ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

و( لنعلمه ) : عطف على محذوف، أي : مكناه في الأرض ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه. إلخ.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته راعيل، أو زليخا، أكرمي مثواه ؛ اجعلي مقامه عندنا كريماً، والمعنى : أحسني تعهده، عسى أن ينفعنا في ضِياعنا وأموالنا، نستظهر به في مصالحنا، أو نتخذه ولداً أي : نتبنَّاه، وكان عقيماً، لما تفرس فيه من الرشد. ولذلك قيل :( أفرس الناس عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [ القصص : ٢٦ ]، وأبو بكر حين استخلف عمر )١.
قال البيضاوي : رُوي أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به مَنْ جعل شراءً غير الأول، فقيل : عشرون ديناراً، وزوجاً نعل، وثوبان أبيضان. وقيل : ملؤه أي وزنه فضة، وقيل : ذهباً. ه. وقيل : مسكاً وحريراً.
وكذلك مكَّنَّا ليوسف في الأرض أي : وكما مكنا محبته في قلب العزيز، أو كما مكناه في منزله، أو كما أنجيته، وعطفنا عليه العزيز مكناه في الأرض، ليتصرف فيها بالعدل، ولنُعلِمَهُ من تأويل الأحاديث ؛ أي : من تأويل كتب الله المتقدمة، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل، أو من تعبير المنامات، ليستعد لها قبل حلولها. أي : كان القصد في إنجائه وتمكينه : إقامته العدل، وتْيسير أمور الناس، وليعلَمَ معاني كُتب الله وأحكامه فينفذها، والله غالبٌ على أمره : لا يرده شيء، ولا ينازعه فيما يريد جبار، ولا عنيد، أو غالب على أمر يوسف، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية، والنصر والعز في عاقبة أمره، خلاف ما أراد به إخوته، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله بيده، أو لا يفهمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من ظن انفكاك لطف الله عن قدره ؛ فذلك لقصور نظره، لاسيما لطفه بالمتوجهين إليه، أو العارفين به الواصلين لحضرته. فكل ما ينزل بهم فإنما هو أقدار جارية، وأمداد سارية، وأنوار بهية، وألطاف خفية، تسبق لهم الأنوار قبل نزول الأقدار، فلا تحول حول قلوبهم الأكدار، ولا تغير قلوبَهم رؤية الأغيار، عند نزول شدائد الأقدار، يحفظ عليهم أسرار التوحيد، وينزل عليهم أنوار التأييد، عند نزول القضاء الشديد، والبلاء العتيد، ولابن الفارض رضي الله عنه :

أَحبائِي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا فَكُونُوا كما شِئتُمُ أَنا ذَلك الخِل

وقال صاحب العينية :
تَلَذُّ لِي الآلام إذ كُنتَ مُسْقمي وإن تَختَبِرني فَهْي عَندي صَنَائِعُ
تَحكَّم بِِما تَهواهُ فيَّ فإِنَّني فَقِيرٌ لسُلطَان المَحَبَّة طَائِعُ
وقد جرت عادة الله تعالى أن يعقب الجلال بالجمال، والمحن بالمنن، والذل بالعز، والفقر بالغنى، فبقدر ما تشتد المحن تأتي بعدها مواهب المنن، وبقدر ما ينزل من الجلال يأتي بعده الجمال. سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. لا راد لما قضى، ولا معقب لما به حكم وأمضى.
قال تعالى : والله غالبٌ على أمره : قال بعض المفسرين : هذه الآية هي قطب هذه السورة، ثم قال : أراد آدم البقاء في الجنة، وما أراد الله ذلك، فكان الأمْر مُراد الله. وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام، وأراد الله أن يكون إمام الكفرة اللئام، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد النمرود هلاك إبراهيم عليه السلام، ولم يرده الله، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد فرعون هلاك موسى عليه السلام، فأهلكه الله، ونجى موسى. وأراد داود أن يكون الملك لولده ميشا، وأراد الله أن يكون لسليمان عليه السلام، فكان كما أراد الله. وأرد أبو جهل هلاك سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونبوة الوليد بن المغيرة، فأهلك الله أبا جهل ونبأ محمداً صلى الله عليه وسلم. وأراد المنذر بن عاد البقاء في الدنيا، فأهلكه الله وخرب ملكه. وأراد إرم العاتي، الذي بنى إرم ذات العماد، يحاكي بها الجنة، أن يسكنها خالداً فيها، فكذبه الله، وحال بينه وبينها، وغيبها عنه حتى مات بحسرتها. هـ.

١ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/٣٤٦، والطبراني في المعجم الكبير ٨/١٨٥..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير