ويقول الحق سبحانه :
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم( ٦٤ ) :
والبشرى( ١ ) : من البشر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي الجلد ؛ لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا جئت للإنسان بأمر سارّ تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان بخبر سيّء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث السارة أو المؤلمة.
وحين يقال :" بشرى " فهذا يعني كلاما إذا سمعه السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور ؛ لأنه كلام مبشّر بخير.
وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البشرى، قال :" إنها الرؤية الصالحة ترى للمؤمن أو يراها "، وقال صلى الله عليه وسلم :" إنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ( ٢ ).
وقد أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا ستة أشهر، وأوحى إليه في اليقظة ثلاثة وعشرين عاما، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين عامان تجد أن الستة أشهر تمثل جزءا من ستة وأربعين جزءا.
والرؤيا ليست هي الحلم ؛ لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهارا، وليس للشيطان فيه دخل.
والمثل العامي يقول :" الجوعان يحلم بسوق العيش " فإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس الرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئا يخالف منهج الله، فهذه قذفة من الشيطان( ٣ ). إذن : فهنالك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث الأحلام( ٤ ).
البشرى- إذن- هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تشعر خلق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحدا أحبه الله تعالى في السماء، فيقول الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام :{ إني أحب فلانا فأحبّه. قال : فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال : ثم يوضع له القبول في الأرض " ( ٥ ).
وساعة تراه مكتوبا له القبول، فالكل يجمعون على أن في رؤيتهم لهذا المحبوب من السماء سمتا طيبا، وهذه هي البشرى.
أو أن البشرى تأتي لحظة أن يأتي ملك الموت، فيلقي عليه السلام، ويشعر أن الموت مسألة طبيعية، مصدقا لقول الحق سبحانه : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون( ٣٢ ) [ النحل ].
أو ساعة يبيضّ الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة.
والحق سبحانه يقول : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون( ٣٠ ) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا.. ( ٣١ ) [ فصلت ] : إذن : فهؤلاء الأولياء( ٦ ) يتلقون من فيوضات( ٧ ) الله عليهم بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم ؛ لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه نوافل فوق الفروض ؛ لأن الفروض هي أقل القليل في التكاليف.
وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا يتناسب مع حبه لله تعالى ؛ فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلّي-بدلا من خمسة فروض- عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهرا أو اثنين، أو يصوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع.
وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الود( ٨ ) مع الله تعالى، وهنا يفيض الله سبحانه وتعالى عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي :" من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته " ( ٩ ).
وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها.
وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله : لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم( ٦٤ ) [ يونس ] : وما دام الحق سبحانه قد قال : لا تبديل لكلمات الله.. فلن تجد أحدا قادرا على ذلك، كما أن الخلق مقهورين كلهم يوم القيامة ؛ ومن كان يبيح له الله تعالى أن يملك شيئا في الدنيا لم يعد مالكا لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق سبحانه : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار( ١٦ ) [ غافر ] : وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبّى على حكم الله تعالى، والوعد بالبشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد.
٢ متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٩٧٣) ومسلم (٢٢٦٤) عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال:"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة"..
٣ ونحو ذلك رواه جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لأعرابي جاءه فقال: إني حلمت أن رأسي قطع فأنا أتبعه، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"لا تخبر بتعلب الشيطان بك في المنام" أخرجه مسلم في صحيحه(٢٢٦٨)..
٤ أضغات الأحلام: الرؤيا التي لا يمكن تأويلها لاختلاطها والتباسها، والضغث: الحلم الذي لا تأويل له ولا خير فيه، وفي التنزيل العزيز:قالوا أضغاث أحلام..(٤٤)[يوسف] أي: رؤياك أخلاط ليست برؤيا بينة،وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين(٤٤)[يوسف] أي: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل.[لسان العرب: مادة (ض غ ث)]. وهم قالوا هذا لعجزهم عن تأويلها، ولكن يوسف فسرها للملك، فلا تكون أضغاث أحلام..
٥ متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢٠٩) ومسلم (٦٢٣٧) من حديث أبي هريرة. واللفظ لمسلم، وتمامه عنده ّوإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال: فيبغضونه. ثم توضع له البغضاء في الأرض"..
٦ هؤلاء الأولياء الذين تخلوا عن المعاصي وتحلوا بالطاعات فتجلى سبحانه عليهم بالفيوضات ومن هذا الفيض القبول والرؤيا الصالحة..
٧ من عطاءات القبول باقي الآيات في قوله تعالى:نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون(٣١) نزلا من غفور رحيم(٣٢)[فصلت] وهناك عطاءات وإمدادات لا نعلمها، والله يعلمها، وهو علام الغيوب..
٨ ود: أحب. والاسم: المودة. وودود، أي: محب، يستوي فيه الذكر والأنثى.[المصباح المنير]..
٩ سيماهم: المساءة: تفيض المسرة، وأصلها: مسوأة، على مفعلة، ولهذا ترد الواو في الجمع فيقال: هي (المساوى) لكن استعمل الجمع مخففا، وبدت مساويه أي: نقائصه، والسوءة: العورة، والجمع: سوءات، وسميت سوأة لأنها بانكشافها تسوء صاحبها.[المصباح المنير].
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٠٢) وأحمد في مسنده (٦/٢٥٦) عن أبي هريرة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي