ﮢﮣﮤﮥﮦﮧ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

١٣- دلت القصة على أن الحسد سبب للخذلان والخسران.
١٤- الصبر مفتاح الفرج، فإن يعقوب عليه السّلام لما صبر فاز بمقصوده، وكذلك يوسف عليه السّلام لما صبر فاز كما تقدم بيانه.
عربية القرآن ومنزلة القصص القرآني
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)
الإعراب:
تِلْكَ آياتُ.. مبتدأ وخبر.
قُرْآناً حال من هاء. أَنْزَلْناهُ أي أنزلناه مجموعها. وكذلك عَرَبِيًّا حال أخرى.
أَحْسَنَ الْقَصَصِ أَحْسَنَ منصوب نصب المصدر لأنه مضاف إلى المصدر، وأفعل:
إنما يضاف إلى ما هو بعض له، فينزل منزلة المصدر، فصار بمنزلة قولهم: سرت أشدّ السير، وصمت أحسن الصيام. هذَا الْقُرْآنَ هذَا مفعول به، والْقُرْآنَ بدل أو عطف بيان أو نعت.
وَإِنْ كُنْتَ إن مخففة من الثقيلة، واللام: هي التي تفرق بينها وبين النافية، وضمير قَبْلِهِ راجع إلى قوله بِما أَوْحَيْنا والمعنى: وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه.

صفحة رقم 199

البلاغة:
تِلْكَ آياتُ أشار إلى القرآن بالعبيد لبيان علو منزلته وبعد مرتبته في الكمال.
المفردات اللغوية:
الر البدء بالحروف المقطعة إشارة إلى إعجاز القرآن، فمن هذه الحروف العربية الأبجدية ونحوها التي تكونت منها لغة العرب، تألفت آيات الكتاب المعجز، كما بينا في أول سورة البقرة وآل عمران وغيرهما من السور المتقدمة.
تِلْكَ إشارة إلى آيات السورة. الْكِتابِ الْمُبِينِ أي السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو الواضحة معانيها لنزولها بلسان العرب، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر.
والْمُبِينِ الموضّح المفصل ما يريد. أَنْزَلْناهُ أي الكتاب الذي فيه قصة يوسف. قُرْآناً عَرَبِيًّا مجموعا بلغة العرب، وسمي بعض القرآن قرآنا لأن القرآن اسم جنس، يقع على كله وبعضه، وصار علما للكل بالغلبة. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ علة لإنزاله بهذه الصفة، أي أنزلناه مجموعا أو مقروءا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه.
الْقَصَصِ إما مصدر بمعنى الاقتصاص، وإما اسم مفعول بمعنى المقصوص من الخبر والأحاديث. وقص الخبر: حدثه على وجهه الصحيح. وأَحْسَنَ الْقَصَصِ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر.
بِما أَوْحَيْنا أي بإيحائنا إليك هذا القرآن، يعني السورة لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه القصة، الجاهلين بها، فلم يكن لك فيها علم قط، ولا عرفت شيئا منها.
سبب النزول: نزول الآية (٣) :
نَحْنُ نَقُصُّ: روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا:
يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ.
التفسير والبيان:
تشبه فاتحة هذه السورة فاتحة سورة يونس، لكن وصف القرآن هنا بالمبين

صفحة رقم 200

وهناك بالحكيم، والسبب أن سورة يوسف تعبر عن أحداث جسام مرّ بها نبي كريم صبور فناسبها الوصف بالبيان، وأما سورة يونس فموضوعها إثبات أصول الدين من توحيد الله، وإثبات الوحي والنبوة، والبعث والجزاء، وهذه يناسبها الوصف بالحكمة.
والمعنى: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، وهذا تفسير الزمخشري. وقال أبو حيان: والظاهر أن المراد بالكتاب: القرآن، والْمُبِينِ إما البيّن في نفسه، الظاهر أمره في إعجاز العرب وتبكيتهم، وأما المبين الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وما يحتاج إليه من أمر الدين، أو المبين الهدى والرشد والبركة.
وعلى أي حال، فإن الكتاب اسم جنس يطلق على البعض وعلى الكل، فسواء قلنا: إن المراد به هذه السورة، أو كل القرآن، فالمقصود إثبات صفة القرآن، وصفاته لا تختلف بين السور جميعها، فكلها واضحة جلية تفصح عن أشياء مبهمة، وآياتها تبين وتفسر غوامض الأمور، وتوضح أحكام الشريعة، وترشد إلى ما هو خير في الدنيا والآخرة.
قال القرطبي وابن كثير: هذه آيات الكتاب وهو القرآن المبين، أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها، يعني بالكتاب المبين:
القرآن المبين، أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه، وهداه وبركته.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ.. أي إنا أنزلنا هذا القرآن على النبي محمد العربي، بلغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، لتتعلموا ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وآداب وأخلاق، وأحكام وتشريعات، ومناهج حياة سليمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد وشؤون الدولة، ولتتدبروا ما فيها من معان وأهداف،. تبني الفرد والجماعة على أقوم الأسس.

صفحة رقم 201

قال ابن كثير: فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، فكمل من كل الوجوه.
ولهذا قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ.. أي نحن نخبرك بأحسن الأخبار، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، الذي جاء تاما كاملا مفصلا كل شيء، وجاءت قصة يوسف كاملة تامة مفصلة ذات أهداف سامية وعبر كثيرة. وإن كنت من قبل ما أوحينا أي من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عما عرفناك به، أي من الجاهلين به، فلا علم لك به قط، شأنك شأن قومك، لا يعلمون من قصص الماضين وأخبارهم شيئا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١- القرآن الكريم كتاب مبين، أوضح الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والشرائع والأخلاق، ليكون هدى للعالمين، وبركة وخيرا للناس أجمعين، فهو معجزة بيّنة لمحمد صلى الله عليه وسلّم.
٢- القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، يقرأ بلغة العرب، فكان معشر العرب أولى الناس بالإيمان به، وفهم ما فيه، وتعلم معانيه.
٣- القرآن بيان جلي متضمن أحسن القصص، وأثبت الأخبار، وأجدى الآثار وتواريخ الأمم الماضية. والمراد بأحسن القصص: أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، أي أن المراد من الحسن حسن البيان وكون الألفاظ بالغة بالفصاحة حد الإعجاز.
٤- قصة يوسف عليه السّلام أحسن القصص، والسبب في تسمية هذه

صفحة رقم 202

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية