٢- مصدر التشريع هو الله عز وجل، وحق التحليل والتحريم لله، لا لأحد سواه من الخلق ولو كان نبيا أو رسولا، فإن كانت الأحكام من الله تعالى فهو المراد بقوله: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ وإن كانت ليست من الله، فهي افتراء، وهو المراد بقوله تعالى: أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ.
٣- توبيخ من تجرأ على تبعيض الأحكام الشرعية، فجعل بعضها حلالا، وبعضها حراما. وهذا أيضا تنديد بمن يتهاون في الفتوى، ولا يحتاط في وصف الأحكام، فيحلل أو يحرم برأيه دون تثبت ولا تيقن.
٤- وعيد من يفتري على الله الكذب، فينسب الحكم إليه، وهو منه براء.
٥- معاقبة المفترين يوم القيامة على جريمة افتراء الكذب على الله.
٦- الله تعالى صاحب الفضل العظيم على الناس بإعطاء العقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل التحليل والتحريم إليه دون سواه، وجعل الأصل في المنافع والأرزاق والأشياء والأعيان الإباحة.
٧- أكثر الكفار لا يشكرون الله على نعمه، ولا على تأخير العذاب عنهم.
إحاطة علم الله تعالى بجميع شؤون العباد وأعمالهم وبكل الكائنات
[سورة يونس (١٠) : آية ٦١]
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)
الإعراب:
وَما تَتْلُوا مِنْهُ الهاء تعود على «الشأن» على تقدير حذف المضاف، وتقديره: وما تتلو من أجل الشأن من قرآن، أي: يحدث لك شأن فتتلو القرآن من أجله. ومن: تبعيضية، أو مزيدة لتأكيد النفي. وإضمار القرآن قبل التصريح به تفخيم له أو لله عز وجل.
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ النصب فيهما على أن لا نافية، وأَصْغَرَ اسمها، وفِي كِتابٍ: خبرها وهذا كلام مستقل بنفسه، مقرر لما قبله. ويجوز الرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه، أو على العطف على محل: مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ وتقديره: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز الجر، مراعاة للفظ مِثْقالِ لأن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في اللفظ مجرور. وفِي كِتابٍ مُبِينٍ موضع الرفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو في كتاب مبين.
المفردات اللغوية:
وَما تَكُونُ يا محمد، وما: نافية، أي لست في شأن من عبادة أو غيرها إلا والربّ مطلع عليك. شَأْنٍ أمر مهم عظيم وَما تَتْلُوا مِنْهُ من الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بل هو معظم شأنه، أو ما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له. أو من الله عز وجل وَلا تَعْمَلُونَ أنتم جميعا أيها المؤمنون (الأمة والنبي) وهو تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم شُهُوداً شاهدين رقباء نحصي عليكم إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ أي تندفعون فيه وتخوضون أو تأخذون في العمل وَما يَعْزُبُ وما يبعد عنه وما يغيب عن علمه مِثْقالِ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة أو هباء فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي في الوجود والإمكان إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بيّن وهو اللوح المحفوظ.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن القليل من الناس شاكرون نعم الله بدوام طاعته وترك معصيته، ذكّرهم بأن علمه محيط بجميع شؤونهم وأعمالهم صغيرها وكبيرها، وبكل الموجودات والكائنات كلها في السموات والأرض، حتى يحملهم ذلك على الطاعة والشكر والعبادة وتجنب المعصية لأنه إذا كان الحق تعالى عالما بكل شيء، سرّ الطائعون، وهدّد المذنبون.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل لحظة.
وما تكون أيها الرسول في أي أمر من أمورك الخاصة أو العامة، وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك، لنشر الدعوة بين الناس إلا ونحن شهود عليكم.
وفي التعبير بالشأن دليل على أن جميع أموره صلى الله عليه وسلّم كانت عظيمة، حتى العادات لأنه قدوة حسنة للمؤمنين. وبعد أن خصه الله بأمرين وهما وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ووَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ خاطب جميع الأمة التي هو رأسها.
وضمير مِنْهُ إما عائد إلى الشأن، وإما إلى القرآن أي وما تتلو من القرآن من قرآن لأن القرآن اسم للمجموع واسم لكل جزء من أجزاء القرآن، والإضمار قبل الذكر يدل على التعظيم، وإما إلى الله أي وما تتلو من قرآن نازل من عند الله.
وَلا تَعْمَلُونَ.. أي ولا تعملون أيتها الأمة أي عمل صغير أو كبير، خير أو شر، وأي عمل كان، إلا كنا عليكم شاهدين رقباء مطلعين، نحصي عليكم، وسنجازيكم عليه.
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ أي تندفعون وتأخذون فيه، أي في ذلك الشيء.
وما يبعد عن الله ولا يغيب عن علمه أي شيء، ولو كان مثقال ذرة أي وزن أصغر نملة أو هباء، وبه يضرب المثل في الصغر والخفة، ولا أصغر من الذرة أي أجزاء الذرة، وهذا يشير إلى نظرية أو مبدأ تحطيم الذرة واكتشاف جزيئاتها،
ولا شيء أكبر من ذلك، كالعرش الذي هو أعظم المخلوقات، إلا وهو معلوم له، ومحصى معروف في كتاب عظيم الشأن وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها.
وفي هذا دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبّرات، كأجزاء الذرة والجراثيم، ويحتاج تكبيره إلى مئات أو آلاف المرات. كما أن هناك أشياء كبيرة جدا، أكبر من السموات والأرض، وما فيهما، فإن بعض النجوم أكبر من الشمس والأرض والقمر بملايين المرات، والعرش أعظم المخلوقات.
ونظير الآية قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام ٦/ ٥٩] أي أنه تعالى يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة، وكل ما هو موجود في طبقات الأرض، وأجواء السماء.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن كل من يتأمل في مدلول هذه الآية- ولا يتأمل فيها بحق إلا عالم مؤمن، واسع العلم والأفق والنظر- فيجد سعة علم الله الشامل، ورصده لكل شيء في الوجود، وأعمال جميع الكائنات الحية، والناس قاطبة في البر والبحر والجو، يسيطر عليه الخوف والرهبة، ويمتلئ قلبه اليقين بعظمة الله تعالى، ويدرك أن جميع أعماله محصية عليه، سواء أكانت صغيرة حقيرة أم كبيرة جليلة.
ولو قيل: إن شاشة كبيرة من التلفاز (الرائي) تصوّر جميع حركات الإنسان على أشرطة مسجلة في منزله وغيره، وفي تنقلاته كلها، وإن ما يرتسم على هذه الشاشة وما يسجل فيها من أصوات، سيعرض على حاكم الدولة،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي