ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وقال موسى ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدُّنيا ربنا ليضلُّوا عن سبيلك ربنا اطمس( ١ ) على أموالهم واشدد على قلوبهم( ٢ ) فلا يؤمنوا حَّتى يروا( ٣ ) العذاب الأليم( ٨٨ ) :
والزينة : هي الأمر الزائد عن ضروريات الحياة ومقوماتها الأولى، فاستبقاء الحياة يكون بالمأكل لأي غذاء يسدُّ الجوع، وبالمشرب الذي يروي العطش.
أما إن كان الطعام منوَّعا فهذا من ترف الحياة، ومن ترف الحياة الملابس التي تستر العورة فقط، بل بالزي يتميز بجودة النسج والتصميم والتفصيل.
وكذلك من ترف الحياة المكان الذي ينام فيه الإنسان، بحيث يتم تأثيثه بفاخر الرياش( ٤ )، ولكن الضرورة في النوم يكفي فيها مكان على الأرض، وأي فراش يقي من برودة الأرض أو حرارتها.
إذن : فالزائد عن الضرورات هو زينة الحياة، والزينة تأتي من الأموال، والرصيد في الأموال هو الذهب، ثم تأخذ الفضة المرتبة الثانية.
ومن مقومات الاقتصاد أن الذهب يعتبر قيمة الرصيد لغنى أية دولة، مهما اكتشفوا من أحجار أغلى من الذهب.
وهذه الأحجار الكريمة-كالماس مثلا- إن كسرت أو خدشت تقل قيمتها، لكن الذهب مهما تفتَّت فأنت تعيد صهره، فتستخلص ذهبا مجمَّعا.
وكان الفراعنة الأقدمون يحكمون مصر حتى منابع النيل، وكانوا يسخّرون الناس في كل الأعمال، حتى استخراج الذهب سواء من المناجم أو من غربلة رمال بعض الجبال لاستخلاص الذهب منها.
وأنت قد تستطيع استخلاص الذهب من أماكن معينة، ولكن الفرق دائما غنما يكون في القيمة الاقتصادية لاستخراج الذهب، فحين يكون المنجم وفير العطاء، فيه كثير من عروق الذهب، هنا يصبح استخراج الذهب مسألة مربحة اقتصاديا.
أما إن كانت التكلفة أعلى من القيمة الاقتصادية للذهب المستخرج، فلا أحد يستخرج هذا الذهب.
وأنت إن نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع " توت عنخ آمون " آية في الجمال، وكذلك كانت قصورهم في قمة الرفاهية، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها دهانات الحوائط في تلك الأيام ؛ لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف، الذي هو أكثر بكثير من الضرورات.
وفي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه : وقال موسى ربَّنا إنَّك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدُّنيا ربَّنا ليضلُّوا عن سبيلك.. ( ٨٨ ) ]يونس ] : وهم لم يضلُّوا فقط بل أرادوا أن يضلّوا غيرهم ؛ لذلك تحملوا وزر ضلالهم، ووزر إضلال غيرهم.
فهل أعطاهم الله سبحانه المال والزينة للضلال والإضلال ؟
لا، فليس ذلك علة العطاء، ولكن هناك لام العاقبة، مثلما تعطى أنت ابنك عشرة جنيهات وتقول له : افعل بها ما تريد، وأرجو أن تتصرف فيها تصرفا يعود عليك بالخير. وقد ينزل هذا الابن ليشتري شيئا غير مفيد ولا يشتري-مثلا كتبا تفيده.
هنا أنت أعطيت هذا الابن قوة شرائية لكنه لم يحسن التصرف فيها، وغاية الاختيار هدته إلى اللعب. وهذا ما يسمى لام العاقبة، ولام العاقبة لا يكون المقصود بها سبب الفعل، ولكنها تأتي لبيان عاقبة الفعل( ٥ ).
وحين أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي موسى-عليه السلام-في طفولته من القتل أوحى إلى أم موسى-عليهما السلام-بقوله تعالى : فإذا خفت عليه فألقيه في اليم( ٦ ) ولا تخافي ولا تحزني.. ( ٧ ) [ القصص ] : ولا توجد أم تقبل على تنفيذ مثل هذا الأمر ؛ لأنه موت محقق ؛ لأن الابن إن خطف أو فقد فهذا كله موت مظنون، أما إلقاؤه في الماء فليس فيه موت مظنون، بل موت مؤكد، إن لم ينجه الله تعالى.
ولكن أم موسى-لإيمانها بالله- فعلت ما أوحى به الله-سبحانه وتعالى-لها ؛ لأن الوارد من الله تعالى لا يجد في الفطرة متنازعا له.
أما نزغات الشيطان فهي تجد ألف منازع في النفس، وكذلك هواجس النفس.
ولذلك نفذت أم موسى ما أوحى الله تعالى به إليها، وإن كان مخالفا للعقل والمنطق.
وحين التقطه آل فرعون، وقد كانوا يقتلون الأطفال( ٧ )، وألقى الحق سبحانه وتعالى محبة موسى في قلوبهم، قال : .. وألقيت عليك محبة مني( ٣٩ ) [ طه ] : فهم ساعة رؤيتهم لموسى-عليه السلام-وهو طفل، أحبوه فلم يقتلوه، وهكذا نفذت مشيئة الله تعالى ووعده لأمه : .. إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين( ٧ ) [ القصص ] : أي : أن موسى-عليه السلام-مهمة مسبقة أرادها له الحق سبحانه.
ولذلك نجد أن هناك أوامر متتابعة جاء بها القرآن الكريم في مسألة إلقاء أم موسى لابنها، فقال الحق سبحانه : إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى( ٣٨ ) أن اقذفيه في التابوت( ٨ ) فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل( ٩ ).. ( ٣٩ ) [ طه ] : وكلها أوامر من الحق سبحانه، فتراه زوجة فرعون فتقول لزوجها : قرت عين( ١٠ ) لي ولك.. ( ٩ ) [ القصص ] : فهل كان فرعون يعلم أن هذا الطفل الذي التقطه سيكون عدوا له ؟
لا، لقد التقطه وأعطاه حياة الترف ؛ ليكون قرة عين له، وهذه علة الالتقاط، ولكن العاقبة انتهت إلى أن يكون عدوا ؛ ولو كانت العلة هي العداوة لما التقطه فرعون أو لقتله لحظة الالتقاط.
ولذلك يترك الحق سبحانه وتعالى في كونه أشياء تكسر مكر البشر ؛ فأخذه فرعون ورباه، وكانت العاقبة غير ما كان يتوقع فرعون.
وقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصددها : ليضلوا نفهم منه أن-سبحانه وتعالى-لم يعطهم المال ليضلوا، ولكنهم هم الذين اختاروا الضلال. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى الكثير من الناس مالا وجاها وأرادوا به الخير، وهكذا نرى اختيار الإنسان، إن له أن يضل أو يهتدي.
وقد قال موسى عليه السلام تنفيسا عن نفسه : ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم.. ( ٨٨ ) [ يونس ] : ومعنى الطمس أي : إخفاء المعالم ؛ مثل قول الحق سبحانه : من قبل أن نطمس( ١١ ) وجوها فنردها على أدبارها.. ( ٤٧ ) [ النساء ] : ومعنى الطمس هنا : إخفاء معالم تلك الوجوه ؛ فتكون قطعة واحدة بلا جبهة أو حواجب أو عينين أو أنف أو شفاه أو ذقن.
إذن : فالطمس هو إهلاك الصورة التي بها الشيء. ودعوة موسى-عليه السلام-هنا : اطمس على أموالهم.. ( ٨٨ ) [ يونس ] : أي : امسخها.
وقال بعض الرواة( ١٢ ) أنها مسخت، فمن كان يملك بعضا من سبائك الذهب وجدها حجارة، ومن كان يملك أحجارا كريمة كالماس وجدها زجاجا.
أو أن اطمس على أموالهم.. ( ٨٨ ) [ يونس ]أي : أذهبهما ؛ لأن الأموال كانت وسيلة إضلال.
وقوله عليه السلام بعد ذلك : .. واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم( ٨٨ ) [ يونس ] : أي : أحكم يا رب الأربطة على تلك القلوب ؛ فلا يخرج ما فيها من كفر، ولا يدخل ما هو خارجها من الإيمان ؛ لأن هؤلاء قد افتروا افتراء عظيما، وأن تظل الأربطة على قلوبهم ؛ حتى يروا العذاب الأليم. ولماذا دعا موسى-عليه السلام-على آل فرعون هذا الدعاء، ولم يدع مثلما دعا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :" اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون " ؟ والإجابة : لابد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلعه على أن هؤلاء قوم لن تفلح فيهم دعوة الإيمان.
وكان خوف موسى-عليه السلام- لا من ضلال قوم فرعون، ولكن من استمرار إضلالهم لغيرهم.
إذن : فقد دعا عليهم موسى-عليه السلام- بما جاء في هذه الآية : .. ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم( ٨٨ ) [ يونس ] وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه : فلم يك ينفعهم إيمانهم لمَّا رأوا بأسنا.. ( ٨٥ ) [ غافر ] : وهكذا يتبن لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقصر( ١٣ ) وبلين إيمان الاختيار( ١٤ ).
فحين يأتي الرسول داعيا إلى الإيمان يصبح من حق السامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر ؛ لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وله حق الاختيار، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لا ينفع الإنسان.
ومثال ذلك : فرعون، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان( ١٥ ). فالحق سبحانه وتعالى يقول : .. حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين( ٩٠ ) [ يونس ].
وإذا كان موسى-عليه السلام-قد دعا على قوم فرعون، فقد سبقه نوح عليه السلام في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله : .. رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا( ١٦ )( ٢٦ ) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا( ٢٧ ) [ نوح ].

١ اطمس على أموالهم: قال ابن عباس ومجاهد: أي: أهلكها. وقال الضحاك وآخرون: جعلها الله حجارة منقوشة..
٢ اشدد على قلوبهم: اطبع عليها. وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبا لله ولدينه، على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء.[ذكره ابن كثير في تفسيره٢/٤٢٩]..
٣ رأى: نظر بعينه كأبصر. ورأى بفكره وقلبه بمعنى: علم. ورأى: اعتقد. ورأى في نومه رؤيا: حلم. والرؤيا: الحلم في النوم. ورأى: هنا هي البصرية. أي: حتى يروا العذاب بأعينهم ويعاينوه معاينة..
٤ في الرياش والريش: الخصب، والمعاش، والمال، والأثاث واللباس الحسن الفاخر. قال تعالى:يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون(٢٦)[الأعراف]..
٥ أي: أن فرعون لم تكن علة التقاطه لموسى أن يكون عدوا له بل ليتخذه ولدا، وأضافت امرأته أن يكون قرة عين لها ولفرعون، ولكن كانت العاقبة غير ذلك، أي: أن ما حدث كان عكس ما كان يريده فرعون..
٦ اليم: الماء الكثير المجتمع. والمراد به: نهو النيل في مصر..
٧ كان فرعون وزبانيته يذبحون أبناء بني إسرائيل ويستحيون نساءهم بعد أن سمع فرعون النبوءة التي قيلت عن أن ولدا من بني إسرائيل سيقضي على فرعون. قال تعالى:إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين(٤)[القصص] وقال تعالى:.. ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون(٦)[القصص]..
٨ التابوت: الصندوق الذي وضعت فيه أم موسى ابنها قبل إلقائه في اليم؛ ليحفظه من الماء..
٩ الساحل: شاطئ النهر القريب من قصر فرعون..
١٠ قرة عين: مسرة وفرح.[كلمات القرآن: للشيخ حسنين محمد مخلوف]..
١١ وردت مادة "الطمس" بالقرآن الكريم في خمسة مواضع، هي قول الله تعالى:ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط(٦٦)[يس]، وقوله تعالى:ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر(٣٧)[القمر]، وقوله تعالى:فإذا النجوم طمست(٨)[المرسلات]، وقوله تعالى:آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها..(٤٧)[النساء]، وقوله تعالى:ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم..(٨٨)[يونس]..
١٢ قاله ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد..
١٣ القصر والقسر: الإجبار على كره. ومنه: قصرت نفسي على الشيء إذا حبستها عليه وألزمتها إياه. انظر[لسان العرب مادة: قصر، قسر]..
١٤ قال تعالى:وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..(٢٩)[الكهف] وقال تعالى:إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا(٢) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا(٣)[الإنسان]..
١٥ قال تعالى:الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين(٩١)[يونس]. قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل أو ميكائيل عليهما السلام. ففرعون الذي قال:.. أنا ربكم الأعلى(٢٤)[النازعات] وقال:ما علمت لكمم من إله غيري..(٣٨)[القصص] جاء الآن عندما عاين الموت وآية الله على صدق موسى فنطق بالإيمان، ورب العزة سبحانه يقول:هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون(١٥٨)[الأنعام].
١٦ ديارا: أحدا. أي: استئصال كل نسمة كافرة من قوم نوح، حتى طال هذا ولده من صلبه، وقد أورد ابن كثير في تفسيره(٤/٤٢٧) حديث ابن عباس، وعزاه لابن أبي حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم امرأة، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة". قال ابن كثير: هذا حديث غريب، ورجاله ثقات..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير