ثم ذكر دعاء موسى على فرعون، فقال :
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ
قلت : اللام في ( ليُضلوا ) لام كي، متعلقة بآتيت محذوفة، أو بالمذكورة، ولفظ ( ربنا ) تكرار، أو تكون لام الأمر، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر، بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره. فلا يؤمنوا : جواب الدعاء أو عطف على ( ليضلوا ).
يقول الحق جل جلاله : وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينةً : ما يتزين به من الملابس والمراكب، ونحوها، وأموالاً : أنواعاً من المال في الحياة الدنيا استدراجاً، ربنا آتيتهم ذلك ليُضلوا عن سبيلك طغياناً وبطراً بها، وصرفها في غير محلها، أو ربنا اجعلهم ضالين في سبيلك، كقول نوح عليه السلام : وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً [ نوح : ٢٤ ] لما أيس من إيمانهم، ربنا اطمسْ على أموالهم أي : أهلكها وامحقها، واشْدُدْ على قلوبهم بالقسوة، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان، فلا يؤمنوا حتى يَرَوا العذابَ الأليم أي : إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا إلا قهراً.
وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية، أو الكفر، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل، ووجْهُ جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي : أنه لم يُعتبر من حيث تأديته إلى المعاصي، ولكن من حيث تأديته إلى نِكاية الظالم وعقوبته، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم، وهو معصية ووهن في الدين، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابُها، لا نفسها.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي