قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
المسألة الرابعة والثلاثون : في أمر الله تعالى، هل هو مخلوق أم لا ؟
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن أمر الله عز وجل محدث مخلوق.
قال ابن حزم : واختلف الناس في الأمر، والرحمة، والعزة.
فقال قوم : هي صفات ذات لم تزل.
وقال آخرون : لم يزل الله تعالى هو الله العزيز الحكيم بذاته، وأما الرحمة والأمر فمخلوقان.
والرجوع عند الاختلاف إنما هو إلى القرآن، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ١ ففعلنا فوجدنا الله تعالى يقول : وكان أمر الله مفعولا ٢ والمفعول مخلوق بلا شك.
وقال الله عز وجل : والله غالب على أمره وبلا شك ندري في أن المغلوب عليه مخلوق، وأنه غير الغالب عليه.
وقال تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ٣ وهذا بيان جلي لا إشكال فيه على أن الأمر محدث.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحدث من أمره ما يشاء " ٤ فصح بيقين أن أمر الله تعالى محدث مخلوق.
فإن اعترض معترض بقول الله عز وجل : ألا له الخلق والأمر ٥ ورام بهذا إثبات أن الخلق غير الأمر فلا حجة له في هذا ؛ لأن الله عز وجل قال : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ٦ فقد فرق الله تعالى في هذه الآية بين الخلق والتسوية، والتعديل والتصوير، ولا خلاف في أن كل ذلك خلق الله عز وجل، مخلوق.
وقال تعالى : خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ٧ فعطف تعالى الرزق والإماتة والإحياء على الخلق بلفظ ( ثم )، فلو كان عطف الأمر على الخلق دليلا على أن الأمر غير الخلق، لوجب ولا بد أن يكون الرزق والإماتة والإحياء والتصوير كلها غير الخلق، وغير مخلوقات. وهذا لا يقوله مسلم، فبطل استدلالهم على أن الأمر غير مخلوق لعطفه على الخلق.
وقد عطف تعالى جبريل على الملائكة، فليس العطف على الشيء مخرجا له عنه إذا قام برهان على أنه داخل فيه. وقد قام برهان النص بأن أمر الله تعالى مخلوق، وأنه قدر مقدور مفعول.
وأما إذا لم يأت برهان يدخل المعطوف في المعطوف عليه فهو غيره بلا شك، هذا حكم اللغة، وبالله تعالى التوفيق. ٨
٢ النساء (٤٧)..
٣ الطلاق (١).
٤ ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم عن ابن مسعود في: التوحيد، باب: (٤٢)، وأخرجه أبو داود في: الصلاة باب: رد السلام في الصلاة (٩٢١)، والنسائي في: السهو، باب: الكلام في الصلاة (١٢٢٠)، وابن حبان في صحيحه ٤/٧ (٢٢٤٠)، (١٤٤١)، وأحمد (٣٥٧٥) بإسناد حسن..
٥ الأعراف ٥٤..
٦ الإنفطار (٦-٨)..
٧ الروم (٤٠)..
٨ الفصل ٢/٣٥٢-٣٥٥) باختصار..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري