَذَا بُرْهَانٌ قَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ قَاهِرٌ ظَاهِرٌ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ طَلَبُ آيَةٍ أُخْرَى سِوَى الْقُرْآنِ مِنَ الِاقْتِرَاحَاتِ الَّتِي لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا فِي إِثْبَاتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَتَقْرِيرِ رِسَالَتِهِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ مُفَوَّضًا إِلَى مَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى، فَإِنْ شَاءَ أَظْهَرَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُظْهِرْهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَيْبِ، فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَظِرَ أَنَّهُ هَلْ يَفْعَلُهُ اللَّه أَمْ لَا؟ وَلَكِنْ سَوَاءٌ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ ثَبَتَتِ النُّبُوَّةُ، وَظَهَرَ صِدْقُهُ فِي ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِحُصُولِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَبِعَدَمِهَا، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ جَوَابٌ ظَاهِرٌ فِي تَقْرِيرِ هَذَا المطلوب.
[سورة يونس (١٠) : آية ٢١]
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)
فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ القوم لما طلبوا مِنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً أُخْرَى سِوَى الْقُرْآنِ، وَأَجَابَ الْجَوَابَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس: ٢٠] ذَكَرَ جَوَابًا آخَرَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عَادَةَ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ الْمَكْرُ وَاللَّجَاجُ وَالْعِنَادُ/ وَعَدَمُ
الْإِنْصَافِ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُعْطَوْا مَا سَأَلُوهُ مِنْ إِنْزَالِ مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَبْقَوْنَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، فنفتقر هاهنا إِلَى بَيَانِ أَمْرَيْنِ: إِلَى بَيَانِ أَنَّ عَادَةَ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ الْمَكْرُ وَاللَّجَاجُ وَالْعِنَادُ، ثُمَّ إِلَى بَيَانِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي إِظْهَارِ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ فَائِدَةٌ.
أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى سَلَّطَ الْقَحْطَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ رَحِمَهُمْ، وَأَنْزَلَ الْأَمْطَارَ النَّافِعَةَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَضَافُوا تِلْكَ الْمَنَافِعَ الْجَلِيلَةَ إِلَى الْأَصْنَامِ وَإِلَى الْأَنْوَاءِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مُقَابَلَةٌ لِلنِّعْمَةِ بِالْكُفْرَانِ. فَقَوْلُهُ: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً الْمُرَادُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَمْطَارُ النَّافِعَةُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَحْطُ الشَّدِيدُ. وَقَوْلُهُ: إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا الْمُرَادُ مِنْهُ إِضَافَتُهُمْ تِلْكَ الْمَنَافِعَ الْجَلِيلَةَ إِلَى الْأَنْوَاءِ وَالْكَوَاكِبِ أَوْ إِلَى الْأَصْنَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [يُونُسَ: ١٢] إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى زَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا دَقِيقَةً أُخْرَى مَا ذَكَرَهَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ، وَتِلْكَ الدَّقِيقَةُ هِيَ أَنَّهُمْ يَمْكُرُونَ عِنْدَ وِجْدَانِ الرَّحْمَةِ، وَيَطْلُبُونَ الْغَوَائِلَ، وَفِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا كَانَتْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَذْكُورَةً، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَادَةَ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ اللَّجَاجُ وَالْعِنَادُ وَالْمَكْرُ وَطَلَبُ الْغَوَائِلِ.
وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ بَيَانُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إِظْهَارِ سَائِرِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَظْهَرَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا طَلَبُوهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الِاقْتِرَاحَاتِ التَّشَدُّدَ فِي طَلَبِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُمُ الدَّفْعُ وَالْمَنْعُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي صَوْنِ مَنَاصِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنَ الْمُتَابَعَةِ لِلْغَيْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ وَسَلَّطَ الْبَلَاءَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَزَالَهَا عَنْهُمْ وَأَبْدَلَ تِلْكَ الْبَلِيَّاتِ بِالْخَيْرَاتِ، فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّكْذِيبِ وَالْجُحُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ الَّتِي طَلَبُوهَا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَوَابٌ قَاطِعٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ أَسْبَابُ الرَّفَاهِيَةِ وَطِيبِ الْعَيْشِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ تَمَرَّدَ وَتَكَبَّرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [الْعَلَقِ: ٦، ٧] وَقَرَّرَ تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، فَإِقْدَامُهُمْ عَلَى طَلَبِ الْآيَاتِ الزَّائِدَةِ وَالِاقْتِرَاحَاتِ الْفَاسِدَةِ، إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ وَالْخَيْرَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَقَوْلُهُ: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُزِيلُ عَنْهُمْ تِلْكَ النِّعَمَ، وَيَجْعَلُهُمْ مُنْقَادِينَ لِلرَّسُولِ مُطِيعِينَ لَهُ، تَارِكِينَ لِهَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ، واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً كَلَامٌ وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِيصَالُ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّه تَعَالَى لَا تُذَاقُ بِالْفَمِ، وَإِنَّمَا تُذَاقُ بِالْعَقْلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُودِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ حَقٌّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الزَّجَّاجُ (إِذَا) فِي قَوْلِهِ: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً للشرط وإِذا فِي قَوْلِهِ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الرُّومِ: ٣٦]
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي