ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل(١) لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ( ٥ ) :
وبعد أن بين لحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى سببا لقوام(٢) الحياة ؛ فالشمس هي التي تنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه-كما قلنا من قبل- لينزل الماء بعد ذلك عذبا فراتا(٣)، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه الأنعام ونروي به الزرع.
والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا :
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ولو نظرت إلى المعنى السطحي في الشمس والقمر لقلت : إن الشمس تعطي نورا وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفّرق بين الإثنين ؛ فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نورا. الفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنوء إنارة حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم ؛ فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها.
إذن : فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيّا من المضيء مثل الشمس. أما القمر فضوئه غير ذاتي ويكتسب ضوئه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضا من الضوء فهي تعكسه.
إذن : القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا : جعل الشمس ضياء والقمر نورا .
وكلمة ضياء إما أن تعتبرها مفردا مثل صام صياما، وقام قياما، وضاء ضياء. وإما أن تعتبرها جمعا، ومثلها مثل حوض-جمعه : حياض، ومثل روض-جمعه : رياض، وكذلك جمع ضوء هو ضياء.
إذن : كلمة ضياء تصلح أن تكون جمعا وتصلح أن تكون مفردا، وحين يجيء اللفظ صالحا للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ ؛ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله، كنا نقول : إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر، وغيرها(٤).
إذن : ف " ضياء " تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت : ضياء جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت : ضياء مثل قيام، ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام.
ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لنزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال القرآن هذه الحقائق، لقال واحد : إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت، الغروب هي حمرة في الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلا حين الغروب حيث تكون الشمس في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع في الكون ولا تصل إلينا.
إذن : كلمة ضياء ، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة.
هذه صالحة للمعنى العام، وتلك صالحة للمعنى التحليلي ؛، ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى : تبارك الذي جعل في السماء بروجا(٥) وجعل فيها سراجا(٦) وقمرا منيرا ( ٦١ ) ( الفرقان ) : والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب للشمس. وهنا يقول الحق :{ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ، وكلمة وقدره تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل(٧) أيضا، وقال الحق : وقدّره لأن هناك شيئا اسمه " الجعل " (٨)، فهو سبحانه جعل الشمس ضياء، و جعل القمر نورا.
إذن : فالجعل جاء بأمرين اثنين ؛ جعل للشمس ضياء وجعل للقمر نورا، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، فهو صالح للاثنين ؛ للشمس وللقمر ؛ لنعلم عدد السنين والحساب.
وفي العبادات نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان(٩)، لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد أشهر الحج(١٠)، وكذلك تحتاج المرأة مثلا إلى حساب شهور العدة(١١)، وكل هذه التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيرا ويكبر ثم يصغر. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون(١٢) القديم ( ٣٩ ) ( يس ) : و " العرجون " هو ما نسميه " السباطة " (١٣) التي تحمل " شماريخ " البلح، وكانوا يصنعون منها قديما المكانس التي يكنسون بها بيوتا البادية والريف، وهكذا أعطانا الله تشبيها من البيئة التي عاش فيها العربي القديم.
وفي أول كل شهر كلنا نرى الهلال كعلامة مخبرة عن ميلاد الشهر، وهكذا تعلّم الإنسان أن يحسب الشهور بتقدير منازل القمر، وبالنسبة للسنة ؛ فالحق سبحانه يقول :
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض... ( ٣٦ ) ( التوبة ) : والتقدير هنا اثنا شهرا هلاليّا. أما اليوم فيقدر بالشمس ؛ لذلك فهي تدخل في تقدير المنازل. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد شاء أن يجعل " الجعل " لأمرين ؛ مجعول الشمس، ومجعول القمر، مصداقا لقوله : وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق .
والحق-كما واضحا- هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وحين نتأمل مسار الأفلاك(١٤)، ومسار الشمس، مسار القمر، لا نجد فيها خلافا، بل نجد مراصد الكفار تعلن مواعيد تواجد القمر بين الأرض والشمس، وقد توجد الأرض بين القمر والشمس، ويتسبب هذا في ظاهرتي الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وكل هذه الأمور تجدها عندهم غاية في الدقة.
ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( ٤٠ ) ( يس ) : وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكما يعتقدونه، ونفي حكما آخر يعتقدونه، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار، فلا بد من حكم مقابل ؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل.
وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب، ونفي القرآن أن يسبق الليل والنهار. وكان المخاطب-إذن-يعتقد أن الليل يسبق النهار، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل.
وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضا رمزيّا في القرآن ؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكذب العرب القرآن، فلو قال القرآن بصريح العبارة : إن الأرض كروية، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين ؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي لها.
وما دام الليل لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق الليل، فكيف جاء هذا الأمر-إذن ؟
ونقول : هل خلق الله الشمس مواجهة لسطح الأرض أولا، ثم غابت الشمس فجاء الليل ؟ كان هذا الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معا، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهارا، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلا، ثم تدور الأرض ؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلا، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهارا.
إذن : فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونية-التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن-وعالجها بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق :
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة... ( ٦٢ ) ( الفرقان )، ثم يأتي التعليل :{ لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( ٦٢ ) ( الفرقان ).
فالليل خلفه النهار، ومعنى خلفة أي : يخلف غيره. والمثال من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنسانا يحرس موقعا ما مدّة ست ساعات مثلا- وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك يخلف واحد الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي ليتسلم منه دورية الحراسة ؟
وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبين الحق سبحانه أن الليل والنهار خلفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان موجودا من البدء ولأن الأرض تدور جاء النهار في البلاد التي تشرق فيها الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل والنهار. وهكذا فصّل الحق سبحانه آياته لنا، وقال سبحانه : يفصل الآيات لقوم يعلمون (١٥).
٢ قوام كل شيء: أي: ما يقوم به، وعماد كل شيء ونظامه. ومنه قوله تعالى:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما (٥) (النساء) أي: تقوم بها معايشكم من التجارات وغيرها..
٣ الفرات: الماء الشديد العذوبة. يقال: ماء فرات، ونهر فرات. قال تعالى:وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات (٥٣) (الفرقان) وقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه (١٢) (فاطر)، وقال:{وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (٢٧) [المرسلات]. [المعجم الوسيط: مادة (فرت)]..
٤ ضياء تصلح للإفراد باعتبار أن الضياء مصدر ألوان الطبيعة، وتصلح باعتبار الألوان المنبثقة من الضياء، وهذه إشارة لأسرار الله في كونه..
٥ من معاني البروج: الكواكب والنجوم والقصور، وبرج (أبراج) الفلك وهي اثنا عشر برجا تبدأ بالحمل. قال تعالى:{والسماء ذات البروج(١) (البروج) وقال:ولقد جعلنا في السماء بروجا (١٦) (الحجر) وقال: {واو كنتم في برومج مشيدة (٧٨) [النساء]. [اللسان: مادة (برج)]..
٦ السراج: المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل، ووصفت الشمس بالسراج، لأنها سراج النهار، أي: مصباحه ومصدر نوره. قال تعالى:وجعلنا سراجا وهاجا (١٣) (النبأ) وقال:وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (١٦) (نوح) (اللسان: مادة (سرج).
٧ قال تعالى:وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى(٢) (الرعد)، وقال:والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (٣٨) (يس)، وقال:الشمس والقمر بحسبان(٥) (الرحمان)..
٨ جعل: خلق أو صيّر. قال تعالى:وجعلنا من الماء كل شيء حي (٣٠) (الأنبياء) وقال:فجعلهم كعصف مأكول (٥) (الفيل) وقال:وجعلنا نومكم سباتا(٩) وجعلنا الليل لباسا(١٠) وجعلنا النهار معاشا (١١) النبأ.(اللسان: مادة (جعل).
٩ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له" أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٨٠).
١٠ شهور الحج هي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. قال ابن عمر رضي الله عنهما: أشهر الحج شوال وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة (فقه السنة ١/٤٦٢) وقيل شهر ذي الحجة بتمامه..
١١ العدة: مأخوذة من العدد والإحصاء، أي: ما تحصيه المرأة وتعده من الأيام والإقراء. وهي أنواع بحسب حال المرأة، فإن كانت زوجة غير مدخول بها، فلها حالتان، وإذا طلقت فلا عدة عليها، أما إن مات زوجها فعليها العدة أربعة أشهر وعشرا. أما إن كان مدخولا بها، فإما أن تكون ممن يحضن، فتكون عدتها ثلاثة قروء، وإما أن تكون ممن لا يحضن، فتكون عدتها ثلاثة أشهر. أما عدة الحامل فهي بوضع الحمل، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها زوجها. انظر تفصيل هذا في فقه السنة سيد سابق (٢/٣٤١، ٣٥٠)..
١٢ العرجون: العذق اليابس أو الغصن الجاف، قال ابن عباس: العرجون هو أصل العذق وهو العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى. والقمر في آخر الشهر يكون صغيرا وبشبه العرجون(اللسان: مادة (عرجن)).
١٣ المراد بالسباطة: جريد النخل اليابس..
١٤ الفلك: مدار النجوم. وفلك كل شيء: مستداره ومعظمه. قال تعالى:كل في فلك يسبحون(٣٣) (الأنبياء) (اللسان: مادة (فلك).
١٥ فصل عن المكان من باب ضرب: جاوزه قال تعالى:ولما فصلت العير(٩٤) (يوسف) والفصال: الفطام، قال تعالى:وفصاله في عامين(١٤) (لقمان) والفصل: التميز. ويوم الفصل: يوم القيمة. وفصل الخطاب: القول الصائب المميز بين الحق والباطل، قال تعالى:إن يوم الفصل كان ميقاتا (١٧) (النبأ)، وفصل الشيء جعله أقساما متميزة قال تعالى:وكل شيء فصلناه تفصيلا (١٢) الإسراء) وقال تعالى:آيات مفصلات (١٣٣) (الأعراف) أي: مبينات ومنه قوله تعالى:{يفصل الآيات لقوم يعلمون(٥) (يونس) القاموس القويم: ص ٨٢، ٨٣..
تفسير الشعراوي
الشعراوي