ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

وكأنها وجدت الفرصة لتثبت لنفسها العذر في مراودتها له، فيوسف باعترافهن قد بلغ من الجمال ما لا يوجد مثله في البشر.
وقولها : فذلكن.. ( ٣٢ ) [ يوسف ]
مكون من " ذا " إشارة ليوسف، و " ذلكن " خطاب للنسوة، والإشارة تختلف عن الخطاب.
وهنا موقف أسلوبي ؛ لأن الكلام حين ينطق به، أو حين يكتب ليقرأ ؛ له ألوان متعددة، فمرة يكون نثرا لا يجمعه وزن أو قافية(١) ؛ وقد يكون نثرا مسجوعا(٢) أو مرسلا، ومرة يكون الكلام شعرا محكوما بوزن وقافية.
والمثل على النثر المسجوع هو قول الحق سبحانه.
والطور(٣) ( ١ ) وكتاب مسطور ( ٢ ) في رق(٤) منشور ( ٣ ) والبيت المعمور ( ٤ ) [ الطور ]
وهذا نثر مسجوع بلا تكلف، وأنت إذا سمعت أو قرأت كلاما ؛ فأذنك تأخذ منه على قدر سمو أسلوبه، لكنك إن انتقلت من أسلوب إلى أسلوب، فأذنك تلتقط الفارق بين الأسلوبين.
والمثل نجده في الرسالة التي كتبها ابن زيدون(٥) مستعطفا ابن جهور :
" هذا العتب محمود عواقبه، وهذه الغمرة نبوة ثم نجلي، ولن يريبني من سيدي إن أبطأ سببه أو تأخر، غير ضنين ضناه، فأبطأ الدلاء قبضا أملؤها، وأثقل السحاب مشيا أعقلها، ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له الحمد على اهتباله، ولا عتب عليه في اغتفاله.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللاتي سررن ألوف
وهكذا تشعر انتقال ابن زيدون من النثر إلى الشعر، ولكنك وأنت تقرأ القرآن، تنتقل من النثر المرسل إلى النثر المسجوع إلى النظم الشعري على وزن بحور الشعر، فلا تكاد تفرق في الأسلوب بين شعر أو نثر.
والمثل نجده في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
فذلكن الذي لمتني فيه.. ( ٣٢ ) [ يوسف ]
فهي موزونة من بحر البسيط، ولكنك لا تشعر أنك انتقلت من نثر إلى شعر.
وكذلك قوله الحق :
والله يهدي من يشاء إلى صراط(٦) مستقيم ( ٤٦ ) [ النور ]
وأيضا قوله الحق :
نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ( ٤٩ ) [ الحجر ]
وتأتي تلك الآيات في مواقع قد يكون ما قبلها نثرا، مما يدل على أن النغم الذي قاله الله نظما أو شعرا أو نثرا لا نشاز(٧) فيه، ويكاد أن يكون سيلا واحدا.
وهذا لا يتأتى إلا من كلام الحق تبارك وتعالى، وأنت لن تشعر بهذا الأمر لو لم ينبهك أحد لما في بعض الآيات من وزن شعري.
أما كلام البشر ؛ فأنت إن قرأت الموزون، ثم انتقلت إلى المنثور ؛ أحست أذنك بهذا الانتقال ؛ ونفس المسألة تشعر بها حين تقرأ المنثور، ثم تنتقل إلى الموزون ؛ وستشعر أذنك بهذا الانتقال.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم.. ( ٣٢ ) [ يوسف ]
قالت ذلك بجراءة من رأت تأثير رؤيتهن ليوسف، وأعلنت أنه " استعصم "، وهذا يعني أنه قد تكلف المشقة في حجز نفسه عن الفعل، وهو قول يثبت أن رجولة يوسف غير ناقصة، فقد جاهد نفسه ليكبتها عن الفعل.
ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان امرأة العزيز :
ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ( ٣٢ ) [ يوسف ]
قالت ذلك وكأنها هي التي تصدر الأحكام، والسامعات لها هن من أكبرن يوسف لحظة رؤيته ؛ تعلن لهن أنه إن لم يطعها فيما تريد ؛ فلسوف تسجنه وتصغر من شأنه لإذلاله وإهانته.
أما النسوة اللاتي سمعنها ؛ فقد طمعت كل منهن أن تطرد امرأة العزيز يوسف من القصر ؛ حتى تنفرد أي منهن به.
ولذلك يورد لنا الحق سبحانه قول يوسف عليه السلام :
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف(٨) عني كيدهن أصب(٩) إليهم وأكن من الجاهلين(١٠)( ٣٣ )

١ - القافية من الشعر: سميت قافية لأنها تقفوا البيت، وقال الأحفش: القافية آخر كلمة في البيت..
٢ - السجع: الكلام المقفى، وسجع يسجع سجعا تسجيعا: تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن، وصاحبه سجاعة وهو من الاستواء والاستقامة والاشتباه كأن كل كلمة تشبه صاحبتها، قال ابن جني: سمى سجعا لاشتباه أواخره وتناسب فواصله.[لسان العرب-مادة: سجع]..
٣ - الطور: الجبل بسيناء نزل عنده موسى عليه السلام بعد خروجه مع قومه من مصر، قال تعالى: ورفعنا فوقهم الطور (١٥٤)[النساء]، ويسمى أيضا: {طور سيناء..(٢٠) [المؤمنون] و طور سنين (٢) [التين] [القاموس القويم ١/ ٤٠٨]..
٤ الرق: الجلد الرقيق يكتب عليه، وأطلق على الصحيفة البيضاء يكتب عليها. [القاموس القويم ١/ ٢٧٢]..
٥ -هو: أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي الأندلسي، أبو الوليد، وزير كاتب شاعر، من أهل قرطبة، ولد ٣٩٤هـ، انقطع إلى ابن جهور [من ملوك الطوائف بالأندلس] فكان السفير بينه وبين الأندلس، توفي بإشبيلية عام [٤٦٣هـ] في أيام المعتمد على الله ابن المعتضد. [الأعلام للزركلي ١/ ١٥٨] بتصرف..
٦ - قال الأزهري: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي: اهدنا الصراط المستقيم، بالصاد، وقرأ يعقوب بالسين، قال: وأصل صاده سين قبلت مع الطاء صادا لقرب مخارجها، قال الجوهري: الصراط والسراط: الطريق [لسان العرب-مادة: صرط]..
٧ -نشز الشيء ينشز نشوزا: ارتفع، وتل ناشز: مرتفع، ونشز في مجلسه ينشز: ارتفع قليلا، وأنشز الشيء: رفعه عن مكانه [لسان العرب-مادة: نشز].
٨ - الصرف: رد الشيء من حال إلى حال، وصرف السجين: أخلى سبيله، وصرف القلوب يصرفها: حولها من الهدى إلى الضلال: صرف الله قلوبهم.. (١٢٧) [التوبة] أي حولها [القاموس القويم: ١/ ٣٧٤]..
٩ - صبا: يصبو: مال وأحب، قال تعالى: وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (٣٣) [يوسف] أي: أمل إليهن وأفعل ما يغرينني به، وصبا إلى اللهو: حن واشتاق إليه [القاموس القويم ١/ ٣٦٨]..
١٠ - الجهل: الطيش والسفه والتعدي بغير حق، والجهل: ضد العلم وهو الخلو من المعرفة، واسم الفاعل "جاهل"، وصيغة المبالغة "جهول"، ويتحدد معنى الجهل بما يناسب المقام، قال تعالى: ولكن أكثرهم يجهلون (١١١) [الأنعام]: [القاموس القويم: ١/ ١٣٥] بتصرف..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير