قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَالِكَ .
ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه ؛ ولكن القرآن العظيم بين براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا ينبغي حيث بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به.
أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم : يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود.
أما حزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله :
هِي رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي [ يوسف : ٢٦ ] وقوله : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .
وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وقولها : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [ يوسف : ٥١ ].
وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله : قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [ يوسف : ٢٨-٢٩ ].
وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ [ يوسف : ٢٦ ] الآية.
وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله : كَذَالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : ٢٤ ].
قال في الفخر الرازي في تفسيره : قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات :
أولها لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ واللام للتأكيد والمبالغة.
والثاني قوله : وَالْفَحْشَآءَ [ يوسف : ٢٤ ] أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء.
والثالث قوله : كَذَالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : ٢٤ ]. مع أنه تعالى قال : وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً [ الفرقان : ٦٣ ].
والرابع قوله : الْمُخْلَصِينَ وفيه قراءتان : قراءة باسم الفاعل. وأخرى باسم المفعول.
فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص.
ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته.
وعلى كلا الوجهين : فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه. اه من تفسير الرازي.
ويؤيد ذلك قوله تعالى : مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [ يوسف : ٢٣ ].
وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : ٨٢-٨٣ ] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : ٢٤ ] فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.
وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه : وعند هذا نقول : هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته. ولعلهم يقولون : كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه. كما قال الخوارزمي :
| وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى | بي الدهر حتى صار إبليس من جندي |
| فلو مات قبلي كنت أحسن بعده | طرائق فسق ليس يحسنها بعدي |
ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح ! وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح.
وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
فإن قيل : قد بينتم دلالة القرآن على براءته عليه السلام مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى : وَهَمَّ بِهَا ؟
فالجواب من وجهين :
الأول إن المراد بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم : هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه ؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف ؛ كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول :
«اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك » يعني ميل القلب الطبيعي.
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال صلى الله عليه وسلم :«ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة » لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفاً من الله، وامتثالاً لأمره، كما قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هي الْمَأْوَى [ النازعات : ٤٠-٤١ ].
وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهم يوسف هذا، بدليل قوله : إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا [ الأعراف : ١٢٢ ] لأن قوله : وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا يدل على أن ذلك الهم ليس معصية، لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه : هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه : هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.
ومثل هذا التصميم على المعصية : معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة :«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » قالوا : يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول ؟ قال :«إنه كان حريصاً على قتل صاحبه » فرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل، كقول العرب : قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن أقتله، كما قاله الزمخشري.
وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.
والجواب الثاني وهو اختيار أبي حيان : أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً، بل هو منفى عنه لوجود البرهان.
قال مقيده عفا الله عنه : هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب : أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ [ يونس : ٨٤ ] أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول : دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب لَوْلاَ لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة. وكقوله : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [ البقرة : ١١١ ] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.
وعلى هذا القول : فمعنى الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه هم بها. فما قبل لَوْلاَ هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة.
ونظير ذلك قوله تعالى : إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [ القصص : ١٠ ] فما قبل لَوْلاَ دليل الجواب. أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب لَوْلاَ وتقديم الجواب في سائر الشروط : وعلى هذا القول يكون جواب لَوْلاَ في قوله : لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ هو ما قبله من قوله : وَهَمَّ بِهَا .
وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين : أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري.
وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه : والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان ؛ كما تقول : لقد فارقت لولا أن عصمك الله. ولا نقول : إن جواب لَوْلاَ متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين : أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد.
بل نقول : إن جواب لَوْلاَ محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب : أنت ظالم إن فعلت ؛ فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم ؛ بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير : لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فكان وجود الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، ولا التفات إلى قول الزجاج. ولو كان الكلام : ولهم بها كان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام ؟ لأنه يوهم أن قوله : همََّّ بِهَا هو جواب لَوْلاَ ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب لَوْلاَ إذا كان بصيغة الماضي باللام. وبغير لام تقول : لولا زيد لأكرمتك. ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله : همَّ بِهَا نفس الجواب لم يبعد. ولا التفات لقول ابن عطية : إن قول من قال : إن الكلام قد تم في قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وإن جواب لَوْلاَ في قوله : وَهَمَّ بِهَا وإن المعنى : لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف عليه السلام.
قال : وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف اه.
أما قوله : يرده لسان العرب فليس كما ذكر. وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى : إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ القصص : ١٠ ] فقوله : إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ [ القصص : ١٠ ] : إما أن يتخرج على أن الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير : لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
وأما أقوال السلف : فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة.
والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب. لأنهم قدروا جواب لَوْلاَ محذوفاً ولا يدل عليه دليل ؛ لأنهم لم يقدروا لهم بها ولا يدل كلام العرب إلا على أن ي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان