قوله تعالى : وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً الآية.
لمَّا بالغ موسى في إظهار المعجزات، ورأى القوم مُصرِّينَ على الجُحُود والعنادِ ؛ دعا عليهم، ومن حقِّ من يدعُو على الغير أن يذكُر سبب جرمه، وجرمهم : كان حُبَّ الدنيا ؛ فلأجله تركوا الدِّين ؛ فلهذا قال - عليه الصلاة والسلام - : رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا والزينة : عبارة عن الصحَّة، والجمال، واللباس، والدوابِّ، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصَّامت، والنَّاطق، وقرأ الفضل الرَّقاشي١ " أئنَّكَ آتيْتَ ".
قوله :" ليُضِلُّوا " في هذه اللاَّم ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنَّها لامُ العلَّة، والمعنى : أنَّك آتيتهُم ما آتَيْتَهم على سبيل الاستدراج، فكان الإيتاءُ لهذه العلة.
والثاني : أنَّها لامُ الصَّيرورةِ والعاقبة ؛ كقوله : فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً [ القصص : ٨ ]، وقوله :[ الوافر ]
لِدُوا للمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ ***. . . ٢
وقوله :[ الطويل ]
ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الولِدَاتُ سِخالَهَا *** كمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المسَاكِنُ٣
وقوله :[ البسيط ]
ولِلْمنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مرضِعَةٍ *** ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النَّاسُ عُمْرَانَا٤
والثالث : أنَّها للدعاء عليهم بذلك ؛ كأنه قال : ليثبتُوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونُوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصريُّ، وبدأ به الزمخشريُّ، وقد استُبعدَ هذا التَّأويلُ بقراءة الكوفيين، " لِيُضِلُّوا " بضمِّ الياء، فإنه يبعد أن يدعُو عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبيُّ٥ بكسرها، فوالى بين ثلاث كسرات إحداها في ياء.
وقال الجبائي : إنَّ " لا " مقدرةٌ بين اللاَّم والفعل، تقديره : لئلاَّ يضلُّوا، ورأي البصريين في مثل هذا تقدير :" كرَاهَةَ "، أي : كراهة أن يضلُّوا.
فصل
احتج أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنه - تعالى - يضلُّ الناس من وجهين :
أحدهما : أن اللام في " لِيضلُّوا " لام التَّعليل.
والثاني : قوله : واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ فقال - تعالى - : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا قال القاضي : لا يجوز أن يكون المرادُ من الآية ما ذكرتُم لوجوه :
الأول : لأنَّه - تعالى - منزَّهٌ عن فعل القبائح، وإرادة الكفر قبيحة.
وثانيها : أنَّه - تعالى - لو أراد ذلك، لكان الكافرُ مطيعاً لله بكفره ؛ لأنَّ الطاعة : هي الإتيان بمراد الأمر، ولو كان كذلك، لما استحقُّوا الدُّعاء عليهم.
وثالثها : لو جوَّزْنَا إرادة إضلال العباد، لجوَّزْنَا أن يبعث الأنبياء بالدُّعاء إلى الضَّلالِ، ولجاز أن يقوي الكذَّابين الضَّالين بإظهار المعجزات، وفيه هدم الدِّين.
ورابعها : أنَّه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى [ طه : ٤٤ ]، وأن يقول : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [ الأعراف : ١٣٠ ]، ثم إنَّه - تعالى - أراد الضَّلال منهم، وأعطاهم النِّعم لكي يضلُّوا، وهذا كالمناقضة، فلا بُدّ من حَمْلِ أحدهما على الآخر.
وخامسها : لا يجوز أن يقال : إن مُوسى دعا ربَّهُ بأن يُطْمِسَ على أموالهم ؛ لأجل أن لا يؤمنوا، مع تشدده في إرادة الإيمان. وإذا ثبت هذه ؛ وجب تأويلُ هذه الكلمة، وذلك من وجوه :
الأول : أنَّ اللاَّم في " لِيُضِلُّوا " : لامُ العاقبة كما تقدَّم، ولما كانت عاقبة قوم فرعون، هو الضَّلال، عبَّر عن هذا المعنى بهذا اللفظ.
الثاني : أنَّ التقدير : لئلاَّ يضلوا، كقوله : يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ [ النساء : ١٧٦ ]، فحذف لدلالة المعقُول عليه، كقوله - تعالى - : بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة [ الأعراف : ١٧٢ ]، أي : لئلاَّ تقُولُوا.
الثالث : أن يكون موسى ذكر ذلك على وجه التَّعجُّبِ المقرُون بالإنكار، أي : إنَّك أتيتهُم بذلك لهذا الغرض فإنَّهُم لا ينفقُون هذه الأموال إلاَّ فيه، كأنَّه قال : أتيتهم زينةً وأموالاً لأجْلِ أن يُضلُّوا عن سبيلك، ثم حذف حرف الاستفهام، كما في قوله :[ الكامل ]
كذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رأيْتَ بواسِطٍ *** غَلَسَ الظَّلامِ منَ الرَّبَابِ خَيَالاَ٦
والمرادُ : أكذبتك فكذا ههنا.
الرابع : أنَّ هذه لام الدُّعاء، وهي لام مكسورة تجزم المستقبل، ويفتتح بها الكلام، فيقال : ليغفرُ الله للمؤمنين، وليُعذِّب الله الكافرين، والمعنى ؛ ربنا ابتليهم بالضَّلال عن سبيلك.
الخامس : سلَّمنا أنَّها لامُ التَّعليل، لكن بحسب ظاهر الأمر، لا في نفس الحقيقة، والمعنى : أنه - تعالى - لمَّا أعطاهم هذه الأموال، وصارت سبباً لبغيهم وكفرهم، أشبهت حال من أعطى المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلامِ بلفظ التَّعليل لهذا المعنى.
السادس : أنَّ الضَّلال قد جاء في القرآن بمعنى : الهلاك، يقال : ضلَّ الماءُ في اللَّبن، أي : هلك، فقوله :" ليضلُّوا عن سبيلك " أي : ليهلكوا ويموتوا، كقوله - تعالى - : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا [ التوبة : ٥٥ ].
قال ابن الخطيب : واعلم : أنَّ الجواب قد تقدَّم مراراً، ونُعيد بعضه، فنقول : الذي يدُلُّ على أنَّ الإضلال من الله - تعالى - وجوه :
الأول : أنَّ العبد لا يقصدُ إلا حُصُول الهداية، فلمَّا لمْ تحصُل الهداية بل حصل الضَّلال الذي لا يُريده، علمنا أنَّ حصُوله ليس من العَبْدِ، بل من الله - تعالى -.
فإن قالوا : إنَّه ظنَّ هذا الضَّلال هُدًى، فلذلك أوقعه في الوُجُود فنقول : إقدامُه على هذا الجهل، إن كان بجهل سابق، فذلك الجهل السابق يكون حُصُوله لسبق جهل آخر ويلزمُ التسلسل وهو محال ؛ فوجب أنَّ هذه الجهالات والضَّلالات لا بُدَّ من انتهائها إلى جهل أوَّلٍ، وضلال أولٍ، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد ؛ لأنَّه يكرهُه ويُريد ضدَّهُ ؛ فوجب أن يكون من الله - تعالى -.
الثاني : أنَّه تعالى لمَّا خلق الخلق يُحِبُّون المال حُبّاً شديداً، بحيث لا يمكنهُم إزالة هذا الحُبِّ عن النَّفْسِ ألبتَّة، وكان حُصُول هذا الحُبِّ يوجب الإعراض عن خدمة الله وطاعته، ويوجب التَّكبُّر عليه، وترك اللُّزُوم ؛ فوجب أن يكون فاعل هذا الكفر، هو الذي خلق الإنسان مجبُولاً على حُبِّ هذا المال والجاه.
الثالث : أنَّ القُدْرة بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّين على السَّويَّة، فلا يترجَّحُ أحدُ الطَّرفين على الآخر إلاَّ بمرجِّح، وذلك المُرجِّحُ ليس من العبد، وإلا لعاد الكلام فيه، فلا بُدَّ وأن يكون من الله - تعالى -، وإذا كان كذلك، كانت الهدايةُ والضلال من الله - تعالى -.
وإذا عرفت هذا، فنقول : أما حملهم اللاَّم على لامِ العاقبة فضعيفٌ ؛ لأنَّ موسى - عليه الصلاة والسلام - ما كان عالماً بالعواقب.
فإن قالوا : إنَّ الله تعالى أخبرهُ بذلك.
قلنا : فلمَّا أخبر الله عنهم أنَّهُم لا يُؤمِنُون، كان صدور الإيمان منهم مُحَالاً ؛ لأنَّ ذلك يستلزمُ انقلاب خبر الله كذباً، وهو محال، والمفضي إلى المُحال محال.
وأمّا قولهم : يحمل قوله :" لِيُضِلُّوا " على أنَّ المراد : لئلاَّ يُضِلُّوا، كما ذكره الجبائي، فأقول : إنَّه لمَّا فسَّر قوله - تعالى - : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ [ النساء : ٧٩ ] نقل قراءة " فمنْ نفسِك " على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنَّه استبعد هذه القراءة، وقال : إنَّها تَقْتَضِي تحريف القرآن، وتغييرهُ، وتفتحُ تأويلات الباطنيَّة - والباطنية هم الملاحدة، ويقال لهم : القرامِطَة، والإسماعيلية القائلون : بأنَّ محمَّد بن إسماعيل نَسَخَ شريعة محمَّد بن عبد الله - ويقال لهم أيضاً : الناصرية أتباع محمد بن نصير، وكان من غلاة الروافض القائلين بالألوهية على توهُّم الدرزية أتباع بنشكين الدرزي، كان من موالي الحاكم أرسله إلى وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى ألوهية الحاكم ويسمونه بالبازي، والغلام، ويحلفون به، ويقال لهم : الحرمية والمحمرة، وهم الآن يعرفون بالتيامنة لإسكانهم وادي التيم، ويقال لهم : الفداوية والرافضة، وهم يحرفون كلام الله - تعالى - ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام، ويظهرون لهذه الأمور حقائق يعرفونها، فيقولون : إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، والصيام المفروض من كتمان أسرارهم، وحج البيت زيارة شيوخهم، ويدا أبي لهب أبو بكر وعمر، والبناء العظيم والإمام المبين علي بن أبي طالب، فهم لا تحل ذبائحهم لا يناكحونا، وتجب مجاهدتهم ؛ لأنهم مرتدون، قاله ابن تيمية، وبالغ في إنكار تلك القراءة.
وهذا الوجه الذي ذكرهُ هنا شرٌّ من ذلك ؛ لأنَّه قلب النَّفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وتجويزه بفتح باب ألاَّ يعتمد على القرآن لا في نفيه، ولا في إثباته، وحينئذٍ يبطل القرآن بالكُلِّيَّة، وهذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد فيه الاستفهام، بمعنى : الإنكار، فإنَّ تجويزهُ يوجبُ تجويز مثله في سائر المواضع، فلعله - تعالى - إنما قال : وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة [ البقرة : ٤٣ ] على سبيل الإنكار والتعجُّب، ثم قال : رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ .
قال مجاهد : أهلكها، والطَّمسُ : المَسْخُ٧.
وقال أكثر المفسرين : مسخها الله وغيَّرها عن هيئتها.
قال ابن عبَّاس : بلغنا أنَّ الدَّراهم والدَّنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها، صحاحاً وأنصافاً، وأثلاثاً، وجعل سكنهم حجارة٨.
قال محمد بن كعب :" كان الرجل مع أهله في فراشه، فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجراً " ٩ ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا أهل فرعون، فأخرج منها البيضة منقوشة، والجوزة مشقوقة وهي حجارة.
واشدد على قُلُوبِهِمْ أي : أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان.
قال الواحدي :" وهذا دليلٌ على أنَّ الله يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السُّؤال ".
قوله :" فَلاَ يُؤْمِنُواْ " يحتمل النَّصْبَ والجزمَ، فالنَّصْب من وجهين :
أحدهما : عطفهُ على " لِيُضِلُّوا ".
والثاني : نصبه على جواب الدُّعاءِ في قوله :" اطْمِسْ "، والجزم على أنَّ " لا " للدُّعاءِ، كقولك : لا تُعذِّبْنِي يا ربِّ، وهو قريبٌ من معنى :" لِيُضلُّوا " في كونه دعاءً، هذا في جانب شبه النَّهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و " حتَّى يروا " : غايةٌ لنفي إيمانهم، والأولُ قول الأخفش، والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث : قول الكسائي، والفرَّاء ؛ وأنشد قول الشاعر :[ الطويل ]
فلا يَنْبَسِطْ منْ بَيْنِ عَي
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: البيت في البحر المحيط ٥/١٨٥ والدر المصون ٤/٦٤..
٥ ينظر: إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٩، المحرر الوجيز ٣/١٣٩، البحر المحيط ٥/١٨٥، الدر المصون ٤/٦٥..
٦ البيت للأخطل ينظر: ديوانه ٢٤٥ والكتاب ٣/١٧٤ والمقتضب ٣/٢٩٥ وشرح الكافية ٢/٣٧٣ والمغني ١/٤٥ والتصريح ٢/١٤٤ والخزانة ١١/١٣١..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٦٠٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٦٧) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٨/٢٣٩) عن قتادة..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٥٦٦) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود