ويقال قد يباع مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجة إليه فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغبن.
ويقال لم يحتشموا من يوسف- عليه السلام- يوم باعوه بثمن بخس، ولكن لمّا قال لهم: أنا يوسف- وقع عليهم الخجل. ولهذا قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء.
ويقال لمّا خرّوا له سجّدا علموا أنّ ذلك جزاء من باع أخاه بثمن بخس.
ويقال لمّا وصل الناس إلى رفق يوسف عاشوا فى نعمته، واحتاجوا إلى أن يقفوا بين يديه فى مقام الذّلّ قائلين «مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ»، وفى معناه أنشدوا:
ستسمع بي وتذكرنى... وتطلبنى فلا تجد
ويقال ليس العجب ممن يبيع مثل يوسف- عليه السلام- بثمن بخس إنما العجب ممن (... ) «١» مثل يوسف- عليه السلام- بثمن بخس، لا سيّما «وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» (الخرق لا غاية له، وكذا العجب لا نباته له) «٢».
ويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف- عليه السلام- بثمن بخس، إنّما العجب ممن يبيع وقته الذي أعزّ من الكبريت الأحمر بعرض حقير من أعراض الدنيا.
ويقال إنّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا فى شرائه بدراهم، والذين وقفوا على جماله وشىء من أحواله غالوا- بمصر- فى ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير مرات- كما فى القصة «٣»، وفى معناه أنشدوا:
إنّ كنت عندك يا مولاى مطّرحا... فعند غيرك محمول على الحدق «٤»
قوله جل ذكره:
[سورة يوسف (١٢) : آية ٢١]
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١)
(٢) ما بين القوسين ورد هكذا فى (ص) وفيه التباس ناشىء عن سوء النسخ.
(٣) يقال إن العزيز اشتراء بزنته ورقا وحريرا ومسكا.
(تفسير النسفي ج ٢ ص ٢١٦ ط عيسى الحلبي)
(٤) الحدق جمع حدقة وهى السواد المستدبر وسط للعين.
لمّا نودى على يوسف فى مصر بالبيع لم يرض الحقّ- سبحانه- حتى أصابتهم الضرورة ومسّتهم الفاقة حتى باعوا من يوسف- عليه السلام- جميع أملاكهم، ثم باعوا كلّهم منه أنفسهم- كما فى القصة- وفى آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا بأجمعهم عبيده، ثم إنه عليه السلام لما ملكهم منّ عليهم فأعتقهم «١» فلئن مرّ عليه بمصر يوم نودى فيه عليه بالبيع فقد أصبح بمصر يوما آخر وقد ملك جميع أملاكهم، وملك رقاب جميعهم فيوم بيوم، قال تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» يومان شتّان بينهما! ثم إنه أعتقهم جميعا... وكذا الكريم إذا قدر غفر.
قوله جل ذكره: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أراد من حسده ألّا تكون له فضيلة على إخوته وذويه، وأراد الله أن يكون له ملك الأرض، وكان ما أراد الله لا ما أراد أعداؤه.
قوله جل ذكره: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أرادوا أن يكون يوسف عليه السلام فى الجبّ، وأراد الله- سبحانه- أن يكون يوسف على سرير الملك فكان ما أراد الله، والله غالب على أمره.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني