ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

قال ربّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه من فعل الفاحشة ؛ بالنظر إلى العاقبة. وإن كان مما تشتهيه النفس. لكن رُبَّ شَهوةَ ساعة أورَثَتْ حُزْناً طويلاً. قيل : إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان اللائق به أن يسأل الله العافية، فالاختيار لنفسه أوقعه في السجن، ولو ترك الاختيار لكان معصوماً من غير امتحان بالسجن، كما كان معصوماً وقت المراودة، وإلا تَصْرِف عني : وإن لم تصرف عني كيدَهُنَّ من تحبيب ذلك إليَّ، وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، أَصْبُ إليهن ؛ أًمِلْ إلى جانبهن بطبعي ومقتضى شهوتي، وأكن من الجاهلين ؛ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن الحكيم لا يفعل ما هو قبيح. أو من الذين لا يعملون بما يعلمون، فإنهم جهال، وكلامه هذا : تضرع إلى الله تعالى، واستغاثة به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الحب إذا كان على ظاهر القلب، ولم يخرق شغافه، كان العبد مع دنياه، وآخرته، بين ذكر، وغفلة. فإذا دخل سويداء القلب، وخرق شغافه نسي العبد دنياه وأخراه، وغاب عن نفسه وهواه، وضل في محبة مولاه. ولذلك قيل لعاشقة يوسف : إنا لنراها في ضلال مبين أي : في استغراق في المحبة حتى ضل عنها ما دون محبوبها. ومنه قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى [ الضحى : ٧ ] أي : وجدك ضالاً في محبته، فهداك إلى حضرة مشاهدته ومقام قربه، فكان قاب قوسين أو أدنى. وعلامة دخول المحبة شغاف القلب أربعة أشياء : الاستيحاش، والإيناس، وذكر الحبيب مع الأنفاس، وحضوره مع الخواطر والوسواس. وأنشدوا :

تَاللَّهِ مَا طَلَعت شَمسٌ ولا غربت إلاَّ وَذكْرُكَ مَقرُونٌ بِأَنفَاسِي
وَلاَ جَلَسْتُ إلى قوْمٍ أُحدّثُهُم إلاَّ وأَنتَ حَدِيثِي بَينَ جُلاّسي
ولا شربتُ لَذيذ الماء مِنْ ظَمَإِ إلا رَأيتُ خَيَالاً مَنكَ في الكاسِ
إن كَانَ للنَّاسِ وسوَاسٌ يُوسوِسُهُم فَأَنتَ واللَّهِ وَسواسِي وخَنَّاسِي
لَولا نَسيمٌ بِذكراكُم أَفيقُ بهِ لكُنتُ مُحتَرِقاً من حرِّ أَنفَاسي

وقال آخر :
خَيَالُك في وَهمِي، وذَكرُكَ في فَهمِي ومَثواكَ فِي قَلبِي، فَأَين تَغِيب ؟
قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن... الآية : أدهشتهم طلعة يوسف، وجماله الباهر، وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئاً من ذلك. كذلك المريد إذا استشرف على أنوار الحضرة وجمالها، أدهشته وحيرته، فلولا التأييد الإلهي ما أطاقها، فإذا صبر على صدماتها، واستمر مع تجليات أنوارها ذهب دهشه. واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى.
وقوله تعالى : قال رب السجن أحب إليَّ ، هكذا ينبغي للعبد أن يكون ؛ يختار ما يبقى على ما يفنى ؛ فرب شهوة ساعة أورثت حزناً، ورب صبر ساعة أورثت نعيماً جزيلاً. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير