قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [ الآية : ٢٤ ] جواب " لولاَ ما تقدَّم عليها، وقوله :" وهَمَّ بِهَا " عند من يجيز تقديم جواب أدوات الشرط عليها، وإما محذوف لدلالة هذا عليه عند من لا يرى ذلك، وقد تقدَّم تقريرُ المذهبين مراراً، كقولهم :" أنْتَ ظَالمٌ إنْ فَعلْتَ "، أي : فعلت، فأنت ظالزٌ، ولا تقول : إن " أنت ظَالمٌ " هو الجوابُ، بل دلَّ عليه دليلٌ، وعلى هذا فالوقف عند قوله :" بُرْهَانَ ربِّه " والمعنى : لولا رُؤيته برهان ربه لهمَّ بها، لكنه امتنع همَّهُ بها لوجودِ رُؤية برهانِ ربِّه، فلم يحصل منه همِّ ألبتَّة، كقولك : لولا زيدٌ لأكرمتك، فالمعنى : إنَّ الإكرام ممتنعٌ لوجود زيد، وبهذا يتخلَّص من الإشكال الذي يورد، وهو : كيف يليقُ بنبي أن يهم بامرأة.
قال الزمخشري :" فإن قلت : قوله " وهمَّ بِهَا " داخل تحت القسم في قوله :" وَلقَدْ هَمَّتْ بِهِ " أم خارج عنه ؟. قلت : الأمران جائزان، و من حقِّ القارىء إذا قصد خروجه من حكم القسم، وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله :" ولقَدْ هَمَّتْ بِهِ " يبتدىء قوله : وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ، وفيه أيضاً إشعارٌ بالفرقِ بين الهمَّينِ.
فإن قلت : لِمَ جعلت جواب " لَوْلاَ " محذوفاً يدلٌّ عليه :" هَمَّ بِهَا "، وهلاَّ جعلته هو الجواب مقدماً ؟.
قلت : لأن " لوْلاً " لا يتقدم عليها جو ابها من قبل أنَّه في حكم الشرطِ، وللشَّرطِ صدر الكلام، وهو وما في حيِّزهِ مم الجملتين، مثل كلمة واحدة، ولا يجوزُ تقديمُ بعض الكلمة على بعضٍ، وأما حذف بعضها إذا دلَّ عليه دليلٌ ؛ فهو جاءزٌ ".
فقوله :" وأما حذف بعضها. . . . إلخ " جواب عن سؤال مقدرٍ، وهو أنَّهُ إذا كان جواب الشَّرط مع الجملتين بمنزلة كلمةٍ ؛ فينبغي أن لا يحذف منهما شيء ؛ لأنَّ الكلمة لا يحذفُ منها شيء.
فأجاب بأنَّهُ يجوز إذا دلَّ دليل على ذلك، وهو كما قال، ثم قال : فإن قلتَ لمَ جعلتَ " لَوْلاَ " متعلقة ب " هَمَّ بِهَا " وحدة، ولم تجعلها متعلقة بجلمة وقله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالجواهر، ولكن بالمعاني، ولا بد من تقدير المخالطةِ، والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معاً، فكأنه قيل : همَّا بالمخالطة لولا أن منع مانعٌ أحدهما ؟
قلتُ : نعم ما قلت : ولكن الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفضيل حيث قال : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا اه.
والزجاج لم يرتض هذه المقالة، أي : كون قوله :" لَوْلاَ " متعلقة ب " هَمَّ بِهَا " فإنه قال : ولو كان الكلام " لَهمَّ بِهَا " لكان بعيداً، فيكف مع سُقوطِ الكلام ؟ [ يعني ] الزجاج أنه : لا جائز أن يكون " هَمَّ بِهَا " جواباً ل :" لَوْلاَ " ؛ لأنه لو كان جوابها لاقترن باللاَّمِ ؛ لأنه مُثبتٌ، وعلى تقدير أنَّهُ كان مقترناً باللاَّم كان يبعد من جهة أخرى، وهي تقديمُ الجواب عليها.
وجواب ما قاله الزجاجُ : ما تقدم عن الزمخشري من أن الجواب محذوفٌ مدلولٌ عليه بما تقدَّم.
وأما قوله :[ ولو كان ] الكلام :" ولهمَّ بِهَا " فغيرُ لازم ؛ لأنَّه متى كان جواب " لَوْ "، و " لَوْلاَ " مثبتاً جاز فيه الأمران : اللام وعدمها، وإن كان الإتيانُ اللاَّم هو الأكثر.
وتابع ابنُ عطيَّة في هذا المعنى فقال :" قول من قال : إنَّ الكلام قد تمَّ في قوله :" ولقَدْ هَمَّتْ بِهِ "، وأن جواب " لَوْلاَ " في قوله :" وهَمَّ بَهَا " ؛ وأنَّ المعنى : لولا أن رأى البرهان لهم بها، فلم يهمَّ يوسف عليه الصلاة والسلام قال : وهذا قولٌ يردُّه لسان العرب، وأقوال السَّلف ".
فقوله :" يردُّه لسانُ العرب " فليس كذلك ؛ لأنَّ وزن هذه الآية قوله : إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولاا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا [ القصص : ١٠ ] فقوله : إِن كَادَتْ أمَّا أن تكون جواباً عند من يرى ذلك، وإمَّا أن يكون دالاً على الجواب، وليس فيه خروجٌ عن كلامِ العربِ، هذا ما ردَّ عليه أبو حيَّان.
وكأن ابن عطيَّة إنما يعني بالخروج عن لسان العرب تجرد الجواب من اللاَّم على تقدير جواز تقديمه، والغرض أن اللاَّم لم توجد.
فصل
الهمُّ هو المقاربةٌ من الفعل من غير دخولٍ فيه، فهَمُّهَا : عزمُها على المعصية، وأما همُّه : فرُوِيَ عن أبن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه حلَّ الهميان، وجلس منها مجلسَ الخاتنِ.
وعن مجاهد رحمه الله أنَّه حلّ سراويله، وجعل يعالجُ ثيابه، وهذا قولُ سعيد بن جبير، والحسن، وأكثر المتقدمين رضي الله عنهم.
وقيل غير ذلك.
وقال أكثرُ المتأخِّرين : إنَّ هذا لا يليقُ بحال الأنبياء عليه الصلاة والسلام وقالوا : تم الكلام عند قوله :" ولقد همَّتْ بِهِ "، ابتدأ الخبر عن يوسف فقال : وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ على التَّقديمِ، والتأخير، أي : لولا أنه رأى برهان ربِّه لهم بها، لكنه رأى البُرهان، فلم يهمّ.
قال البغويُّ :" وأنكره النُّحاة، وقالوا : إنَّ العربَ لا تُؤخِّرُ " لَوْلاَ " عن الفعلِ فلا يقولون : قُمْتُ لولا زيدٌ، وهي تريدُ : لولا زيدٌ لقُمْتُ ".
وذكر ابنُ الخطيبِ : عن الواحديِّ أنه قال في البسيطِ :" قال المفسِّرُون : هم يوسف أيضاً بالمرأة همَّا صحيحاً، وجلس منها مجلس الرجُل من المرأةِ فلمَّا رأى البُرهانَ من ربه ؛ زالت كلُّ شهوة عنه.
قال أبُو جعفرٍ الباقرُ بإسناده عن عليِّ كرَّم الله وجهه أنه قال : طمعت فيه، وطمع فيها ".
ثمَّ إنَّ الواحديَّ طول في كلمات عاريةٍ عن الفائدة في هذا الباب، ولم يذكر فيما احتج به حديثاً صحيحاً يعوَّل عليه في هذه المقالة، ورُويَ أنَّ يوسف عليه الصلاة والسلام لمَّا قال : ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب [ يوسف : ٥٢ ] قال له جبريل عليه السلام : ولا جين هممت يَا يوسف فقال عند ذلك :" ومَا أبرِّىءُ نَفْسِي ".
وقال بعضُ العلماءِ رضي الله عنهم : الهمُّ همَّان :
همٌّ يخطرُ بالبالِ من غير أن يبرز إلى الفعل.
وهمٌّ يخطرُ بالبالِ، ويبرز إلى الفعل، فالأوَّلُ مغفورٌ، والثاني : غير مغفورٍ إلا أنْ يشاءَ اللهُ، ويشهدُ لذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ، فهمُّه عليه الصلاة والسلام كان خُطُراً بالبال من غير أن يخرج إلى الفعلِ، وهمُّها خرج إلى الفعل بدليل أنَّها وَغَلَّقَتِ الأبواب وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [ يوسف : ٢٣ ]، وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ [ يوسف : ٢٥ ].
ويشهد للثاني قوله عليه الصلاة والسلام " إذَا التَقَى المُسْلمَانِ بسيفَيْهِمَا فالقَاتِلُ والمقْتولُ في النَّار، فَقيلَ يا رسُول اللهِ هَذا القَاتِلُ فمَا بَالُ المَقْتُولِ ؟ قال : لأنَّه كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبهِ ".
قال ابن الخطيب : وقال المُحققُونَ من المُفسِّرين، والمتكلِّمين : إنَّ يُوسفَ عليه الصلاة والسلام ت كان بَرِيئاً من العملِ البَاطلِ، والهَمّ المُحرَّم، وبه نقولُ، وعنه نذبُّ، والدلائل الدَّالةُ على وُجوبِ عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مذكورة مقرّرة ونزيد هاهنا وجوههاً :
الأول : أن الزِّنا من منكرات الكبائرِ، الخيانةٌ في معرض الأمانةِ أيضاً من منكرات الذُّنوبِ وأيضاً : الصبيُّ إذا تربَّى في حجر الإنسان، وبقي مكفيَّ المؤنةِ، مصون العرضِ من أوَّلِ صباهُ إل زمان شبابه، وكما قوَّته، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المفضل من منكرات الأعمال، وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية إذا نسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة بجميع الجهالات، ومثلُ هذه المعصية إذا نسيت إلى أفسقِ خلقِ الله، وأبعدهم من كلِّ حسنٍ، لا ستنكف منه، فكيف يجوز إسنادهُ إلى الرَّسولِ المُؤيّد بالمعجزات الباهرة مع قوله تعالى : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء وأيضاً فلا يليق بحكمة الله تعالى وذلك يدلُّ على أنَّ ما هيَّة السُّوء، ما هية الفحشاء مصروفةٌ عنه، والمعصية التي نسوها إليه أعظم أنواع السوء، والفحشاء، وأيضاً فلا يليق بحمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية، ثم يمدحه، ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب ما حكى عنه ذلك الذَّنب العظيم، فإنَّ مثاله ما إذا حكى السطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب، وأفحش الأعمال، ثم يذكره بالمدح العظيم، والثناءِ البالغ عقيبه، فإنَّ ذلك متسنكرٌ جدًّا، فكذا هاهنا.
وأيضاًَ : فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلةٌ، أو هفوةٌ ؛ استعظموا ذلك، وأتبعوه بإظهار النَّدامةِ، والتوبة، والتَّواضع، ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة، لكان من المحال أن لا يتبعها بالتَّوبةِ، والاستغفار، ولو أتى بالتَّوبةِ لحكى الله ذلك عنه كما في سائر المواضع، وحيثُ لم يقع شيءٌ من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب، ولا معصية.
وأيضاً : فكلُّ من كان له تعلق بهذه الواقعة، فقد شهد ببراءة يوسف عليه الصلاة والسلام عن المعصية، والذين لهم تعلق بهذه الواقعة : يوسف والمرأة وزوجها، والنسوة الشهود، ورب العالم، وإبليس.
فأمَّا يوسف صلوات الله وسلامه عليه فأدَّعى أنَّ الذنب للمرأة وقال : هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي [ يوسف : ٢٦ ] و قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ يوسف : ٣٣ ] وأما المرأة، فاعترفت بذلك، وقالت للنسوة : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ [ يوسف : ٣٢ ] وقالت : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [ يوسف : ٥١ ] وأمَّا زوج المرأة فقوله : إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفري لِذَنبِكِ [ يوسف : ٢٨ ٢٩ ].
وأمَّا الشهود فقوله تعالى : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ [ يوسف : ٢٦ ].
وأمَّا شهادة الله تعالى : فقوله : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين [ يوسف : ٢٤ ] فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات.
أولها : قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء .
وثانيها : قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء .
والثالث : قوله : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا مع أنه تعالى قال : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [ الفرقان : ٦٣ ].
والرابع : قوله :" المُخْلصِينَ "، وفيه قراءتا، تارة باسم الفاعل، وأخرى بسام المفعول وهذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى استخلصه لنفسه، وأصطفاه لحضرته، وعلى كل [ وجه ] فإنَّه أدلُّ الألفاظ على كونه منزهاً عمَّا أضافوه إليه.
وأما إقرار إبليس بطهارته فقوله :{ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْ
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود