وقوله تعالى: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه [قال المفسرون: يعني قل لهم: إن قولكم هلا أنزل عليه آية غيب، وإنما الغيب لله] (١) لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك، وهل يفعله أم لا، وإن فعله متى يفعل (٢)؟ وهذا على التسليم أنه مما لا يعلمه العباد فيجب أن يوكل إلى علام الغيوب (٣).
وقوله تعالى: فَانْتَظِرُوا أي نزول الآية إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزولها.
٢١ - قوله تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ، قال ابن عباس وغيره: يعني كفار مكة (٤) رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ يعني مطرًا وخصبًا وغنى من بعد قحط وبؤس وفقر، قال أهل المعاني: قيل: أذقناهم رحمة، على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة (٥).
وقوله تعالى: إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا، قال عطاء وابن عباس:
(٢) انظر معنى هذا القول في: "تفسير الطبري" ١١/ ٩٩، والثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧.
(٣) في (م): (الغيب).
(٤) رواه عن ابن عباس بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص ٢٢١، وهو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" ١٣٦ ب، وبه قال الثعلبي ٧/ ١٠ أ، والبغوي ٤/ ١٢٧، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" ٣/ ٢٨٤، وغيرهم، لكنهم لم يخصوا كفار مكة، بل قال أبو حيان في "البحر المحيط" ٥/ ١٣٦: وهذه وإن كانت في الكفار فهي تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه، ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير. وسبقه إلى ذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٧/ ١٢٣.
(٥) لم أقف عليه.
(قول بالتكذيب في آياتنا) (١).
وقال مجاهد: (استهزاء وتكذيب) (٢)، وعلى هذا، الآيات يراد به (٣) القرآن، والمعني أنهم إذا أخصبوا بطروا وكذبوا بالقرآن، وسمي تكذيبهم بآيات الله مكرًا؛ لأن المكر صرف الشيء عن وجهه على طريق الحيلة فيه، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون إليه السبيل من شبهة أو تخليط في مناظرة أر غير ذلك من الأمور الفاسدة.
وقال مقاتل (٤): يعني لا يقولون هذا رزق الله، إنما يقولون سقينا بنوء كذا، وعلى هذا، المراد بالآيات: إذاقة الرحمة والخصب بعد القحط، وإنزال المطر بعد الجدوبة.
قال أبو إسحاق: قوله تعالى: إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ جواب الجزاء، وهذا كقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] المعنى: وإن تصبهم سيئة قنطوا، وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ (٥) مكروا، فـ (إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل (٦)، وكما تنوب الفاء، وزاد
(٢) رواه ابن جرير ١١/ ٩٩، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٣٨، والثعلبي ٧/ ١٠ ب، والبغوي ٤/ ١٢٧، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٤٢.
(٣) هكذا في جميع النسخ بالتذكير.
(٤) هو: ابن حيان كما في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٠ ب، وابن الجوزي ٤/ ١٨.
(٥) ألحق محقق "معاني القرآن" بالجملة قوله تعالى: رَحْمَةً وأشار إلى أنها زيادة يقتضيها السياق، وليست بالنسخ الخطية للكتاب.
(٦) اهـ. كلام الزجاج، "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢.
الفراء فقال: وكذلك يفعلون بـ (إذ) كقول الشاعر (١):
| بينما هن بالأراك معًا | إذ أتى راكب على جمله |
| بينا تَبغّيه العشاء وطوفه | سقط العشاء به على سرحان (٣) |
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا، قال عطاء: أسرع نقمة (٥)، والمعنى جزاءً على المكر، وذلك أنهم جعلوا جزاء النعمة المكر مكان الشكر، فقوبلوا بما هو أشد، وتأويل قوله: أَسْرَعُ مَكْرًا أن ما يأتيهم من العقاب (٦) أسرع في
(٢) هو: عبد الله بن عثمة الضبي كما في "الأيام والليالي والشهور" للفراء ص ٦٢، "لسان العرب" (قمر) ٦/ ٣٧٣٦، "شرح أبيات معاني القرآن" ص ٣٧٧، ولصدر البيت رواية أخرى هي:
أبلغ عثيمة أن راعي إبله... سقط................ إلخ
(٣) اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" ١/ ٤٥٩.
(٤) اقتصر في هذا الموضع ما نصه: وإن تصبهم سيئة يعني شدة وبلاء، وبما قدمت أيديهم، أي بما عملوا من السيئات، إذا هم يقنطون (إذا) جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: (إذا هم يقنطون) في موضح قنطوا.
(٥) لم أعثر على مصدر قوله.
(٦) في (ى): (العذاب).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي