ﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون( ٤١ ) :
وهذه آية تضع الاطمئنان في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقل الله سبحانه :" إذا كذبوك " بل قال : إن كذبوك.. ( ٤١ ) وشاء الحق سبحانه أن يأتي بالتكذيب في مقام الشك، وأتبع ذلك بقوله للنبي صلى الله عليه وسلم : فقل لي عملي ولكم عملكم.. ( ٤١ ) أي : أبلغهم : أنا لا أريد أن أحملكم على ما أعمل أنا، إنما أريد لكم الخير في أن تعملوا الخير، فإن لم تعملوا الخير ؛ فهذا لن يؤثر في حصيلتي من عملي.
وبذلك يتضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجازى على عدد المؤمنين به، بل بأداء البلاغ كما شاءه الله سبحانه( (١) ).
وقد شاء الحق سبحانه أن ينقل محمد صلى الله عليه وسلم الخير إلى أمته، فإن ظلوا على الشر ؛ فهذا الشر لن يناله لأن خير البلاغ بالمنهج يعطيه صلى الله عليه وسلم خيرا، لأنه يطبقه على نفسه، وشر الذين لا يتبعونه إنما يعود عليهم ؛ لأن الذين يتأبون على الاستجابةلأي داع إنما يظنون أن الداعي سوف يستفيد( (٢) ).
والبلاغ عن الله، إنما يطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم منهجا وسلوكا ويجازى عليه( (٣) ). فلا يجوز الخلط في تلك المسائل لي عملي ولكم عملكم.. ( ٤١ ) .
ثم يقول الحق سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون.. ( ٤١ ) [ يونس ] : وكلمة بريء تفيد أن هناك ذنبا، وهذا القول الحق فيه مجاراة للخصوم، وشاء الحق سبحانه أن يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أدب الحوار والمناقشة، فيقول : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين( ٢٤ ) [ سبأ ]. أي : أننا-الرسول ومعه المؤمنون-وأنتم أيها الكافرون إما على هدى، أو في ضلال. والرسول صلى الله عليه وسلم موقن أنه على هدى وان الكافرين على الضلال، ولكنه يجاريهم ؛ عدالة منه صلى الله عليه وسلم ومجاراة لهم.
كذلك يعلمه ربه سبحانه أن يقول : قل لا تسألون عما أجرمنا.. ( ٢٥ ) [ سبأ ] : أي : أنه يبين لهم : هبوا أني أجرمت فأنتم لن تسألوا عن إجرامي، ومن أدب الرسول صلى الله عليه وسلم شاء له الحق سبحانه أن يقول : ولا نسأل عما تعملون( ٢٥ ) [ سبأ ]
ولم يقل :" ولا نسأل عما تجرمون ". وكذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون.. ( ٤١ ) [ يونس ].

١ ومما يدل على هذا أن نوحا مكث في قومه يدعوهم ألف سنة غلا خمسين عاما، ورغم هذا قال عنه رب العزة:وما آمن معه إلا قليل..(٤٠)[هود] واختلفوا في عدة من آمن معه بين عشرة أنفس، وثمانين نفسا من بينهم أبناؤه. انظر تفسير ابن كثير (٢/٤٤٥)..
٢ ولذلك كان نوح يقول لقومه:ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله..(٢٩)[هود]، وهود يقول لقومه عاد:يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون(٥١)[هود] وهكذا قال صالح لقومه ثمود:وما أسألكم عليه من أجر إن اجري إلا على رب العالمين(١٤٥)[الشعراء]ن ولوط لقومه:وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين(١٦٤)[الشعراء]، وشعيب لقومه أهل مدين:وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين(١٨٠)[الشعراء]..
٣ فالرسول مكلف ببلاغ ما أرسل به، لا يزيد ولا ينقص، ولذلك يقول رب العزة عن نبيه صلى الله عليه وسلم:ولو تقول علنا بعض الأقاويل(٤٤) لأخذنا منه باليمين(٤٥) قم لقطعنا منه الوتين(٤٦) فما منكم من أحد عنه حاجزين(٤٧)[الحاقة]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير