وكلمة الحسنى مثلها مثل قولنا: «امرأة فُضْلى» ونقول أيضاً: امرأة كبرى، وهي أفعل تفضيل، أي: مبالغة في الفضل.
والمقصود بقوله سبحانه: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى أي: بالغوا في أداء الحسنات، والحسنة كما نعلم بعشرة أمثالها، وهنا يقول الحق سبحانه: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ فما هذه الزيادة؟
نقول: هي عطاء زائد في الحسنات، فهناك «كادر» للجزاء بالحسنات، يبدأ بعشرة أمثال الحسنة ويصل إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة
فبواحدة. وهذا «الكادر» لا يحدد فضل الله تعالى، بل الحق سبحانه يزيد من فضله مَنْ يشاء.
ولذلك يجب ألا نفرق بين عدل الله سبحانه في أن الشيء يساوي الشيء، وفضل الله تعالى في أن يجزى على الشيء الحسن بأضعاف أضعاف ما نتصور.
والحق سبحانه يقول: قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [يونس: ٥٨].
وقال قوم من العارفين بالله: إن الزيادة المقصودة هي في العشرة الأمثال والسبعمائة ضعف، والفضل هو ما فوق ذلك.
وهكذا تتعدد مراتب الجزاء: فهناك العشرة الأمثال، والسبعمائة ضعف، والحسنى، والزيادة عن الحسنى، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ذلك: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم. فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عَزَّ وَجَلَّ».
ثم يقول الحق سبحانه: وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أي: لا يغطي وجوههم غبار، وهو سبحانه القائل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢٢٣].
وهو سبحانه القائل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس: ٤٠٤١].
وترهقها: أي تغطيها، وقترة تعني: الغبار، وهي مأخوذة من القُتار وهو الهواء الذي يمتلىء بدخان الدُّهْن المحترق من اللحم المشوي، وقد تكون رائحته أخَّاذة ويسيل لها اللعاب، ولكن مَنْ يوضع على وجهه هذا القتار يصنع له طبقة سوداء.
ويقول الحق سبحانه: وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ [يونس: ٢٦].
لأنهم اتقوا الله سبحانه وأحبوا منهجه.
ويقول الحق سبحانه: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦].
فليس المقصود هو لون الوجه في الدنيا؛ لأنك قد تجد إنساناً أسود اللون لكنه بالإيمان قد أشرق وجهه، وأحاطت ملامحه هالة من البهاء. وهناك من هو أبيض الوجه ولكنه من فرط معصية الله صار وجهه بلا نور.
ويقول الحق سبحانه: أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس: ٢٦].
أي: أنهم ملازمون للجنة ملازمة الصاحب لصاحبه، أو «أصحاب الجنة» أي: مَنْ يملكونها.
يقول الحق سبحانه بعد ذلك:
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي