ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وبعد أن كشف-سبحانه- المسألة وما سوف يحدث في الآخرة، وخوفهم وبشع لهم ما سوف ينتظرهم من مصير إن ظلوا على الكفر ؛ لعلهم يرتدعون( ١ )، ويتذكرون ضرورة العودة على عبادة الإله الحق سبحانه، يأتي الحق سبحانه وتعالى بما يعيد إليهم رشد الإيمان في نفوسهم، فيقول : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله( ٢ ) فقل أفلا تتقون( ٣١ ) :
أي : أن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : اسألهم هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا من يثق في أن المسئول لو أراد في ذهنه كل الأجوبة، فلن يجد جوابا غير ما عند السائل.
ومثال ذلك من حياتنا-والله المثل الأعلى- إن جاء لك من يقول : أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله : من جاء لك بهذه الملابس وذلك القلم ويطعمك ويعلمك ؟ سيقول لك : أبي.
وأنت تسأل هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أراد كل الأجوبة فلن يجد جوابا إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى ؛ لأنك لو كنت تعرف أنه سوف يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة.
والحق سبحانه وتعالى قال في بداية هذه الآية الكريمة : قل كما أنزل عليه مثيلاتها مما بدئ بقوله سبحانه : قل مثل قوله سبحانه : قل هو الله أحد( ١ ) [ الصمد ] : وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائما للخلق، ويختلف عن خطاب الخلق للخلق، فحين تقول لابنك :" اذهب إلى عمك، وقل له كذا ". فالابن يذهب إلى العم ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له : قل ، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلغنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نزل قل فالرسول صلى الله عليه وسلم أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن يبلغها للبشر، وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي أمره، فهو يبلغ ما أمر، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه.
وكذلك أمر الحق-سبحانه-هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول : من يرزقكم من السماء والأرض.. ( ٣١ ) [ يونس ] : ونحن نعلم أن الرزق هو ما ينتفع به، والانتفاع الأول مقوم حياة، والثاني ترف أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ونبات يخرج من الأرض( ٣ ).
وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة مقدما، فلم يقل لرسوله صلى الله عليه وسلم :" أجب أنت " بل ترك لهم أن يجيبوا بأنفسهم.
وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر : أمن يملك السمع والأبصار.. ( ٣١ ) [ يونس ] :
والسمع والبصر هما السيدان لملكات الإدراك ؛ لأن إدراك المعلومات( ٤ ) له وسائل متعددة، إن أردت أن تدرك رائحة ؛ فبأنفك، وإن أردت أن تدرك نعومة ؛ فبلمسك وببشرتك، وإن أردت أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإن أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان، وإن أردت أن تسمع فبأذنك.
وكذلك تتجلى لك المرائي( ٥ ) بعينك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس ؛ لتكون أشياء نسميها الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلا جذابا، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه ؛ فلا يقرب منها أبدا من بعد ذلك ؛ لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة، واستقر هذا لديه يقينا.
وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية.
إذن : فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان ؛ فتصبح عقائد.
إذن : فمراحل الإدراك هي : إدراك حسي، وتفكر عقلي، فانتهاء عقدي ؛ ولذلك نسمي الدين عقيدة. أي : أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة لا تحله بعدها من جديد لتحلله، فهذا يسمى عقيدة.
ولذلك حينما أراد الله-سبحانه وتعالى-أن يقص علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية ؛ ليربي الإنسان ومعلوماته، قال الحق سبحانه : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون( ٧٨ ) [ النحل ]، لذلك يقال :" كما ولدته أمه "، أي : لم يعط القدرة على استخدام حواسه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادرا على استخدامها.
ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر ؛ لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع البلاغ بمنهج الله سبحانه وتعالى من الرسل.
وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- إلى العجائب فقال :" أعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم " ( ٦ ).
فالصوت يطرق عظمة الأذن، ويرن على طبلتها، ونرى بشحمة( ٧ ) العين، وننطق بلحمة اللسان.
وأضاف البعض :" ونشم بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين ". فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك.
وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث حين تكلم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة.
وهذا يعني أن هناك حواسا أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البين بين، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذاك، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين( ٨ ).
وكذلك حاسة العضل التي تزن ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلا ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل يختلف عن إجهاد حمل ثقل آخر.
وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا :" النظائر حين تخالف فلا بد من علة للمخالفة " فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك " السمع "، وقال في آلة الثانية " الإبصار " ؟، ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأت بالاثنين على وتيرة( ٩ ) واحدة ؟
فنقول : إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان، وأنت حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة، فإن أردت أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه بعينيك إلى اليمين، وإن أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغير من وقفتك، فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة ؛ لترى ما تريد.
وأيضا فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شيء، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين.
وجاء الحق- سبحانه وتعالى- بالسمع أولا ؛ لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالبا. وهنا يقول الحق سبحانه : أمن يملك السمع والأبصار.. ( ٣١ ) ]يونس ] : والحق سبحانه يملكها ؛ لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يعطلها، وقد أعطانا الحق مثالا لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف : فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا( ١١ ) [ الكهف ] : فعطل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعا.
كيف حدث هذا ؟.. إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو ليلة، ولذلك عندما بعثهم الله تساءلوا فيما بينهم : قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم.. ( ١٩ ) [ الكهف ] : ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت جدا، وبل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيبا وكهولا، ولذلك قال الحق سبحانه : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا.. ( ١٧ ) [ الكهف ].
ونلحظ هنا ملحظا يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه : أمن يملك السمع والأبصار.. ( ٣١ ) [ يونس ]، بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة : وجعل لكم السمع والأبصار.. ( ٩ ) [ السجدة ] : ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين " الخلق " و " الجعل "، و " الملك "، فالحق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله-تعالى-أمر ملزم في العقيدة، ومعروف، أما " الجعل "، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته.
فأنت تجعل الطين إبريقا، والقماش جلبابا، هذا على المستوى البشري، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولا، ثم جعل من المادة سمعا وبصرا، وزاد من بعد ذلك أمن يملك ، فمن خلق هو الله تعالى، ومن جعل هو الله تعالى، ومن ملك هو الله تعالى.
وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه، ويجعلها، ثم يملكها له.
أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خلقت في الإنسان، وجعلت له للانتفاع بها، ولكنها ستظل ملكا لله، يبقيها على حالها، أو يخطفها أو يصيبها بآفة، أو يعطلها( ١٠ ).
إذن : فهي خلقت لله، وجعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ويصيرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللاإرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله.
والحق سبحانه-على سبيل المثال- جعل لكل حيوان جلدا ؛ ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين : جلد الإنسان وجلد الخنزير، وقد حرم استخدام جلد الإنسان ؛ لكرامته عند خالقه، وحرم استخدام جلد الخنزير ؛ ليدل على حرمته ونجاسته.
وعلينا أن ننتبه إلى أن الحق سبحانه قد خلق وجعل وملك، ودليل ملكية الحق- سبحانه وتعالى- أنه حرم الجنة على المنتحر( ١١ ) ؛ لأنه لا يأخذ الحياة إلا واهب الحياة، فأنت أيها الإنسان لست ملك نفسك. ولا عذر لأحد ما دام قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لا يستوعب ؛ فيلقى مصيره.
لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو-سبحانه-الذي يملك.
ثم يقول الحق سبحانه : ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. ( ٣١ ) [ يونس ]، ونحن نعلم أن لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه : كل شيء هالك إلا وجهه.. ( ٨٨ ) [ القصص ] : وما دام كل شيء سيأتي له وقت يهلك فيه، فمعنى ذلك أن لكل شيء حياة، إلا أن حياتنا نحن في ظاهر الأمر عبارة عن الحس والحركة، والإنسان يأكل الخضروات والخبز والفاكهة، ومن هذه المأكولات وغيرها يكون الجسم الحيوانات المنوية في الرجل، والبويضات في المرأة، ومنهما يأتي الإنسان، وكذلك يخرج الكتكوت من البيضة المخصبة ؛ لأن البيضة غير المخصبة لا تخرج كتكوتا ؛ فهي بدون حياة ؛ ولذلك لا يتكون منها جنين، فهنالك فرق بين قابلية الحياة، وبين الحياة نفسها.
وكذلك نواة التمرة، إذا ما ألقيت دون أن توضع في الأرض، فلن تكون نخلة أبدا، ولكن إذا ما زرعت في الأرض، ووجدت لها البيئة المناسبة ؛ خرجت نخلة.
ثم يقول الحق سبحانه : ومن يدبر الأمر.. ( ٣١ ) [ يونس ] : والتدبير هو عملية الإدارة لأي شيء ؛ حتى يؤدي مهمته، وبالله من يدير قلبك ؟ ومن يدير حركة أمعائك ؟ لتستخلص من ا

١ الارتداع: الكف عن الشيء. وترادع القوم: ردع بعضهم بعضا، فزجروهم وكفوهم عن المعاصي وإيذاء الناس.[وانظر: لسان العرب-مادة ردع]..
٢ في الآية منطق الفطرة بالتوحيد، فالكافر إذا سئل عن خلق الكون، وعن تدبير الأمر، وعن عجائب الآيات لا يجد جوابا إلا أن يقول بدافع الفطرة: الخالق هو الله، والمدبر هو الله..
٣ وهذا الرزق هو ما ذكره رب العزة في قوله تعالى:فلينظر الإنسان إلى طعامه(٢٤) أنا صببنا الماء صبا(٢٥) ثم شققنا الأرض شقا(٢٦) فأنبتنا فيها حبا(٢٧) وعنبا وقضبا(٢٨) وزيتونا ونخلا(٢٩) وحدائق غلبا(٣٠) وفاكهة وأبا(٣١) متاعا لكم ولأنعامكم(٣٢)[عبس].
٤ الإدراك يعطي الوجدان، والوجدان يعطي الاختيار، والاختيار يعطي الفكر والتأمل، وعن طريق الفكر المتأمل يكون توحيد الله..
٥ رأى يرى فهو راء، وما يقع عليه البصر فهو مرئي، والجمع: مرائى..
٦ ذكره الشريف الرضى في كتابه "نهج البلاغة"(٤/٤) طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات-بيروت..
٧ من شحمة العين: مقلتها، وقيل: حدقتها أو ما تحت الحدقة. أما شحمة الأذن فهو ما لان من أسفلها، وهو معلق القرط.[اللسان: مادة (شحم)]..
٨ وهذا غير حاسة اللمس التي ندرك بها نعومة أو خشونة هذا القماش أو ذاك، فهذا يدرك بحاسة اللمس وعادة يكون هذا بإمرار كف اليد على القماش، أما إدراك (تخانة) هذا القماش أو ذاك فيكون بإدراكه بهذه الحاسة..
٩ الوتيرة: الطريقة. مأخوذة من التواتر أي: التتابع، وجرت الأشياء على وثيرة واحدة: أي: بنفس الصفة والطريقة.[اللسان: مادة (وتر)]..
١٠ من يقول سبحانه:يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير(٢٠)[البقرة]..
١١ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". أخرجه البخاري في صحيحه (٥٧٧٨) ومسلم(١٠٩) واللفظ لمسلم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير